ماذا بعد أن يُعرف السبب؟

"إذا عُرف السبب بطل العجب". صحيح، فمعرفة السبب تعني أنه صار ظاهرة تخضع للعقل والمنطق والتفكيك وإعادة التركيب لربطها بالمشكلة التي كانت غير معروفة قبلها. لكن هل يكفي بطلان العجب؟ هذه النتيجة التي من المفترض البناء عليها حتى لا يكون هناك تكرار للمشكلة بطريقة أخرى، أو انبثاق مشاكل أخرى من رحمها.

ما تكشفت عنه الأزمة السورية، بعد أن حوصرت ثورة الشعب الطامح إلى الحرية واسترجاع إرادته من أجل تقرير مصيره بنفسه وبناء مستقبله، وتحولت بفعل العنف الذي قوبلت به أحلامه التي عبر عنها بسلمية كاملة، وانحراف انتفاضته وانزلاقها بسرعة إلى العسكرة وحمل السلاح، ما تكشفت عنه تلك الحالة من واقع مجتمعي يكاد كل سوري ألاّ يصدقه بالرغم من تجسيده بوضوح في كل مناحي الحياة، جدير بالوقوف عنده وتحليله واستنباط النتائج التي يمكن البناء عليها مستقبلاً، فلا يكفي أن نعترف بالمشكلة، وأن يبطُل عجبنا بما آلت إليه انتفاضة الشعب وما أظهر الواقع من أمراض مزمنة كان من البديهي أن تكون سببًا في فشل حراكه.

هل كان يكفي فضح ممارسات النظام التي لم تعد خافية على أحد، خصوصا أن الأنظمة القمعية والشمولية قد تكررت قصصها في كثير من بلدان العالم وكان ما يجمعها من قواسم مشتركة أكبر بكثير مما يمنحها خصوصية في كل بلد تحكمه. أنظمة حكمت بالقبضة الأمنية عملت على صياغة حياة الشعب بطريقة محكمة بإغراقه بمشاكله المتوارثة وخلق مشاكل جديدة ومستجدة ليبقى لاهيا وساهيا عن واقعه،

ماذا فعل هتلر؟ ماذا فعل ستالين؟ التاريخ يصنعه المجتمع والشعب، والتاريخ الجماعي هو الذي يصنع الأحداث ويقرر المصير

ودفعت بالبلاد إلى حالة من الاستنقاع الآسن، متواطئة ومتحالفة مع سلاطين حاكمة ومتحكمة بفعل الاستنقاع هذا، السلطان الاجتماعي والديني، ومنظومة القيم الصلدة التي بقيت تقاوم التغيير والتطور واستمرت تتكئ على الماضي وتنهل نسغها منه.

لكن هل فرد أو مجموعة أفراد قليلين يمكنها أن تصنع التاريخ؟ ربما يستطيع فرد أن يتحكم في الحاضر وفي جزء من التاريخ ويكون قائدا وزعيما وملهما لأمة ما، لكنه لا يستطيع الاستئثار به، فها هي التجارب القريبة أمثلة ما زال وهجها يلفح الذاكرة ويقرص أجساد الأمم المعاصرة، ماذا فعل هتلر؟ ماذا فعل ستالين؟ التاريخ يصنعه المجتمع والشعب، والتاريخ الجماعي هو الذي يصنع الأحداث ويقرر المصير. بعد أن نهضت ألمانيا من دمارها وبدأت البناء وترميم نفسها، كان أول ما عملته هو ترسيخ الثقافة النقدية، نقد الذات بالدرجة الأولى، والاعتراف بأن جزءًا كبيرًا من الشعب لولاه لما وصل هتلر وأوصل البلاد إلى ما وصلت إليه، وخلاصةُ ذلك النقد الذاتي وضعت كأيقونة أو منارة تذكر الشعب في كل لحظة بما حصل، تحت عنوان مضمر: كي لا ننسى. كي لا يعيد التاريخ نفسه وينهار إنجاز هذا الشعب.

من هذا المنطلق، ينتظر السوريين الكثيرُ من العمل في تحليل ظواهر الأزمة السورية، الظواهر كلها، من انزلاق قسم كبير من الشعب إلى العسكرة، وإلى النزوع إلى أسلمة الدولة والمجتمع،

هذه الأنظمة لا يمكن انتظار التغيير منها، هي أنظمة سلطوية تقوم على الاستئثار بالحكم وإقصاء الشعب عن تقرير مصيره واختراع مستقبله

إلى الارتماء في أحضان قوى إقليمية ودولية وتحول قسم من الشعب إلى أدوات لتحقيق أجندات لتلك القوى مضحين بشباب البلد الذين لا يمكن الوثوق بنهضة قادمة من دون طاقاتهم، إلى بروز الطائفية والمذهبية والتناحر القومي، إلى تردي وضع المرأة، إلى تفتت منظومة القيم، إلى الجنوح الأخلاقي، وغيرها الكثير من الظواهر التي عصفت بأحلام الشعب وباءت انتفاضته الطامحة إلى ثورة يقلب من خلالها أنظمة حياته الجائرة بالفشل.

ما ينتظر السوريين هو ما يمكن تسميته بالجهاد المقدس، والنضال المبارك، والعمل الصالح بكل ما يمكن تحميل الكلمة من معانٍ. العمل الصالح هو ما يرفع بالمجتمع وبوعيه، وهذا العمل لا يمكن انتظاره من أي سلطة أو نظام ديكتاتوري شمولي، خاصة بعدما أظهر الواقع الشرس أن ما جرى بعد السنة الأولى لانتفاضة الشعب ليس أكثر من صراع على السلطة، وليس لدى أي فريق من المتنازعين ما يقدمه للشعب أو برنامج يمكن الوثوق به والاحتمال في انتظار تحقيقه. الأنظمة من هذا النوع، التي انتفض الشعب ضدها بعدما صادرت ماضيه، وتلك التي ترنو إلى زعامة قادمة يبدو أنها ستصادر المستقبل، هذه الأنظمة لا يمكن انتظار التغيير منها، هي أنظمة سلطوية تقوم على الاستئثار بالحكم وإقصاء الشعب عن تقرير مصيره واختراع مستقبله، وليس لديها برنامج يمكن أن يعد بشفاء المجتمع من أمراضه التي فتكت به في هذه المرحلة، ولا في بناء دولة يمكن أن تنهض وتستمر وتتطور طالما تقوم على شرائع سماوية أو دنيوية، لا فرق، لا تراعي الحقوق على أساس المساواة والعدل وضمان الحريات والمعتقدات وحرية الفكر والمحاسبة العادلة أمام القانون.

هذا العجب الذي عرفناه، تَفتتُ المجتمع السوري وظهور أمراضه المزمنة بشكل لم يعد هناك أمر مكبوت، والحروب البينية بين مكوناته، لا يمكن أن يتعافى المجتمع السوري منها من دون الشغل الحثيث والجاد، إنها مسؤولية النخب في كل المجالات، فالثورات تاريخيًا تعطي الدروس إذا ما درسناها، لم تصنع الواقعَ الجديد بعد الثورات والانتفاضات القاعدةُ الشعبية، العمال والفلاحون وشرائح الشعب التي أكثر ما عانت من ظلم الأنظمة السائدة، بل من صنع التغيير هم نخب المجتمعات ومفكروها ومثقفوها.

على أمل أن يكون العجب قد خفت صدمته ودخلنا في مرحلة التمعن بهذه الأسباب، يُنتظر من كل سوري من النخب، كل في مجال ثقافته وعلمه وخبراته أن يقدم خلاصة فكره، لم يعد يكفي لعن كل الجهات التي ساهمت في دمار بلادنا، من نظام جبار إلى معارضة أنهكت الشعب بانقساماتها وولاءاتها وحروبها، إلى أطراف خارجية ضالعة في مأساة الشعب، تلك اللعنات لا تقدم أكثر من زفرة عاجز، والشعب السوري يجب ألاّ يصل إلى العجز حتى لو دفعه جبروت الحرب إلى اليأس الجماعي. إصلاح عللنا ورتق ثقوب ثوبنا المهلهل أمر لا بد من أن نعترف بأنه ضروري لأجل غدنا وإمكانية الحياة مستقبلاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم