لا تلوموا أحداً إن ناصبكم العداء فالكُرد هم من حاربوا الاستقلال

متظاهرون يرفعون علم كردستان(إنترنت)

كجزء أصيل من الموروث والتراث الكُردي، فإن التجارب المريرة عادةً ما تُعاد بصيغ متقاربة أو متفاوتة، وفي بعض الأحيان متشابهة جداً. فجميع الثورات والانتفاضات وتجارب الحكمّ الكُردي منذ   ثورة شيخ سعيد بيران وحتى اليوم؛ غالباً ما كانت تُهزم أو تفشل إما سياسياً أو نتيجة خيانات ومؤامرات داخلية ضدّ بعضهم البعض.

في مثل هذا اليوم من العام الفائت. حمل شعب كوردستان العراق، أكبر وأهمَّ نقلة نوعية في نضالات حركة التحرر الكُردستانية، الاستفتاء. وسبق أن حقق الكُرد في العراق أولى النقلات النوعية باتفاقية الحكم الذاتي عام1970، وكانت أول اعتراف رسمي محلياً، إقليمياً، دولياً. لكنها لم تعش تجربة العيش والاستمرار بمفاعيل خيانية إقليمية ودولية. شغف الزحف نحو الاستقلال لم يلن. ولم تلن عزيمة التحرريين بالرغم من الانتكاسات والخذلان الداخلي والإقليمي والدولي. وهو ما ميز نضالات الكُرد في الأجزاء والمهجر.

دخل الكُرد معترك السباق نحو الاستفتاء، أزاحوا وأنهوا أخطر تنظيم عرفته البشرية، أصروا على المضي قدما بخطوات من دماء الشهداء نحو قبّة الاستفتاء، ومع نسبة الــ93% كانت كفيلة بنسف أي ادعاء حول تفرد البارتي وحده بالسلطة أو رغبته بالسيطرة على كُردستان، ففقهاء الكلام وضعوا أنفسهم أمام خيارين مُرين، أحداهما: هل بات من المنطقي القول أن 93% من المؤيدين للاستفتاء ونتائجه هم من أنصار البارتي فقط. الأخر: دحضّ مزاعمهم حول عدم مشاركة القاعدة الشعبية الكُردستانية والمنتمية إلى تيارات سياسية متباينة ومختلفة.

ليلة 16 أكتوبر كانت كفيلة بوضع حدّ لاستمرار النص التاريخي للكُرد في كل ما يتعلق بالانتفاضات والثورات والدعوات نحو الاستقلال والإعلان عن الكيانات الجيوسياسية المستقلة. لكن العقلية هيَّ، هيَّ. أبتّ إلا أن تستمر في تحطيم الأحلام، ومحاربة الاستقلال.

ليلة 16 أكتوبر كانت كفيلة بوضع حدّ لاستمرار النص التاريخي للكُرد في كل ما يتعلق بالانتفاضات والثورات والدعوات نحو الاستقلال

عامٌ مضى. وبقي شعب كُردستان ثابتاً على مبادئه ونهجه القويم. مع كل التصدعات ومحاولات زرع الشقاق والبحث عن مفتاح الانهيار. حصدَّ البارتي أعلى الأصوات والمرتبة الأولى على مستوى الأحزاب في عموم العراق. كاريزمة البرزانيين لا تنتهي ولا تلين. ونجح الجيل الثالث من البرزانيين في حمل أثقل عبئً وفي ظروف وجدت كُردستان نفسها محاطة بجملة من التهديدات والمخاطر والطابور الخامس ومحاولات العودة بكُردستان إلى حدود1991، كل ذلك رداً على قول الشعب الكُردي لكلمته في الاستفتاء.

الجديد في الذكرى الأولى للاستفتاء. عودة برهم صالح، الذي استطاع إقناع الآلاف من أنصار ومؤيدي وأعضاء حزبه الاتحاد الوطني الكُردستاني، للانضمام إلى حركته التي أطلقها على قاعدة التغيير والتطوير والإصلاح ثم عاد إلى حزبه  تحت اسم الإصلاح والتطوير والتغيير. سرعة قبول عودة برهم صالح تشرح عن مدى تغلغل نظام الشبكات العائلية والشخصية ضمن الاتحاد الوطني، وهي التهم التي كان أنصار وأعضاء الحزب، يحاولون تشويه الحزب الديمقراطي الكُردستاني بها. خاصة وأن من أعاد برهم إلى منصب النائب الثاني للاتحاد هم أبناء الراحل السيد جلال طالباني، ومقاطعة ملابخيتار للاجتماع دليل على عدم الانسجام أو التوافق في قيادة الاتحاد على عودة برهم صالح، ثم ترشيحه لمنصب رئاسة العراق. غياب التفاصيل عن اجتماعات بافل وقباد طالباني مع برهم صالح،  ربما أمكن اعتبار ذلك الاتفاق بالترتيبات ما قبل النهائية لمحاربة ملف الاستفتاء لأربع سنوات قادمة، وتوسيع الشرخ بدلاً من الاتفاق بين الحزبين. بما يضمن نجاح اجتماع الرئاسات الثلاث ضد أي طرح كُردي يُفضي إلى تقوية الإقليم.

 الاتفاق في حقيقته حاجة ملحة لكلا الطرفين الموقعين عليه، حيث يوفر بيئة مناسبة لقسم من القيادات السياسية لاستمرار معاداة البارتي وأيّ شيء يُحرك ملف الاستفتاء مُجدداً، وإنقاذ لبرهم صالح من فشل جديد بعد مرارة الهزيمة المخيبة في الانتخابات العراقية الأخيرة. وبذلك يعيدهما من جديد إلى المشهد الكُردي في العملية السياسية المرتقبة.
وثانيتهما، لا يُنكر الدور البارز لإيران في الموضوع. فمنذ سقوط النظام العراقي الأسبق، وإيران هي من توافق أو تشترط أو تمنع من تولي أيَّ شخصي لمنصب الرئاسات الثلاث. و اشتراطها استقالة برهم من تياره لتبوئ منصب رئاسة الجمهورية دليل على ذلك.

وسيتم استخدام الاتفاق الجديد مع الحالة الجديدة في بغداد، كورقة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الغربيين، للخروج بتشكيل سياسي جديد يفضي إلى وضع حدّ لسياسات البارتي والأحزاب الكوردستانية المؤمنة بالحق القومي والخصوصية القومية وإيجاد صياغة جديدة للعيش مع بغداد، ولتدوير الحل السياسي بما يتناسب ودور إيران المستقبلي في العراق والمنطقة. بالمقابل فإن عودة برهم صالح إلى حزبه أغلق الباب، على أقل تقدير، لعقود قادمة عن إمكانية نشوء تيار سياسي جديد في كُردستان العراق. خاصة وأنه مثل بعد حركة التغيير، ما سُمي بمناهضة الاحتكار والفساد والدعوات نحو الإصلاح والتغيير كما كانوا يُروجون ..

من جديد سينتظر كُرد العراق سيناريو أمريكياً جديداً، ومن المرجح هذه المرة أن يكون بعيداً عن الوجود الإيراني ومصالحه

اللاورقة ( بافل وقباد –برهم صالح) أحلت تحالفات الإقليم للعودة إلى المربع الأول فيما يتعلق بالوضع الكُردي في بغداد، وفي انتظار نتائج الانتخابات البرلمانية في كُردستان ومن يحصدّ غالبية الأصوات والمقاعد، فإنه من المرجح أن يكون البارتي قد عدّل من مزاجه العام قياساً بما مضى من السنوات الماضية، والتنازلات التي قدمها في سبيل ترتيب البيت الكُردي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، التنازل لحركة التغيير عن النائب الثاني لرئاسة البرلمان التي كانت من حصة البارتي وفق الاستحقاق الانتخابي، وفي نهاية المطاف فإن ممثل التغيير كان أحد ابرز أعداء الاستفتاء في البرلمان العراقي.

وسيجد البارتي نفسه أمام ثلاثة خيارات: عدم القبول بترشيح برهم صالح واستمرار دوامة الخلاف، أو عدم المشاركة في تمييع ومحاولات إفشال البيت الكُردي مجدداً خاصة مع تواجد عدد من المرشحين للمنصب، أو التقدم بمرشح خاص به بناء على الاستحقاق الانتخابي، إضافة إلى ما قد يُقدم عليه الملا بختيار، بعد إلغاء ترشيحه لتولي رئاسة العراق.

لا ينفصل الوضع الكُردي ودورهم في العراق، عن عموم الوضع في المنطقة. وإن كانت أمريكا جادة بتوجيه ضربة أو تلجيم، أو تحجيم، الدور الإيراني في المنقطة، فإن كُردستان تحديداً، ستجد نفسها إزاء وضع جديد، إما العودة إلى نتائج الاستفتاء مُجدداً، أو ربما نجد الأذرع الإيرانية قد أعلنت السليمانية كإقليم أو إدارة خاصة بعيداً عن العاصمة هولير

هؤلاء يدركون أن الاستفتاء في المستقبل القريب كان سيفضي إلى ولادة الجمهورية الأولى بشكل رسمي للكُرد في جنوب كرُدستان. لكن حتى الآن هؤلاء لم ينجحوا في تغييب تلك النتائج وإن استطاعوا تأخيرها أو وضع مئات العراقيل أمامها.

من جديد سينتظر كُرد العراق سيناريو أمريكياً جديداً، ومن المرجح هذه المرة أن يكون بعيداً عن الوجود الإيراني ومصالحه وهو ما يشكل خطراً جديداً أو المنفذ الوحيد مستقبلاً القريب في الإعلان عن الاستقلال.

عاد برهم صالح إلى حضن حزبه الأم، وهو المعروف عنه تأييده لدخول قوات الحشد الشعبي إلى كركوك، وانسحب نجم الدين كريم بعد عقود من النضال من حزبه، ولا يُنسى أنه رفع العلم الكوردستاني في سماء كركوك وسطّ حقل الألغام والمتربصين به وبالفكر والوجود القومي الكُردي، وأحدّ أبرز المدافعين والمؤيدين للاستفتاء.

 

 

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم