كيف وصل حافظ الأسد للحكم وفقا لوثائق المخابرات الأمريكية CIA

رئيس النظام الأسبق حافظ الأسد(انترنت)

الحلقة الثانية 

6-2

تمتلئ تقارير المخابرات المركزية الأمريكية في تلك الفترة بمعلومات تفصيلية عن ازدياد الخطر الشيوعي في سورية من خلال المشاريع التي يقوم بها الاتحاد السوفيتي بدءاً من مشروع وادي الفرات والتمويل السوفيتي المتصاعد للمشاريع الاقتصادية في سورية

لكن خط البعث ازداد تشدداً تجاه إسرائيل كما تصف الوثائق، خاصة مع تصرفات إسرائيل المستمرة في السيطرة على المنطقة المنزوعة السلاح بعد اتفاق الهدنة، فنحن نعلم أن إسرائيل كانت تؤمن وتعمل يومياً على ضم هذه المنطقة إلى أرضيها من خلال عمليات عسكرية جزئية ومحدودة بهدف عدم إثارة الكثير من ردود الأفعال الدولية إلى أن تمكنت من ضمها نهائيا بعد حرب حزيران 1967.

تصاعدت الخلافات داخل الحزب كما توقعت تماما تقارير الاستخبارات، ففي 23 شباط 1966 حدث انقلاب آخر داخل الحزب، هو الانقلاب الثامن في تاريخ سورية، وانتهى الانقلاب بخروج قيادات بعثية تاريخية من الحكومة وعلى رأسها مؤسسو الحزب ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وتم خلع أمين الحافظ من رئاسة الجمهورية وسيطرة جناح صلاح جديد على الحكومة السورية .  كان المبرر الأساسي للانقلاب لحسم الخلاف بين قطبي البعث، القيادة القطرية، والقيادة القومية. 

كما أن هذا الانقلاب الجديد كان مؤشراً واضحاً على صعود ما يسمى اللجنة العسكرية التي نشأت بالأساس وتجمعت في القاهرة خلال فترة الوحدة وتشكلت عمليا من ضباط ينتمون إلى الأقلية العلوية داخل الجيش السوري، كما رأت في نموذج عبد الناصر في بناء الدولة على الطريقة الاشتراكية مثالاً أعلى لها وأرادت استنساخه.

ففي وثيقة سرية أخرى عاجلة بتاريخ 23 شباط 1966 أي يوم الانقلاب ذاته ومن مدير الاستخبارات والبحوث في وزارة الخارجية الأمريكية وتحت عنوان " البعثيون العسكريون يمتلكون اليد الطولى في سورية " تذكر الوثيقة بالتفصيل "لقد تم الإطاحة بالحكومة السورية من قبل انقلاب عسكري قبل صعود الفجر، رئيس الدولة أمين الحافظ والسياسي البارز صلاح البيطار من بين -على الأقل- سبعة قياديين في الحكومة ومسؤولين بارزين بحزب البعث تم اعتقالهم، وتم اتهامهم بأنهم خانوا ثورة الثامن من آذار ، والتي صعدت بحزب البعث إلى السلطة في عام 1963 . التقارير الأولية تشير إلى أنهم سيقدمون للمحاكمة بشكل سريع.

الانقلاب الجديد كان مؤشراً واضحاً على صعود ما يسمى اللجنة العسكرية التي نشأت بالأساس وتجمعت في القاهرة خلال فترة الوحدة وتشكلت عملياً من ضباط ينتمون إلى الأقلية العلوية داخل الجيش السوري

من يقف خلف هذا الانقلاب العسكري هم مجموعة متمردة من منشقي حزب البعث العسكريين، وإلى الآن لم يتم الإعلان عن القيادة الجديدة، وإن كانت قد قامت بتسمية وزير جديد للدفاع ورئيس جديد لهيئة الأركان، كلا الشخصين المعينين قريبان جدا من اللواء صلاح جديد وكل الرجال الثلاثة المذكورة أسماؤهم أعضاء في القيادة القطرية لحزب البعث التي تم حلها في ديسمبر الماضي 1962 ، صلاح جديد هو منافس قديم لأمين الحافظ ورئيس اللجنة العسكرية التي تطمح للحصول على تأثير أكبر داخل حزب البعث وتدافع بقوة من أجل سياسات بعثية أكثر راديكالية.

إن الانشقاق الجزئي الذي تم في ديسمبر الماضي كان الهدف منه نزع الصبغة العسكرية عن حزب البعث عبر طرد جديد إلى الخارج مع عدد من رفاقه، من الواضح أن هذه المحاولة فشلت تماماً، وأصبحت الساحة مفتوحة تماماُ من أجل الصدام المباشر.

يبرز صلاح جديد اليوم وكأنه رجل سورية القوي، فالموقع الرسمي الذي بات يحتله اليوم يبوأه الحصول على تأثير قوي للغاية، ولكن وكونه ينتمي إلى الأقلية العلوية فإنه لن يستطيع الطموح لاستلام منصب رئيس الدولة الذي غالبا ما احتفظ به مسلم سني.

إن حزب البعث اليوم يواجه معضلة البقاء، فنهاية حزب البعث التقليدي بعد انقلاب اليوم تفتح الأسئلة مشرعة على مستقبل الحزب، فتنظيم الحزب أظهر دوما التزاما ووحدة كبيرة داخله، لكن السياسات الراديكالية فيما يتعلق بالتأميم والتي تبشر بها القيادة الجديدة ربما تفتح الباب لولادة قيادة جديدة قد تواجه معضلات اقتصادية حقيقة في المستقبل.

أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فإنه من المؤكد أن يتجه الحزب نحو سياسة أكثر تشدداً فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية، وربما أكثر تشدداً بكثير من القيادة السابقة، فربما ستركز القيادة الجديدة وبشكل كلي على "معاداة الإمبريالية" فالقيادة السابقة قادت عدة حملات دعائية (بروبوغاندا) متتالية ضد الولايات المتحدة، وضد الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر الذي من المتوقع أن يبقى عدوا للقيادة الجديدة، كما أن عزلة النظام الجديد داخل العالم العربي ربما ستتواصل ".

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم