لماذا يعيد العرب تأهيل الأسد؟

بالرغم من أن جامعة الدول العربية تعد أقدم المنظمات الإقليمية على الإطلاق إذ يعود تأسيسها إلى ما قبل الأمم المتحدة ذاتها، عام 1945 إلا أن تطورها سياسياً وكمنظومة أمنية وإقليمية يعد الأسوأ على الإطلاق مقارنة مع كل المنظمات الإقليمية عبر العالم، ومكون العدالة أو المحاسبة بوصفه مؤشراً لتطور مبدأ حكم القانون في المنطقة ذاتها، يعد بالتالي الأكثر تخلفاً وتأخراً.

لقد كانت المنظومة الأوروبية لحقوق الإنسان الأسرع تطوراً ونمواً بعد الحرب العالمية الثانية ولحقتها المنظمة بين الأمريكيتين في أمريكا اللاتينية التي تمكنت من تأسيس محكمة حقوق الإنسانية الأمريكية (inter American court of human rights) وكان آخرها منظومة الاتحاد الأفريقي التي شكلت محكمة خاصة ضمن منظومة حقوق الإنسان والشعوب الأفريقية تحت اسم (المحكمة الأفريقية للعدالة وحقوق الإنسان) في عام 2008 وتمكنت من محاكمة رئيس تشاد السابق حسن هبري بتهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب التي ارتكبها.

وعلى ضوء ذلك كان من المستحيل أن يتبلور موقف حقوقي قائم على المحاسبة ضد نظام الأسد لغياب هذه المنظومة أصلا، وأصبح الكل يتعامل معه وفق مبدأ الواقعية السياسية بوصفه "المنتصر عسكرياً"

بقيت المنظومة الحقوقية العربية تعكس دور القانون في الحكومات العربية، حيث لا استقلال للقضاء مع هيمنة كاملة للسلطة التنفيذية على مؤسسات القانون والتلاعب السياسي الدائم بمؤسسات إنفاذ القانون حتى إن مصر التي كان لها بوادر تطور مستقل للقانون تراجعت لمستويات مخيفة مع استلام الرئيس السيسي السلطة عام 2013 وتحول القضاء إلى أداة لقمع المعارضين السياسيين ومحاسبتهم، وعلى ضوء ذلك كان من المستحيل أن يتبلور موقف حقوقي قائم على المحاسبة ضد نظام الأسد لغياب هذه المنظومة أصلا، وأصبح الكل يتعامل معه وفق مبدأ الواقعية السياسية بوصفه "المنتصر عسكرياً" بما يعنيه ذلك من انهيار مطلق لمفهوم القيم ودورها في الحياة السياسية العربية العامة ولذلك بدأت العديد من الدول العربية تفكر في إحياء علاقاتها مع نظام الأسد وفقا لمبدأ النفعية السياسية واستجابة بشكل أو بآخر للضغوط الروسية التي ترى من أحد مهماتها السياسية اليوم إعادة تأهيل نظام الأسد وتعويمه عربيا لاسيما في ظل انسحاب أمريكي كامل ليس من الملف السوري وإنما أيضا من الأراضي السورية وفق ما أعلنه الرئيس ترامب الشهر الماضي.

يمكن القول إذاً إن إعادة تأهيل نظام الأسد يعتبر نتيجة طبيعية لانهيار منظومة العدالة في العالم العربي، إذ ما زال ينظر لها من زاوية أخلاقية بدل النظر لها من زاوية الكرامة وحقوق الإنسان العربي في إرساء مبدأ العدل والمساواة وحكم القانون، وعندما تطال بعض الأصوات بإبعاد الأخلاق عن السياسية ينكرون على السياسة بعدها الرئيس بوصفها خدمة للمجتمع العام ومصالحه، ولذلك علينا أن ننظر إلى عودة الأسد إلى الحظيرة العربية بوصفها منظومة عاجزة عن استعادة معنى القيم في الحياة العامة، وعلى رأس هذه القيم هي قيم العدالة وحقوق الإنسان.

أما العامل الثاني فهو الدور الروسي في إعادة تأهيل الأسد: إذ بقدر ما تنسحب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط بقدر ما تملأ هذا الفراغ روسيا، ليس بسبب أهمية هذه المنطقة فحسب وإنما لفشل تطور المنظومة الإقليمية العربية ككل ضمن منظور العلاقات البينية وإنما تطورها اعتمد بشكل رئيسي على الفاعلين الدوليين بوصف العلاقة معهم أهم أمنياً واستراتيجياً من العلاقة مع الجار العربي أو الدول الأعضاء ضمن المنظومة العربية، ولذلك استغلت روسيا هذا المبدأ في إعادة تركيز دورها عربيا بشكل رئيسي من خلال الأزمة السورية، ووضعت تأهيل نظام الأسد ضمن أحد محاورها وأهدافها السياسية لاسيما أن روسيا أكثر تقاربا مع محور العداء لثورات الربيع العربي التي وجدت فيها نافذة لتقارب بين العلاقات العربية والغربية عندما تصبح الدول العربية أكثر ديمقراطية وتعددية وهو ما ينتفي مع التصور الروسي في صعود التسلطية العالمية ودعمها من خلال دعم الأنظمة التسلطية عربياً، وتخلّي الولايات المتحدة أصلاً عن دورها في دعم قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال فترة الرئيس ترامب.

وضعت تأهيل نظام الأسد ضمن أحد محاورها وأهدافها السياسية سيما أن روسيا أكثر تقاربا مع محور العداء لثورات الربيع العربي

ولذلك وفي محاولة لمزيد من التقارب مع روسيا تحاول حكومات مثل البشير في السودان أو موريتانيا التقارب مع الأسد بهدف زيادة كسب الود الروسي بما يعنيه ذلك من حماية روسية في مجلس الأمن الدولي ضد أية إدانات محتملة لاسيما أن البشير مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وأيضا ربما يفتح الطريق باتجاه المزيد من المساعدات الروسية لدول فشلت في تطوير اقتصاد الإنتاج وأصبح اعتمادها كليا على الهبات والمساعدات.

في النهاية يمكن القول، إن عودة الأسد عربياً كانت متوقعة بسبب هشاشة المنظومة الإقليمية العربية وتغول الدور الروسي، ولذلك يبقى أن من دعم ثورات الربيع العربي في دورها الديمقراطي يجب أن يركز بناء جسور إقليمية تعيد التوازن لقيم الكرامة والحرية وحقوق الإنسان.   

شارك برأيك

أشهر الوسوم