لنتخلى عن المراهنات والأوهام

لا بد من الاعتراف أن بلادنا تعيش حالة الكارثة حيث البلاد مُقسمة بالفعل إلى مناطق نفوذ ثلاث، تتصارع فيما بينها من دون اكتراث بهموم ودماء السوريين. يُضاف إلى ذلك أن كل منطقة صار لها حراسها كوكلاء للدول الراعية، حيث يشنون المعارك عند الطلب، بينما يستمر النظام وداعموه روسيا وإيران، في قتل وتشريد من تبقى من السوريين، لفرض ترتيبات تضمن مصالح تلك الدول.

ومن بين الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذه الحالة، وضع المعارضةِ بشكليها التقليدي القديم والجديد التي عملت بالهيئات التي تشكلت بُعيد انطلاق الثورة السورية التي نشدت بعفويتها وبصوابية كبرى الكرامة والحرية.

كشفت تلك الهيئات الجديدة التي شُكلت في الداخل والخارج عن توهم كبير لدى تلك الأطراف المؤسِسة، وعن قصور في تفهّم طبيعة النظام السوري -وهي التي ادعت أنها على معرفة ودراية به- ولم تدرك أنه ليس كباقي الأنظمة الدكتاتورية، وأنه نظام مهيمن بالكامل على مفاصل المجتمع، وقائم على نواة صلبة طائفية مكونة من أجهزة المخابرات وقيادة الجيش، وحولها شبكة محسوبيات مؤلفة من البرجوازيين السنّة وكتلة الموظفين الكبيرة تسبحُ حولها وتقتات على ما يتبقى من فتات. شكلّت تلك التركيبة القائمة على مزيج من العقائدية والطائفية والمصالح نظاماً من نوع فريد، تنحصر علاقته بالمجتمع باتجاه واحد: الإخضاع أو التدمير.

وفي المقابل، وعوضاً من أن تواجه المعارضة تلك التركيبة الفريدة للنظام، من خلال الاندماج بفعاليات الثورة والعمل الجدي على إنهاء ذلك السرطان الأسدي، بحثت عن صيغ تهربُ من خلالها نحو المستقبل، متوهمة أن سقوط النظام آتٍ مثله مثل الأنظمة التي أسقطتها ثورات الربيع العربي، في كل من تونس ومصر وليبيا.

وكثيراً ما أغرتها تجربة ليبيا فعكست رغباتها ونزعاتها الإرادوية، بأن الغرب سيكرر تجربة ليبيا في إطاحة نظام الأسد، فسارعت إلى تشكيل هيئات مماثلة، وبنفس الاسم: (المجلس الوطني) وقد كشفت سرعة تشكيله عن هشاشته وتخندق أطرافه، مما حوّله إلى ساحة تصارع وتقاسم، يجمع بين أطرافه الرغبة والتمني في إسقاط نظام الأسد. وسرعان ما تمّ استبداله بالائتلاف الوطني، بناء على طلب أميركي مع وعود هائلة بالدعم الذي لم يصل منه إلا القليل، إلى أن تخلى عنه "أصدقاؤه" واحداً تلو الآخر، ثمّ شكلوا هيئة التفاوض بناء على ما أحدثه الروس من تغييرات على الأرض وفي المواقف الدولية.

ظهر الخلاف بشكل واضح في تلك الهيئات التي تشكلت بعد انطلاقة الثورة كانعكاس

باستعراض سريع لمسيرة الهيئات المُشكلة وقت الثورة، نجد أنها راهنت كثيراً على الخارج في دعمها، لدرجة إيكال مهمة إسقاط النظام للخارج

للخلافات بين الدول الإقليمية والدولية "الداعمة"، وتجلى في المحاصصة ونصب الأفخاخ للآخر ومحاولة تسجيل المواقف على حساب الآخر، مما عطل تلك الهيئات والإمكانات التي كان يمكن أن تقدّمها لقضية السوريين.

وباستعراض سريع لمسيرة الهيئات المُشكلة وقت الثورة، نجد أنها راهنت كثيراً على الخارج في دعمها، لدرجة إيكال مهمة إسقاط النظام للخارج الذي أسقط نظام صدام حسين (2003) والقذافي (2011). ومن ناحية أخرى، برزت بشكل واضح حالة التخندقات فيما بينها التي دفعت بشخصيات ليس لها إلا السمعة السيئة بين السوريين إلى الواجهة، تحت غطاء "ديمقراطي" وفي الوقت نفسه نصّبت شخصيات من طرف آخر، لم يكن لها همٌّ سوى تكديس المزيد من الثروة على الطريقة "الشرعية"، وهكذا أصبحت هذه الهيئات جسماً يتآكل بسرعة، بعد أن صارت مطيّة لمن يشاء.

لا تتحمّل الهيئات والأحزاب المعارضة، وحدها المسؤولية عن هذه الحالة الكارثية، فالدور الخارجي كان أكبر من قدرات السوريين، لدرجة صار فيها هو الدور الوحيد، بعد أن ألحق "هيئات الثورة" بمحاوره وسياساته، لكن كان من الممكن لهيئات جدية، تتمتع بقدر من الاستقلال النسبي في موقفها وتحمل الهمّ السوري بالحدود الدنيا، الاستفادة والمناورة من تلك التصارعات الدولية والإقليمية بما يخدم مصالح السوريين، ولكن نصيب السوريين كان الابتلاء بنخبة سياسية ضيقة الأفق، حزبية الطابع، انتهازية السلوك.

ويعود سبب التخندق الأيديولوجي هذا إلى الظروف التي نشأت فيها الأحزاب السياسية في القرن الماضي وتفريخاتها الحديثة. فمعظم هذه الأحزاب تستند في مرجعياتها إلى عقائد شمولية تدعي الإحاطة بكل المعارف والعلوم، ولديها إجابات حتى على القضايا المستقبلية والمتخيّلة، ومن جهة أخرى كانت نشأتها وسط حالة من الاستقطاب السياسي السائد في ذلك الحين، بين المعسكر السوفيتي والأميركي، مما أكسب تلك الأحزاب المزيد من الاستقطاب، وشحنها بعدائية حادة متبادلة.

لم تتمكن تلك التشكيلات السياسية من التخلص من تلك التخندقات، رغم كل التغيرات والأحداث الكبرى التي عصفت بالعالم وبلادنا، لسبب بسيط هو أنها متشربة لحد الإشباع تلك الأيديولوجيات، من دون تفهم ظروف نشأتها وتاريخها من جهة، وبالتالي غربتها عن الحوامل الاجتماعية في بلادنا، مما جعل من "تبيئتها" أمراً شبه مستحيل، بل حولت تبيئة تلك الأيديولوجيات إلى أيديولوجية جديدة.

نتيجة للحالة هذه، وتغطية على فشلها لجأت هذه الأطراف المعارضة إلى طرح قضايا لتختلف عليها فقط، مثل شكل النظام

النظام الأسدي لم يعد وحده من يتحكم في مصيرنا ويحتل بلادنا، بل روسيا وإيران اللتان ما تزالان إلى اللحظة تمارسان القتل بحق السوريين

السياسي المقبل، وطبيعة الدولة، وعلمانيتها، وحقوق الأقليات وباقي "المكونات"، وقد تحولت هذه الاختلافات إلى مجالات جديدة تتصارع فيها، أكسبتها هويات جديدة إضافية، في الوقت الذي كان النظام وداعموه الروس والإيرانيون يقتلون البشر في مهمة واحدة: سحق التمرد.

ما ينبغي علينا أن ندركه اليوم، بعد كل التضحيات الهائلة التي قدمها السوريون، أن النظام الأسدي لم يعد وحده من يتحكم في مصيرنا ويحتل بلادنا، بل روسيا وإيران اللتان ما تزالان إلى اللحظة تمارسان القتل بحق السوريين، وأنهما لن يتركا بقعة من سوريا إلا يدمرونها، وبالتالي ، بعد أن فقدت "هيئات الثورة" مبررات وجودها، وتحولت إلى ملحق تكميلي للمفاوضات وللكرنفالات، من الضروري البحث عن شكل جديد من المقاومة مهمتها تحرير البلاد والخلاص من الاستبداد أولاً، ومن ثم تهيئة المناخ للسوريين لاختيار شكل نظام الحكم والدولة والحزب وغيره من المواضيع التي كانت عامل فرقة بين التيارات الحالية. بمعنى التخلي عن أوهامها ومراهنتها على الخارج والتخلص من خندقاتها والبناء اعتماداً على الوقائع القائمة والسعي لتجاوزه.

المعركة مع الاستبداد وداعميه طويلة، وليكن خيارنا فقط الخلاص من الاستبداد كمقدمة للتحرير، كما نادت الثورة السودانية، التي كانت أكثر وعياً: يسقط وبس.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم