مات الساروت.. يلعن روحك يا حافظ

مظاهرة يقودها الساروت في ريف إدلب (ناشطون)

سيبقى فيلم "العودة إلى حمص" لـ(طلال ديركي) مرجعاً تاريخياً، ووثيقة فنية بصرية عن الثورة السورية، في حمص تحديداً.

كرس ديركي فيلمه لملاحقة الشخصية الثورية عبد الباسط الساروت، حارس مرمى نادي الكرامة ومنتخب سوريا للشباب، الذي سيحمل لقبيّ "حارس الثورة السورية" و"منشد الثورة". وعلى امتداد ساعة ونصف نشاهد الساروت متولياً ابتكار الهتافات والأهازيج والردّيات في التظاهرات الليلية بالساحات الداخلية لأحياء حمص. وفي النهار، نراه منهمكاً في أعمال الإغاثة، وتنظيم الأنشطة المدنية السلمية، وإدارة عمليات الإعلام وبث الصور والفيديوات الميدانية، بل وأيضاً في ملاعبة الأطفال الذين باتوا يطاردونه بشغف أينما رأوه، في حركة لا تهدأ حتى الفجر.. إلى أن نرى الساروت وقد بات وجهه حاملاً علامات ندرة النوم والإنهاك البدني.

لاعب كرة القدم هذا، لصيق الحياة الشعبية في حمص وربيبها، هو صوتها العفوي ولهجتها. وهو لا يجهد ولا يكترث لـ"تبرير" الثورة، كما لو أنها بديهة لا معنى للسؤال فيها. وبالبداهة نفسها انتخبته حمص عفوياً وتلقائياً صورة لها وحنجرتها ورأس تظاهراتها وتجمعاتها. وعلى النحو نفسه كانت كلماته وشعاراته تأتي عفو الخاطر والسليقة وكأنها في الوقت نفسه طالعة من دواخل ومخيلة وأفئدة السكان، أهلاً وشباناً وشابات جميعهم، وتخاطب فيهم وتقول ما يعتمل دخيلتهم وأفكارهم.

هناك مشهد في "العودة إلى حمص" نرى الساروت يجتاز الجموع من مؤخرة التظاهرة إلى مقدمتها عالياً عن الجمهور بكامل قامته المستقيمة، كما لو أنه مرفوع في الهواء سحراً ومعجزة، طالما أنه لا يعتلي الأكتاف ولا تحمله الأيدي. وهو ما أن يمسك الميكروفون حتى يصيبه تحول فيزيولوجي ينقلب فيه جسده النحيل إلى "قامة" طويلة ممتلئة بالعزم، فيما صوته الشجي والمبحوح يكتسب قوة اللوعة والشجن القديم الذي لا بد أنه طالع من عتق المدينة ووجدانها. يكتسب الساروت لحظة قيادته للتظاهرة تحولاً كوريغرافياً لجسمه، كأن تمتد يده في الهواء وتلوح أبعد من مداها الحقيقي. الإيقاع الذي يحرك به أجسام الآلاف الذي تجمهروا في حلقات القفز والرقص الدائري، استجابة لكل "ردّية" يطلقها، خصوصاً عندما تتحول عبارة "يلعن روحك يا حافظ" إلى أغنية مرحة وراقصة.

"اسمع اسمع يا قناص.. هيدي الرقبة وهيدا الراس" هو أول شعار ابتكره، حسب قوله في الفيلم. ثم إنه راح يؤلف مع كل حدث يومي موّالاً، كما لو أنه بهذه الطريقة "يدون" للذاكرة الشفهية الحقائق اليومية والوقائع والأحداث، تدويناً حياً وشعبياً غير قابل للمحو ولا للنسيان، تماماً كما كانت الملاحم الشعبية تؤَّلف وتشاع.   

في واحدة من ردياته، تنقلب الحماسة إلى شجن حزين ومكسور، وإلى قهر فاجع: "مالو بشار يقتل شعبه عشان كرسي؟ حرام عليك، حرام عليك". وحين يرددها الجمهور بنبرة أليمة، نشعر بالفظاعة التي تهددهم، كما لو أيقنوا أن "قتل الشعب" سيتعاظم إلى إبادة.

بات الساروت بنظر السوريين يعبّر عن مطالبهم السياسية المباشرة، كاتباً بيانهم اليومي، مسطراً المواقف والأهداف والتحولات المتسارعة ميدانياً وسياسياً وإعلامياً

عندما راح يصرخ مع أهل حمص "برهان غليون مانك سمعان؟ الشعب بدو حظر طيران"، بات الساروت بنظر السوريين يعبّر عن مطالبهم السياسية المباشرة، كاتباً بيانهم اليومي، مسطراً المواقف والأهداف والتحولات المتسارعة ميدانياً وسياسياً وإعلامياً، متقدماً على هيئات "المعارضة" في الخارج وهادياً لها. وهذه هي لحظة التحول عند الساروت، بوصفه بات قائد الثورة في حمص. في العام 2011، كان عبد الباسط الساروت يبلغ سن 19 عاماً فقط.

في أواخر العام الأول للثورة، سيتحول النشطاء السلميين وشبان التظاهرات، مع وصول الدبابات والألوية العسكرية وبداية القصف المدفعي العشوائي، واقتحامات الفرق الخاصة للأحياء، وتولي أجهزة المخابرات عمليات الاعتقال فالتعذيب والموت والإعدامات الميدانية.. سيتحولون إلى مجموعات دفاع محلية، في الوقت الذي وضع النظام اسم الساروت على رأس لائحة المطلوبين وقام بقتل أخيه الأكبر، وليد، وعدد من أفراد أسرته وتدمير منزل العائلة، وبدء عزل أحياء الخالدية وباب عمرو والبياضة ومحاصرة باقي الأحياء. لقد فرض النظامُ الحربَ: إما الاستسلام ودفن الثورة كلياً وإما القتال والتمرد.

هنا، سيرتقي الساروت إلى مرتبة أعلى من قائد التظاهرات ومنشدها الأبرع. سنراه مقاتلاً بالغ الشجاعة والتهور والإقدام. ما سيمنح اسمه بعداً أسطورياً إضافياً. صار "بطلاً" واقعياً وفي الفيلم أيضاً. هذا لا يحدث في العالم الحقيقي إلا نادراً: أن البطل لا يمثل. والبطولة فائقة واقعياً إلى درجة أنها "سينمائية". وستوثق كاميرا طلال ديركي على نحو صادم ومدهش هذه الشجاعة الاستثنائية لعبد الباسط، الذي أصيب مرات عدة، ليعود إلى القتال مجدداً، حتى قبل أن تبرأ جروحه.

لقد بدا واضحاً أن مصير حمص أضحى من مصير الساروت. ولأن المدينة في مطلع العام 2012 حملت لقب "عاصمة الثورة"، ستكتسب حياة الساروت وأفعاله قوة رمزية ملهمة وبالغة الخطورة، خصوصاً مع "التدخل" المتعدد الجهات، المانح مالاً ومساعدات وسلاحاً للمجموعات الثورية. زمن العفوية انتهى وفق متطلبات الحرب، المتسربة إليها الفوضى الميدانية والتخبط السياسي، مقابل آلة النظام العسكرية التي تنتهج أقصى درجات الوحشية، خصوصاً بتعمد قنص الأطفال وخطف النساء والاعتداء عليهن، وتشديد الحصار الغذائي وحملة التدمير العنيف.

سقوط حمص وخروج الساروت منها، كان علامة على المنعطف الذي أخذته الحرب والثورة: منعطف الحرب الشاملة وحملة الإبادة والتهجير

سقوط حمص وخروج الساروت منها، كان علامة على المنعطف الذي أخذته الحرب والثورة: منعطف الحرب الشاملة وحملة الإبادة والتهجير. استعاد النظام نموذج "حماة 1982" ليعممه على سوريا كلها. ونجاة الساروت كانت انتصاراً معنوياً. بل إن خروجه الأول وعودته في المعركة الأخيرة، قبل الخروج النهائي، أوحى أن "انتصار" النظام مستحيل، وإن أكد أن مآلات الثورة صارت أكثر سوداوية وتشاؤماً.

الشجاعة المطلقة والانغماس بالتضحية وسخاء الافتداء الذي ميّز مئات الآلاف من السوريين في ثورتهم، بل هذا العناد حتى الموت في المواجهة، سيضفي على الأحداث السورية طابعاً تراجيدياً مروعاً، طابع النكبة التاريخية. وكأن ما أصاب الثورة، إنما يزيد العالم وحشة وقسوة.

انتقل الساروت من براءة اللعب وبهجة الملاعب إلى رومانسية التظاهرات والهتافات، ومن كرنفالية الساحات وحلقاتها الراقصة إلى حماسة الإغاثة والتصوير والتواصل الإعلامي.. ومنها إلى شجاعة التمرد المسلح وفروسية الدفاع عن الناس المظلومين، وصولاً إلى الانخراط المحترف بالحرب والتحول الصعب نحو يأس التطرف في مسار القسوة وفائض الموت وشراسة العدو، ثم الانتباه والتراجع عن بؤس الخيار التكفيري، والعودة مرة أخرى إلى حضن المعارضة المسلحة.. 

طوال ثماني سنوات، سيبقى الساروت مقاتلاً مندفعا، بخيار البقاء في سوريا وفي الجبهات الأمامية. خيار "إما النصر أو الموت". أما نحن الذين لا نحبذ نفي الضعف الإنساني ولا نصدق روايات الأبطال الخارقين، فإننا نعجز عن إنكار تحقق "البطولة" بمعناها الملحمي والروائي والسينمائي مع هذا الشاب الحمصي وروحه التي تحرس الحلم السوري.

بموته لا بد من ترداد أعمق آهة سورية: يلعن روحك يا حافظ.

شارك برأيك

أشهر الوسوم