لبنان بوصفه ساحة لنظام الولي الفقيه

أنشطة مِن مدارس المهدي التابعة لـ"حزب الله" في لبنان (أرشيف - إنترنت)

في سياق الاشتباك السياسي والكلامي المتصاعد بين الولايات المتّحدة وإيران، يحلو للبعض التذكير بأنّه وفي ومواجهة أي خيار عسكري لواشنطن ضد طهران، فإنّ حزب الله في لبنان سيكون جاهزاً للدفاع عن نظام الوليّ الفقيه بوصفه الذراع الإقليمية الأهم في هذا المجال، مثبتين في معرض النفي الدائم أنّ الحزب لا يعدو كونه فرعاً إقليمياّ للحرس الثوري الإيراني. 

لكن وبخلاف المناسبات السابقة، وبغض النظر عن التصريحات الاستهلاكيّة لأمينه العام، فانّ حزب الله لا يتمتّع اليوم بالظروف المناسبة التي تخوّله أن يدافع عن إيران عسكرياً من خلال استخدام لبنان كساحة لتصفية حسابات إقليمية لصالح نظام الملالي كما جرت عليه العادة سابقاً.

الاقتصاد اللبناني شبه منهار، الحكومة اللبنانية مشلولة عملياً، والطوائف اللبنانية مستنفرة وينتظر بعضها البعض الآخر عند أقرب مفترق كما يُقال. أمّا على الصعيد الإقليمي، فليس هناك من سيدافع باستماتة عن الحزب هذه المرّة، فحالة الاستعداء الرسمي والشعبي ضدّه عالية نظراً لسياساته التخريبية خلال العقد الماضي.

الحزب كان قد سهّل على منتقديه المهمّة عندما اعترف علناً قبل سنوات بأنّه مرتبط عضوياً بالنظام الإيراني وأنّ أمينه العام لا يعدو كونه جنديّاً في جيش الولي الفقيه. الحزب تحوّل في أعين كثيرين بعد غزوة بيروت في العام ٢٠٠٩، والتدخّل الميداني له في سوريا والعراق واليمن من ضحيّة مفترضة إلى معتدٍ بيّن. حملات العلاقات العامة وخطب أمينه العام لم تعد تقدر على تغيير هذه الصورة التي انطبعت في ذهنية الغالبية العظمى من العرب والمسلمين. أمّا ورقة فلسطين فقد أصبحت مكشوفة بعد أن فاقت مجازر حلفائه في سوريا (الأسد وإيران) ضد الشعب السوري أضعاف ما ارتكبه الصهاينة بحق الفلسطينيين.

إذا غامر الحزب هذه المرّة دفاعاً عن النظام الإيراني فسيكون ذلك بمثابة انتحار

إذا غامر الحزب هذه المرّة دفاعاً عن النظام الإيراني فسيكون ذلك بمثابة انتحار، ليس له أو للطائفة التي يدّعي تمثيلها والدفاع عن مصالحها وإنما عن لبنان بأكمله. التكلفة السياسية والاقتصادية والأمنيّة لمثل هذه المغامرة أعلى بكثير من أي منفعة من الممكن للحزب أن يحصدها أو يوظّفها لصالح إيران. الحزب - فضلا عن البلد الذي يعمل انطلاقاً منه - يعاني من أزمة مالية واقتصادية خانقة، أي حرب إسرائيلية على لبنان ردّاً على مبادرة الحزب ستكلّف لبنان واللبنانيين غالياً. وبخلاف المرات السابقة، لن يكون هناك أموال عربية لإعادة إعمار ما ستدمّره تل أبيب، ولن يكون هناك أموال لبيئة الحزب ومناصريه لشراء رضاهم وسكوتهم، وبالتأكيد لن يكون هناك أموال إيرانية لإعادة بناء قدرات الحزب الذاتية. 

المفارقة أّنّه وفي الوقت الذي يتفاخر به أتباع إيران بذراعهم الإقليمية، وبكون لبنان ساحة لحسابات نظام الولي الفقيه الذاتية، لا تزال الجبهة مع إسرائيل هادئة منذ حوالي ١٣ عاماً، لا بل إنّ الطرفين ينشطان الآن في الانخراط بشكل عملي في رسائل إيجابية متبادلة. صحيفة "الجيروساليم بوست" أوردت في تقرير لها نهاية الشهر الماضي أنّ مسؤولين لبنانيين رفيعي المستوى أبلغوا إسرائيل عبر طرف ثالث أنّ لبنان لن يكون قاعدة لانطلاق ردّ إيراني عبر حزب الله أو أي حزب آخر إذا اندلعت الحرب بين أمريكا وإيران. وذكرت الصحيفة نقلاً عن الاندبندنت العربية أنّ الرئيس اللبناني أوفد مبعوثاً خاصاً للقاء مسؤولين في الخارج نقل معه رسالة مفادها أنّ حزب الله لا يسعى إلى مهاجمة إسرائيل. كما تحدّث الصحيفة عن لقاءات جمعت مسؤولين من البلدين في اليونان وقبرص مشيرة إلى أنّ هناك تقدّم حقيقي يجري في المفاوضات المتعلقة بمحاولات ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان.

وبالفعل، نشرت "الجيروساليم بوست" تقريراً يوم الأحد الماضي أشارت فيه إلى أنّ الطرفين اللبناني والإسرائيلي حقّقا لأوّل مرةّ خرقاً في محادثات ترسيم الحدود المتنازع عليها بين الطرفين والتي تتم بوساطة أمريكية. مثل هذه التطورات تزيد الضغط على حزب إيران في لبنان فيما يتعلق بالدفاع عن مصالح الولي الفقيه في أي معركة مقبلة بين واشنطن وطهران، ذلك أنّ التطوّع للدفاع عن إيران من شأنه أن يقوّض من التقدّم الحاصل في هذه المفاوضات ويحرم لبنان أيضاً من الاستفادة من ثروة الغاز مستقبلاً. 

خلاصة القول إنّ استخدام الولي الفقيه لحزب الله كذراع إقليمية أو للبنان كساحة لتصفية حسابات مع الولايات المتّحدة في هذه الظروف بالتحديد يخض لحسابات معقّدة للغاية، وهو بخلاف المرات السابقة يبدو مقيّداً لجملة اعتبارات تجعل من الدفاع عن إيران بمثابة انتحار للذراع الإقليمية وتدمير للبنان لا طائل منه.

شارك برأيك

أشهر الوسوم