لماذا لم تثر كلية الشريعة في حلب؟

بوابة جامعة حلب(إنترنت)

في بداية الثورة سنة 2011 وحتى نهاية 2012 كانت معظم كليات جامعة حلب تنخرط في مظاهرات ووقفات احتجاجية، ما خلا كلية الشريعة التي لم تنطلق منها مظاهرة واحدة، لكن بعض طلبتها كانوا يتسلّلون وينضمون إلى بقية الطلبة من الكليات الأخرى في مظاهراتهم وتحديهم! يعود هذا الاختلاف ما بين الكليات إلى طبائعها الأرسطية المختلفة التي تبلورت عبر السنين. فهنالك كليات نضارة ورونق ووسامة، وكليات جَذَل وبشاشة وبهجة، وكليات جموح وشموس وحَرَن، وكليات أحلام ونعاس وونى، وكليات همّة ونشاط وعزيمة!

أما كلية الشريعة فكانت كلية غمّ وشحوب وكدر! وفقدان كل حيلة أو رجاء أو أمنية، كلية ترقب واحتراز وحذر! ووَجَل وخوف يقطعان الأمل والجوف! لكنّ هذا لم يمنع دكتورَين من الهيئة التدريسية فيها أن يغادراها، ويتركا حلب، ويلتحقا بركب الثورة، كما لم يمنع محاضرَين من خارج الملاك أن يعلنا انشقاقهما! واحد منهما صار يظهر بشكل متكرر خلف المحيسني القادم من السعودية، يخطب بعده، ويحمّس المجاهدين للقاء العدو والحور العين. كما أنّ الأمانة العلمية تقتضينا أيضاً أن نذكر أن معيدَين من معيدي الكلية غادراها إلى المناطق المحررة، ليس حباً بالثورة، لكن خوفاً من أن يتم سحبهما إلى العسكرية.

أما كلية الشريعة فكانت كلية غمّ وشحوب وكدر! وفقدان كل حيلة أو رجاء أو أمنية، كلية ترقب واحتراز وحذر! ووَجَل وخوف يقطعان الأمل والجوف!

ونحن ههنا بما أولانا الرب من معرفة واطلاع على أحوال هذه الكلية، وبما استحفظناه من شؤونها وشجونها نجد لزاماً علينا أن نروي القصة الكاملة لعدم انخراط الكلية في هذه الثورة، أو حتى لعدم انضمامها إلى المعارضة تحت سقف الوطن، وهذا ما يُسمى بأحداث التاريخ الخلفية التي لا يعرفها إلا القلة القليلة، لأنّ معظم القرّاء الأفاضل لا يعرفون الانقسام الجذري الشاقولي والعامودي الذي يقسم دكاترة هذه الكلية وطلابها. هذا الانقسام الذي وقف مانعاً حقيقياً في توحيد أبناء الكلية على قلب رجل واحد، وحال دون أن يتخذوا موقفاً معلناً من هذه الثورة! كما إنّ معظم السادة الأفاضل لا يدركون الاشتغالات والانشغالات الحقيقية التي صدّت وصدفت أهل هذه الكلية عن هذه المشاركة، لأنها كانت تندبهم لما هو أهم وأولى وأجدر.

بدأت القصة في العام الدراسي 2009/ 2010، بعد ثلاث سنين من إنشاء هذه الكلية، فقد تنبّه واستفاق أعضاء الهيئة الإدارية إلى نشاط رحلات الطلاب الجامعية العلمية والترفيهية التي تقوم بها بقية الكليات، إلى مختلف أنحاء القطر. فأرادوا أن يحذوا حذو هذه الكليات، وينهجوا نهجها، فتقدموا بطلب إلى عمادة الكلية للموافقة على اقتراح رحلة علمية إلى جبال الساحل السوري الشمّاء، يطلعون فيها على الأماكن الدينية والمزارات والمعالم الأثرية وما شابهها من أوابد.

كان أعضاء الهيئة البعثيون يفكّرون فيما بينهم أنّ العمادة قد ترفض هذا الطلب، فبدأوا يخططون كيف سيجبرونها على الموافقة من خلال تدخّل فرع الحزب في الجامعة، لكن ما حدث كان عكس توقعاتهم، ففي اللحظة ذاتها التي قُدِّم فيها الطلب نال استحسان العميد، وبعد عدة أيام حصلوا على الموافقة أصولاً، فكفى الله الهيئة الإدارية شرّ القتال، ولكن لأننا في بلاد لا يكتمل الفرح فيها، ولأنّ كل عضة بغصة فإنَّ زوبعة في الكلية أثيرت بمجرد الإعلان عن الرحلة. وقف أحد الدكاترة وقد احمرت حدقتاه وبدنت أوداجه، ليقول: إنّ هذه الرحلة محرّمة شرعاً، لأن الطالبات سيسافرن من دون (مَحْرَم) فانقسم الدكاترة والطلاب شاقولياً وعامودياً ما بين مؤيد للرحلة ومعارض لها.

جاء رئيس الهيئة الإدارية إلى العمادة المتعاطفة مع الرحلة، وأخبرهم أن بعض الدكاترة يحرّض الطلاب على عدم المشاركة، لأنّ فيها مخالفة شرعية، فاقترحت العمادة على الطالب أن يكتب استفتاءً في المسألة، ويوجهه إلى مفتي المدينة، وأن يبرز هذه الفتوى للدكتور المعترض لإسكاته.

كان جواب المفتي المكتوب والمختوم والموقع عليه أنّ (المحْرم) في السفر هو معنى اعتباري يُقصد منه تأمين الأمان للمرأة حال سفرها، وهذا الأمان متحقق في سفر الطالبات، كونهن عصبة مع بعض، ويعضد ذلك وجود أساتذتهم المدرسين والمدرسات.

ولكن عندما أُبرزت هذه الفتوى للدكتور المعترض تضرّم غضبه، وحمل نفسه على شفرات السرعة، وذهب إلى دائرة الإفتاء، وطلب مقابلة المفتي الآخر.

كان أعضاء الهيئة البعثيون يفكّرون فيما بينهم أنّ العمادة قد ترفض هذا الطلب، فبدأوا يخططون كيف سيجبرونها على الموافقة من خلال تدخّل فرع الحزب في الجامعة

كان لمدينة حلب مفتيان، وكانت مكاتبهما في الطابق الأول في جهتين متباعدتين، وكانت فتاويهما تخرج في كثير من المسائل متضاربة مختلفة، وإذا أضفنا إليهما فتاوى أمين الفتوى والمشايخ المساعدين في الطابق الأرضي فسوف نخرج بفسيفساء من الفتاوى لا انسجام بينها، ولا تناسب ولا تناسق! قطع صغيرة مهما حاولت تجميعها لتخرج منها بصورة موحَّدة فإنك لن تقدر ولن تستطيع.

سأل الدكتور المعترض المفتي الآخر:

ــ سيدي! هل تناهى إلى علمكم نبأ استفتاء طلاب الشريعة لدار الإفتاء حول رحلتهم الجامعية؟

ــ لا والله يا ابني!

ـــ سيدي! أرسلوا السؤال إلى المفتي الآخر، ولم يرسلوه إليكم. وقد أجاب المفتي بجواز هذه الرحلة للطالبات بدون محرم.

ــ متى كان هذا الكلام؟

ــ البارحة يا سيدي. البارحة. تصوروا أنّه خالف حديث النبي الكريم المتفق عليه: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم).

ــ حسبنا الله ونعم الوكيل.

ـــ سيدي هل تتخيلون ماذا سيحدث في مثل هذه الرحلات؟ لقد تحدّثت غادة الهيب في مجموعتها القصصية (سفينة بلا شراع) عن رحلة طلاب جامعية، وذكرت يومها ما يندى له الجبين.

ــ أعوذ بالله! لا يجوز أن تسافر الطالبات بدون محرم، لا يجوز.

عاد الدكتور إلى الكلية محبوراً مخفوراً بفتوى مكتوبة ومختومة وموقع عليها، ولسان حاله يقول: لئن صالوا عليَّ بفتوى المفتي المجيز فقد دمغتهم بفتوى المفتي المانع، فاشتعل الخلاف مرة أخرى، وانزاح بعضٌ من الدكاترة والطلاب من مناصري الفتوى الأولى إلى رأي الفتوى الجديدة، وانقسموا مرة أخرى انقساماً جذرياً شاقولياً وعامودياً.

كان بعض الطلاب وبعض الدكاترة رافضين لفكرة الرحلة من أصلها، وقد أيّدت رأيهم الآن فتوى المفتي المانعة، فقضي الأمر بالنسبة إليهم، لكنهم فوجئوا في اليوم التالي بإعلانٍ جديد للرحلة يشترط أن تصطحب كل طالبة محرمها معها (أمها، أو أباها، أو أخاها أو زوجها). كان هذا الإعلان محصَّناً من كل اختراق، كأنّه القبّة الفولاذية! وكان ذكر شرط وجود (المحرم) صاروخاً من صواريخ الباتريوت التي تتصدى لكل فتوى صاروخية أخرى تروم إلغاء هذه الرحلة.

في اليوم المحدد كان باصان من شركة الزيتوني أمام باب الكلية ينتظران قدوم الطلاب للانطلاق.

لم أكن حاضراً في الرحلة، ولكنني عشتها بحذافيرها من خلال وصف إحدى الطالبات في منتدى كلية الشريعة، وهو أحد تلك المنتديات التي غدت أثراً بعد عين عقب انتشار الفيس بوك والتويتر. كان عنوان تلك الجلسة في المنتدى: (رحلة الشريعة أحلى رحلة)، وشارك فيها الأعضاء التالية أسماؤهم: براءة الطفولة، وmoonflowe، ونجم الإسلام، وهند بنت عتبة، وجود، وطالبة المعالي، وحسام.

قصّت براءة الطفولة أخبار الرحلة لبقية الأعضاء الذين لم يذهبوا:

"كما تعلمون كان موعد انطلاقنا الخامسة والنصف فجراً، غير أنّنا تأخرنا قليلاً في انتظار وصول بعض الدكاترة، فانطلقنا في السابعة إلا ربع. كان عددنا 115 شخصاً. صعدت البنات في بولمان، والشباب وبعض محارم البنات في بولمان آخر. وانطلقنا على بركة الله.

في البداية وقفنا في استراحة الصفا في أريحا، وأكلنا الشعيبيات، ثم يمَّمنا وجوهنا شطر القساطل، وهناك أفطرنا في أحد المقاصف، ثم انطلقنا إلى قلعة صلاح الدين. وشو قلعة؟! بتجنّن! إذا حبيتوا تزوروها لازم تاخدوا معكم شمسيات. ممكن ينزل المطر في أي لحظة. ولازم تاخدوا معكم مترجم من كثرة السيّاح، وعلى طالب الشريعة الالتزام بغضّ النظر، وفهمكم كفاية!

لقد أطلقت هذه الرحلة نقاشاً هائلاً في جنبات كلية الشريعة، نقاشاً ما زال مستمراً حتى هذه اللحظة! نقاشاً لن نجد له مثيلاً في بقية الكليات!

قام الزميل محمود مبارك، الله يجزيه كل خير، بإلقاء كلمة عن تاريخ القلعة، وكان بعض الشباب يتدخّلون بتعليقات بتفرّط من الضحك. بعدين طلعنا على صلنفة، وما أدراكم ما صلنفة! ثم ذهبنا إلى جار القمر، وما أدراكم ما جار القمر! فجأة وجدنا أنفسنا في بحر من الغيوم! لأول مرة في حياتي أرى أننا نصل إلى البحر صعوداً. في جار القمر تحولنا من سكان الأرض إلى سكان الغيوم. غيمة على يمينك. غيمة على شمالك. غيمة من وراك. غيمة من قدّامك. تغدينا هناك، وصلينا الظهر والعصر جمعاً. وفي الرجعة مررنا على النهر الكبير الشمالي، كان منظره رائعاً. وكانت العتمة قد بدأت بالانتشار، بعد أذان المغرب وعندما وصلنا إلى سهل الغاب والفريكة لم نعد نرى شيئاً! وفي طريق العودة وقفنا مرة أخرى في استراحة الصفا في أريحا، فصلينا فيها المغرب. وبعد ذلك وصلنا إلى سراقب، ونزلنا في استراحة طيبة. أكلنا الهيطلية أولاً، ثم ركبنا القلابة. يمكن كنّا عشر بنات. كانت القلابة كناطحة سحاب. عالية عالية. الله العالي. عندما ارتفعت بنا شعرنا بالبهجة والخوف والمتعة! فبدأنا نضحك ونهرّج، ثم نصرخ ونصوي.

ومباشرة ركض الدكتور أبو نظارة، وطلب من العامل إيقاف القلابة، ثم أنزلنا جميعاً، وجمعنا مع بقية البنات، ووقف فينا خطيباً مبهدلاً:

ــ "فهمنا! رحلة وطالعناكم. شعيبيات وأكلتوا. فطور وفطرتوا. غدا وتغديتوا. هيطلية وتحلّيتوا. طلعة على القلابة وطلعتوا. طيب ليش عم تصرخوا وتولولوا، وتخلوا الناس والحاضي والماضي يسمعوا صواتكن؟! ليش؟! فعلاً لا إيمان! ولا تقوى! ولا ذوق ولا أدب".

ومباشرة أمر الدكتور السائقين بتشغيل الباصين، وأمر الطلاب بكل عصبية بالتوجه إلى الباصات معلناً انتهاء الرحلة. وبعد هذا الحمّام الساخن بساعة وصلنا إلى حلب، بعد أذان العشاء، ونزلنا أمام الكلية، لنذهب إلى بيوتنا. فعلاً كانت رحلة رائعة من رحلات العمر التي لا تُنسى.

نسيت أن أخبركم!! منذ بداية الرحلة افترق البولمان الأول عن البولمان الثاني فضيعنا بعضنا بعضاً، ولم نستفد لا من المحارم ولا من الفتوى التي طالبت بهم، ولم يلتق البولمانان إلا في قلعة صلاح الدين، ثم أضعنا بعضنا مرة أخرى، ولم نلتقِ إلا في نهاية الرحلة في إستراحة طيبة. الاستراحة التي فيها قلابة كبيرة".

لقد أطلقت هذه الرحلة نقاشاً هائلاً في جنبات كلية الشريعة، نقاشاً ما زال مستمراً حتى هذه اللحظة! نقاشاً لن نجد له مثيلاً في بقية الكليات! ففي الكليات الأخرى تنشأ من المناقشات حوارات، وقد تنشأ عن المنازعات منازعات، أما في كلية الشريعة فتنشأ من المناقشات اتهامات، وتنشأ عن المنازعات منازعات ولعنات، فالدكاترة ذوو جبلة حارة، والطلبة قائظون، ومن أجل ذلك بدأ الأساتذة يطلبون من طلابهم كتابة حلقات البحث حول سفر المرأة بمحرم أو بدون محرم، وفي أثناء ذلك انقسموا انقساماً جذرياً شاقولياً وعامودياً، وكما تعلمون فإنّ الشريعة بحر لا ساحل له. لذلك كان كل أستاذ يوجّه طلابه وجهة مختلفة عن الأستاذ الآخر، لأن الاحتمالات كثيرة جداً ولا تنتهي، إذ يمكن مناقشة المسألة على ضوء تطبيقاتها المعاصرة: رحلة كلية الشريعة نفسها أنموذجاً، ويمكن مناقشة مسألة أنّ سوء التطبيق لا يعود بالنقض على أصل الفكرة، ويمكن دراسة المسألة على ضوء المذاهب الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أو الثمانية، أو على ضوء الفقهاء المميّزين القدماء أو المحدثين. يمكن دراستها على ضوء مقاصد الشريعة. يمكن دراستها على ضوء الفقه المقارن بين المجيزين والمانعين، أو بين المتفلتين والمنضبطين، أو بين المنفتحين والمنغلقين! كان الهدف من وراء كل ذلك الخروج برأيٍ حاسم يمكن أن يُقدَّم لبقية كليات الشريعة في أرجاء العالم الإسلامي وغير الإسلامي، فالزمن يتطور، والوقائع تستجد! مثلاً قبل عشرين سنة لم تكن كليات الشريعة تقيم رحلات لطلابها سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً. لكن الزمن تغيّر، ويجب إيجاد حلول إسلامية يرتاح لها العقل والقلب والضمير.

وعندما اشتعلت البلاد سنة 2011 لم يكن ذلك الاشتعال ليزاحم ذلك الانشغال، ولا سيما أنّهم قرؤوا في الكتب: "يزول الألم بزوال السبب أو ببقائه"، وكذلك كانت الثورة بالنسبة إليهم ستزول في كل الأحوال! بزوال سببها، أو ببقائه! أما البحث العلمي الرصين، والاستدلال الفقهي المحكَم، والفتوى المدروسة دراسة أكاديمية وافية، فكل ذلك يبقى ويتمدد، ولذا كان الانخراط فيه أجدر وأقمن من الانخراط فيما هو فانٍ زائل ينكمش ويتقلص.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم