لنخرج من هنا

عربات عسكرية أمريكية شمال شرق سوريا (إنترنت)
مركز كارنيغي للشرق الأوسط - مايكل يونغ

قرار دونالد ترامب بالانسحاب من سورية يرسي أسس مرحلة مابعد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

أثار قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سورية صدمةً متوقَّعة في أوساط المعنيين بالسياسة الخارجية في واشنطن، ودفعَ وزير الدفاع جيمس ماتيس إلى إعلان استقالتهيوم الخميس، موجِّهاً الملاحظة الجانبية الآتية إلى ترامب في رسالة استقالته: "آرائي عن معاملة الحلفاء باحترام وكذلك عن امتلاك رؤية واضحة عن الأفرقاء الخبثاء والخصوم الاستراتيجيين على السواء شديدة الرسوخ وتستند إلى اطّلاع عميق على هذه المسائل على امتداد مايزيد عن أربعة عقود".

كانت الأسباب المعلَنة التي ذكرها الرئيس وراء إصداره الأوامر بالانسحاب، مشوِّشة. ففي البداية، أعلن أنه أقدم على هذه الخطوة لما مفاده: "هزمنا الدولة الإسلامية في سورية، وهو السبب الوحيد لوجودنا هناك خلال رئاسة ترامب". لكن يبدو أن ترامب تذكّر أن الدولة الإسلامية لم تُهزَم، فأعقب تغريدته هذه بتغريدتَين تُعبّران عن نيّة مختلفة: إذاً، أُلحِقت هزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن روسيا وإيران وسورية غير مسرورة لأنه سيكون عليها أن تستمر في محاربة التنظيم بمفردها، مايعني أنه لم يُهزَم. أكثر من ذلك، هذه التصريحات غير المترابطة صادرة عن رئيس يُوجّه الرسائل عبر هاتفه، في حين أنّ مَن يديرون السياسة الأميركية في الملف السوري تُرِكوا في حالة من التعتيم إلى حد كبير، وراحوا يتخبطون لتغييرالقرار الذي اتُّخِذ، إنما من دون جدوى. وفي خطوة أشبه بملاحظة على الهامش، أصدر ترامب أيضاً يوم الخميس قراراً بانسحاب عسكري واسع النطاق من أفغانستان.

من سخرية القدر أن بعضاً من الأميركيين الأشد دعماً لترامب، الذين كانوا قد أثنوا على قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، استشاطوا غضباً، إذ اعتقدوا بأن هذه الخطوة قد تقوّض عملية احتواء إيران. فقد غرّد مارك دوبوفيتز من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات قائلاً: "لقد أجهز ترامب على خطة النقاط الـ12 التي وضعها [وزير الخارجية مايك بومبيو] وضمّنها، في بادرةٍ حكيمة، نقاطاً عدّة تتعلق بتعطيل التأثير الإيراني في المنطقة ودَفْعِه نحو الانحسار". ويُشار إلى أن دوبوفيتز كان قد تعاون مع الإدارة الأميركية لوضع استراتيجية للتعامل مع طهران، وشجّعها على تقديم الدعم المطلق لإسرائيل.

التهمة التي درَج اليمين السياسي في الولايات المتحدة على توجيهها إلى طهران هي أنها تلجأ، مدفوعةً برغبتها في توسيع امتدادها في المنطقة، إلى تدمير النظام الإقليمي الذي واظبت واشنطن على الدفاع عنه طوال عقود في الشرق الأوسط. هذا صحيح بالطبع، إنما ثمة إجماعٌ راهناً بأن ترامب ذهب أبعد من الجميع في تدمير ذلك النظام، لسببٍ وحيد هو أنه لايأبه إطلاقاً بمنطقة نعتَها بأنها "جزءٌ بغيض من العالم".

لذلك لابد للمرء أن يشعر بشيء من الرضى وهو يشاهد داعمي ترامب يستشيطون غضباً ضد خطواته الأخيرة في سورية. فقد دأبوا، على امتداد عامَين ونيّف، على مؤازرة ترامب الذي صوّروه بأنه نقيضُ باراك أوباما الذي سعى إلى إجراء مراجعة جذرية للدور الأميركي في الشرق الأوسط. لكنهم باتوا يدركون اليوم أن ترامب وأوباما متشابهان في تعاطيهما مع المنطقة إلى درجة أكبر بكثير مما قد يرغبون في الإقرار به. لاشك أنه كانت لأوباما مقاربة مختلفة عن تلك التي يعتمدها ترامب في التعامل مع إيران، بيد أنه كانت للرجلَين النظرة نفسها إلى الشرق الأوسط لدى تسلّمهما الرئاسة، إذ رأيا فيه استنزافاً عقيماً للموارد الأميركية، واعتبرا أن المنطقة لاتحمل آمالاً كبيرة للمستقبل، وأن على دولها أن تعتني بشؤونها بنفسها، وأن تتوقّف عن الاعتماد على القوة الأميركية لحل مشاكلها.

عندما انقلب ترامب على المقاربة التي انتهجها أوباما عبر انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، وتقديمه الدعم لحلفاء بلاده التقليديين مثل إسرائيل والسعودية، سادت بهجةٌ عارمة في أوساط منتقدي أوباما. في رأيهم، لايمكن أن يخطئ ترامب. هذا كان قبل الأسبوع الراهن، حيث أظهر قراره في الملف السوري أنه لانيّة لديه لتخطّي حدود معيّنة في معارضته للإيرانيين. ربما اتخذ ترامب قراراً سيّئاً، إنما ليس بإمكان أحد أن يدّعي أنه اعتمد التضليل. كان ينبغي على داعميه المحبَطين أن يدركوا أنه سيُخيّب ظنّهم، غير أن رضاهم الذاتي عن سلوكه تجاه إسرائيل والسعودية دفعَ بهم، على نحوٍ خاطئ، إلى الافتراض بأنه سيتبنّى تفضيلاتهم إلى مالانهاية.

إذاً أين نحن الآن؟ مع انسحاب الولايات المتحدة قريباً من سورية، سوف تصبح إسرائيل وحيدةً في موقع الخصم الإقليمي الفاعل لإيران. سرعان ما أدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الواقع،وأعلن في مطلع هذا الأسبوع: "سوف نستمر في التحرك في سورية درءاً للمسعى الذي تقوم به إيران لتحصين نفسها عسكرياً ضدنا. لن نخفّض جهودنا؛ بل سنزيدها. وأنا أعلم أننا نحظى في مسعانا هذا بالدعم والمؤازرة الكاملَين من الولايات المتحدة".

يعني ذلك أننا نشهد على تكوُّن نظامٍ إقليمي جديد، حيث ستكون إسرائيل في مقلبٍ وإيران في المقلب الآخر، فيما تقف روسيا في الوسط تكتسب نفوذاً وتَجمع أوراقاً سياسية في رصيدها. لاعجب في أن الإسرائيليين والسعوديين، شأنهم في ذلك شأن الأتراكوالأكراد السوريينوحتى اللبنانيين، يعملون على بناء روابط مع موسكو، إذ يستشعر جميعهم أنه لايمكن الاعتماد على أميركا في مسائل النفوذ. اليوم، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الشخص الذي يحتكم إليه قادة المنطقة، حتى ولو كانت روسيا أضعف من الولايات المتحدة. فمن أجل الحصول على النفوذ، يجب القتال في سبيله، ويبدو بوتين أشد براعة بكثير في هذا المجال من الشخصية التلفزيونية العابثة التي تحكم أميركا اليوم.

هناك المسألة الصغرى المتعلقة بالأرواح التي قد تُزهَق جرّاء خروج ترامب من سورية. لكن النتائج المحتملة قد لاتكون دموية بقدر ماهو متوقّع. فالأكراد السوريون، وفي مواجهة الخطر الداهِم بحدوث تدخّل تركي في شمال سورية، قد يلجأون إلى النظام السوري وروسيا ويحاولون التوصّل إلى ترتيبٍ ما معهما. لقد عبّر الأتراك عن ترحيبهم بالانسحاب الأميركي، إنما قد يقبلون على الأرجح بعودة قوات النظام السوري إلى شمال سورية ليتمكّنوا من خنق التطلعات السياسية للأكراد. وسوف يستعيد الرئيس السوري بشار الأسد السيطرة على حدوده، الأمر الذي يعود حكماً بالفائدة على إيران. وفي جنوب سورية، قد نشهد استمرار الصراع الإيراني-الإسرائيلي على المناطق المتاخمة لمرتفعات الجولان، الأمر الذي سيؤدّي، على نحوٍ شبه مؤكّد، إلى تعزيز الدور المركزي الذي تؤدّيه روسيا في رسم معالم نتيجة نهائية هناك.

نهاية العالم ليست وشيكة، وفق مايدّعي عددٌ كبير من منتقدي ترامب، لكننا نقف على مشارف شرق أوسط جديد. ربما سيكون ترامب، ذات يوم، موضع ثناءٍ لأنه أدرك أن المنطقة لاتستحق عناء المجهود. لكن في الوقت الراهن، سيكون على الولايات المتحدة أن تُقرّ بأنها تتسبب بأوضاع أكثر هشاشة إلى حد كبير من تلك التي ورثها ترامب. وهذا سيحمل معه حروباً جديدة وتحولات جديدة، ماقد يدفع الولايات المتحدة للعودة إلى المنطقة. وانطلاقاً من الدرس الذي تعلّمه أوباما، يمكنك أن تسجّل خروجك من الشرق الأوسط إنما لايمكنك أن تغادره فعلاً.

 

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

شارك برأيك

أشهر الوسوم