لدغة إدلب

توقيت عملية "النصرة" في إدلب لا يحتاج إلى نقاش طويل، هي عملية استغلال انشغال تركيا بملف منبج وشرق الفرات وتردد أنقرة وموسكو في تسريع العمليات العسكرية ضدها والاستفادة من الشرذمة والتناحر الأمني والسياسي والنفعي بين فصائل المعارضة السورية وربما المبالغة في الرهان على جهوزيتها القتالية في مواجهة مجموعات "هيئة تحرير الشام".

لكن السؤال الذي لن تتراجع أنقرة عن طرحه لمدة طويلة بانتظار معرفة الإجابة عليه: هل هناك أيضا من أعطى الجولاني الأوامر للتحرك العسكري على هذا النحو لإشعال فتيل الانفجار وإلزام تركيا بالقتال على ضفتي الفرات كخيار وحيد متبقٍ أمامها؟

الإنجازات العسكرية والميدانية التي وصلت إليها مجموعات "هيئة تحرير الشام" مرتبطة مباشرة بحجم التشابك والتداخل العسكري والسياسي في إدلب وبموجات النزوح الكبيرة نحو المنطقة التي لا يريد البعض أن تتحول إلى كارثة إنسانية أكبر، وبالخيار الوحيد المتبقي بيد هذه المجموعات النصر أو الهزيمة طالما أنها محاصرة في هذه البقعة الجغرافية، وعقدة مئات المقاتلين الأجانب الذين لا يريد أحد خروجهم من المكان أو استقبالهم. لكنه من الممكن القول أيضا إن واشنطن قدمت للنصرة خدمة كبيرة في الآونة الأخيرة وهي تسهيل تحركها العسكري في إدلب بعدما ألهت تركيا بملف شرق الفرات والانسحابات العسكرية ومصير وحدات حماية الشعب ومئات الأطنان من أسلحته الأميركية. ثم هناك حقيقة أخرى تُقلق أنقرة وهي أن موسكو وطهران والنظام هم في مقدمة المستفيدين من العملية العسكرية الواسعة التي شنتها مجموعات "هيئة تحرير الشام" في منطقة إدلب.

واشنطن قدمت للنصرة خدمة كبيرة في الآونة الأخيرة وهي تسهيل تحركها العسكري في إدلب بعدما ألهت تركيا بملف شرق الفرات والانسحابات العسكرية ومصير وحدات حماية الشعب

"النصرة" قد تكون سجلت تفوقا عسكريا وتمددا جغرافيا أوسع في إدلب لكنها:

- أربكت الموقف التركي الذي تعهّد بإيجاد مخرج لهذه المجموعات دون الدخول معها في مواجهة عسكرية تدمر المنطقة وتشعل موجات لجوء ونزوح جديدة.

- منحت الروس والإيرانيين فرصة زيادة الضغوطات على أنقرة للإسراع في تنفيذ تعهدات سوتشي وإخراج هذه الوحدات المتشددة من المنطقة.

- فتحت غطاء علبة "الباندورا" لإضعاف يد أنقرة في مواجهة من يقول لم يعد هناك فائدة من المماطلة ضد هذه المجموعات المتطرفة التي تستغل الفرص والظروف وتستفيد من كونها خارج التفاهمات التركية الروسية الأخيرة في إدلب لشن هجماتها.

- أعطت النظام في سوريا "حق" التدخّل العاجل بدعم من حلفائه الإيرانيين والمحسوبين عليهم لوقف مشروع تفتيتي انفصالي آخر باسم الإمارات والأمراء لا يقل خطورة عن مشروع وحدات حماية الشعب في شمال شرق سوريا.

- قلبت المعادلات الميدانية والسياسية ولعبة التوازنات الحساسة في إدلب لصالحها هذه المرة لكنها تدرك أن الثمن الذي سيُدفع لاحقا سيكون باهظا على المدنيين والمدينة طالما أنها هي التي فرضت على الأتراك والروس والإيرانيين هذا الحل الذي كان يناقش مطولا من أجل سحب ما تملكه من أوراق قوة ونفوذ من يدها.

نقطة غامضة أخرى تحتاج إلى تحليل في كلام وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو الذي قال إن انقرة اتخذت خطوات ضرورية لوقف هجمات الجماعات الراديكالية ضد المعارضة السورية وأن النظام السوري جلب إلى إدلب منظمات إرهابية من باقي المناطق التي خضعت له خلال العام الماضي، بهدف إيجاد حجة لمهاجمة المدينة. فهل المقصود هو أن العملية كانت أكبر وأوسع من ذلك وأنها تتم بدعم ورعاية النظام في دمشق وأن أنقرة هي التي نجحت في عرقلتها؟

أنقرة هي أول من يدفع ثمن التردد والتأخر في تنفيذ الشق المتعلق بتطهير المنطقة وسحب الأسلحة من يد هذه المجموعات طالما أنها هي التي أخذت على عاتقها فعل ذلك

أنقرة هي أول من يدفع ثمن التردد والتأخر في تنفيذ الشق المتعلق بتطهير المنطقة وسحب الأسلحة من يد هذه المجموعات طالما أنها هي التي أخذت على عاتقها فعل ذلك. لهذا فالرد التركي ينبغي أن يكون سريعا وحاسما مهما كان البديل، ليس لأن حلفاءها المحليين تلقوا ضربة عسكرية موجعة وهذا سيتطلب ورشة عمل وحوار موسع آخر، بل لأنها هي التي ستكون في وضع من تأخر في اكتشاف حقيقة مشروع وحدات النصرة الذي هو منكشف أصلا عقائديا وفكريا بين النظرية والتطبيق.

أنقرة تدرك أن ما جرى سيتركها أمام الامتحان والخيار الأصعب إما التقدم والمواصلة أو التراجع والتخلي. لكن ما سيقوله ويفعله الأتراك مرتبط بسيناريو التنسيق المحتمل بين النصرة ووحدات حماية الشعب وداعش وهو المشروع الذي يريده البعض محليا وإقليميا وسيعمل على دمجه وتحريكه دون أن يكون هناك غرفة عمليات ثلاثية مشتركة طالما أننا بدأنا نسمع أصوات تقول إن العدو الحقيقي لهم في المنطقة لم يعد إيران بل هو تركيا.

فهل تغير تركيا من سياستها السورية مرة أخرى بالاقتراب أكثر فأكثر من موسكو وطهران لتحصل على ما تريده؟ مثلا المزيد من التنازلات لروسيا في محاولة لحماية المصالح التركية في سوريا حتى ولو كان الثمن التوغل أكثر فأكثر في المستنقع السوري؟

في اتجاه آخر، بيانات قوى المعارضة السورية لم تكن كثيرة وهي لم تندد مطولا بانتظار معرفة كيف ستنجلي الأمور، رغم أننا سبق وحذرنا قبل عام من عمليات لا خيار آخر لها في عقلية النصرة، المتبقي الآن هو الخيار الموجع البديل، نقاشات البدائل والخيارات السياسية والعسكرية الجديدة في صفوف المعارضة السورية. " باندورا النصرة “من الممكن التعامل معها على أنها عمليات توسع وانتشار عسكري ميداني محدود، لكن أهم دروسها واستنتاجاتها تعني قوى المعارضة السورية الثائرة نفسها. ما هو الجديد البديل الذي ستقدمه؟

جهود تفكيك وحدات النصرة وصلت في غالبيتها إلى طريق مسدود والهيئة تحشد لمهاجمة فصائل جديدة قريبا جدا

عدد المقاتلين في النصرة يتزايد بعد كل عملية عسكرية تنفذها في إدلب بدل أن يتناقص. جهود تفكيك وحدات النصرة وصلت في غالبيتها إلى طريق مسدود والهيئة تحشد لمهاجمة فصائل جديدة قريبا جدا بعد استراحة المحارب والنصرة لم تقرر بعد إعلان الحرب على النظام. " انتصار " الهيئة في إدلب هو ضربة موجعة للمعارضة السورية ولما تقوله وتريده أنقرة هناك وهو كذلك تحد للتفاهمات التركية الروسية فهل سيمر بهذه البساطة؟ اتخاذ القرار الصعب في علم السياسة ومفهوم العلاقات الدولية لا مفر منه أحيانا حتى لا يكون هناك إلزام بقبول وتنفيذ الخيار الأصعب منه.

شارك برأيك

أشهر الوسوم