كيف غير الشيعة المعاصرون رأيهم بصلاح الدين الأيوبي؟

هذا الجزء الثاني من مراجعة كتاب أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية للأكاديمي الموريتاني محمد بن مختار الشنقيطي، وفيه يحاول الكاتب أن يطفئ نار الخلاف المذهبي المستعرة، عبر اعتماده على روايات تؤكد أنه كان هناك تعاون بين السنة والشيعة لمواجهة الحملات الصليبية، وأن صلاح الدين كان يحظى باحترام أغلبية الشيعة في ذاك الزمان، وكنت في المقال السابق تكلمت عن الكتاب حتى الفصل الرابع، واليوم سأكمل.

الفصل الرابع

"السنة والشيعة الإسماعيلية في مواجهة الفرنجة" وينقل الكاتب عن المؤرخ الفرنسي رونيه غروسيه وصفه للفاطميين بأنهم بيزنطيو الإسلام فهم يرفضون الخضوع للخلافة العباسية ويرون أنفسهم الخلفاء الشرعيين للنبي محمد، وكذلك البيزنطيون الأرثوذكس يرفضون الخضوع لسلطة بابا روما، ويرون أنفسهم الممثل الشرعي الوحيد للمسيحية. وكان كل من الفاطميين والبيزنطيين عاجزين عن الدفاع عن وجودهم، ومحتاجين لإخوتهم الخصوم للدفاع عنهم، وكلا الاثنين يرون في أنفسهم متفوقين حضارياً على عكس إخوتهم في الدين المتفوقين عسكرياً، فالبيزنطيون لا يرون شعوب شمال أوروبا الداخلة حديثاً في المسيحية ومتحمسين للقتال لها تحت راية بابا روما سوى برابرة همج، والفاطميون الذين يرون أنفسهم سليلي البيت النبوي لا يرون في الأتراك والأكراد الذين حملوا راية قتال الصليبين سوى شعوب بدوية متوحشة. وآخر وجه شبه يورده الكاتب هو أن كلتا الدولتين الفاطمية والبيزنطية حاولتا التعويض عن ضعفهما العسكري من خلال المراوغة السياسية والألاعيب الدبلوماسية الملتوية.

علاقة الفاطميين بالصليبيين

يوضح الشنقيطي أن علاقة الفاطميين بالفرنجة مرت بثلاث مراحل: مرحلة التقرب منهم والسعي للاستفادة من وجودهم، وذلك في مراحل الغزو الصليبي الأولى، حيث كانت بينهم اتصالات مبكرة، وعلاقات متينة، ثم مرحلة مواجهتها ومحاولة صدها عندما بدأ الصليبيون بالاستيلاء على المناطق الخاضعة لسيطرة الفاطميين في جنوب بلاد الشام، وخصوصاً مدينة القدس التي كانت خاضعة حينها للحكم الفاطمي، ثم المرحلة الثالثة الاستقواء على الصليبيين بالمدد العسكري السني، عبر رسائل كان يرسلها الوزير الفاطمي طلائع بن رزيك إلى نور الدين زنكي، مع أبيات شعر يستحثه على القدوم إلى مصر لاستلامها والدفاع عنها، فلم يلتفت لعرضه نور الدين لانشغاله بتسوية الأوضاع في بلاد الشام، ثم قتل طلائع بن زريك فخلفه في الوزارة شاور الذي بدوره نحي على يد الوزير ضرغام، فهرب شاور إلى الشام طالباً المساعدة من نور الدين الذي رأى في عرضه عرضاً مغرياً، فأرسل نور الدين القائد الكردي أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين إلى مصر، فما لبث شاور أن تنكر لعهوده وبدأ بمراسلة الفرنجة، وإخافتهم من جيش أسد الدين، "واستطاعت حيل شاور أن تقود إلى توازن القوى في مصر، فاضطر أسد الدين والملك أملريك- ملك الفرنجة حينها- أن يتوصلا إلى حل وسط، وهو الانسحاب المتزامن من البلاد المصرية". ويضيف الكاتب أن كلاً من القائدين ظل مراقباً عن كثب لهذه الدولة الغنية بالمال الفقيرة بالقادة، وهو ما أغرى شيركو بالعودة إليها فيما بعد.

ينقل الكاتب عن المؤرخ الفرنسي رونيه غروسيه وصفه للفاطميين بأنهم بيزنطيو الإسلام فهم يرفضون الخضوع للخلافة العباسية ويرون أنفسهم الخلفاء الشرعيين للنبي محمد

ثم بعد أن ضاق الخناق على الفاطميين بمصر، وباتوا يخشون غزواً صليبياً إثر سيطرة الأخيرين على عسقلان وارتكابهم مجازر ضد المصرييين في مدينة بلبيس المصرية، راسل الخليفة الفاطمي نور الدين طالباً النجدة، في رسالة ضمنها خصلات من شعر نسائه، وهي تعبير رمزي عن سوء المتوقع في حال سيطرة الصليبيين على مصر. وبالفعل استجاب نور الدين وأرسل من جديد أسد الدين شيركو وابن أخيه صلاح الدين إلى مصر، وحاول من جديد الوزير شاور التلاعب، وأراد اعتقال قادة الجيش الشامي، لولا أن منعه ابنه الكامل من ذلك.

بعد أن عين الخليفة الفاطمي العاضد شيركو وزيراً أصبح الأخير الحاكم الفعلي لمصر، لكنه لم يطل به المقام، حيث توفاه الله بعد شهرين من توليه الوزارة، " فتولاها ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، الذي سيغير مسار كل من التاريخ والحروب الصليبية، والعلاقات السنية الشيعية".

 

النزارية "الحشاشون"

ثم ينتقل الباحث للحديث عن النزارية، عقب موت المستنصر بالله الفاطمي سنة 487ھ (1094م) نشب خلاف في البيت الفاطمي بين من رأوا أن ابنه نزار هو الأحق بالخلافة وبين من رأوا أن ابنه الآخر أحمد المستعلي بالله هو الإمام. والعلاقة مع الحشاشين لم تكن ودية بغالبها، حيث اغتال الحشاشون الكثير من رموز الإحياء السني. وعليه فهذه الطائفة المعروفة تاريخياً بكثرة اغتيالاتها، بل حتى فعل الاغتيالات (assasinate)ينسب إليها غربياً، فقد اغتالت آق سنقر مؤسس الدولة الزنكية واغتالت الوزير الفاطمي الأفضل الجمالي، وحاولا أكثر من مرة اغتيال صلاح الدين، ثم بعد ذلك تحولوا لمأجورين يغتالون حسب الطلب، حتى إنهم استطاعوا اغتيال أحد ملوك الفرنجة على بيت المقدس واسمه كونراد دي مونفرات، " فالنزاريون الذين كانوا في مطلع الحقبة الصليبية يرعبون ملوك السنة بخناجرهم المسمومة، وبجسارة فدائييهم الذين كانوا لا يهابون الموت، تحولوا في نهاية المطاف إلى (سهام الملك الناصر) بتعبير ابن بطوطة، أي إلى أداة بيد ملوك السنة يرمون بها من يشاؤون. وهذا من أعظم التحولات التاريخية في الحقبة الصليبية".

 

الفصل الخامس

"صلاح الدين في الحِجاج السني الشيعي" وفي هذا الفصل المهم يوضح الكاتب كيف تتغير النظرة للرموز التاريخية من زمن إلى آخر، والتحولات التي تطرأ على الذاكرة التاريخية عبر الأزمان، ويبين الكاتب كيف أن مؤرخي ذلك العصر الشيعة كانوا بالمجمل ينظرون نظرة إكبار لصلاح الدين الأيوبي، على عكس مؤرخي هذا العصر، دون أن يوضح سبب هذا التغير.

وفي العصر الحديث، فقد كان أول هجوم معاصر على الملك الناصر بتوقيع الفقيه الشيعي محمد جواد مغنية في كتابه " الشيعة والحاكمون" حيث خصص من الكتاب عدة صفحات لصلاح الدين انتقده فيها نقداً مريراً، لكن مع نقده الحاد إلا أنه بقي معترفاً لصلاح الدين بمآثره، ولكن حتى هذا الاعتراف الضئيل سيغيب مع اندلاع الثورة الإيرانية التي قادها الملالي المتعصبون في إيران، فلم نعد نجد الكتاب الشيعة المنصفين، " بل نجد كل المؤرخين الشيعة تقريباً مطبقين اليوم على احتقار صلاح الدين وتجريمه. وتتسم كتابات هؤلاء المؤرخين الشيعة عن الحقبة الصليبية بسمات جامعة، أهمها فيما يخص دراستنا هذه: الإعلاء من شأن الدولة الفاطمية وإبراز منجزاتها الحضارية ودفاعها عن حدود الإسلام، والتحامل الشديد على صلاح الدين واتهامه بالهمجية، والأنانية السياسية، والتعصب المذهبي، وأحياناً التخاذل العسكري".

 

النيل من صلاح الدين

ويورد الكاتب مثالاً عن مؤرخ شيعي معاصر يسمى حسن الأمين الذي ألف كتاباً سماه "صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين" وهذا الكتاب الذي أصبح مرجعية لدى الشيعة في المحاولة من النيل من شخصية صلاح الدين، وحرق مكانتها التاريخية، ورد على افتراءات الأمين المؤرخ السوري شاكر مصطفى في كتابه ( صلاح الدين الفارس المجاهد والملك الزاهد المفترى عليه)، " ونحن نتخذ من هذا الكتاب ورد شاكر مصطفى عليه مثالاً على حمى التاريخ التي تجتاح الجسد المسلم، وتسهم في تسميم العلاقات السنية الشيعية اليوم".

يوضح الكاتب أن صلاح الدين ككل الشخصيات القيادية التاريخية لها ما لها وعليها ماعليها، " لم يكن قديساً كما يقدمه بعض المجادلين السنة اليوم، ولا كان مغامراً أنانياً كما يقدمه بعض المجادلين الشيعة

ويوضح الكاتب في ثنايا بحثه أن التحامل تاريخياً على صلاح الدين لم يكن بسبب اختلاف المذهب، بل أيضاً لسبب مناطقي، كابن الأثير الموصلي، الذي كان منحازاً لأبناء نور الدين زنكي، ويرى أن صلاح الدين قد اغتصب السلطة منهم اغتصاباً، وبالتالي كان يحاول في كتابه الكامل تشويه صورة صلاح الدين، وهناك أيضاً المؤرخ المصري المقريزي الذي رغم سنيته، كان منحازاً للفاطميين في محنتهم، " وصور نهايتهم نهاية حزينة لا تخلو من إفراط ومبالغة".

ويوضح الكاتب أن صلاح الدين ككل الشخصيات القيادية التاريخية لها ما لها وعليها ماعليها، " لم يكن قديساً كما يقدمه بعض المجادلين السنة اليوم، ولا كان مغامراً أنانياً كما يقدمه بعض المجادلين الشيعة اليوم، وإنما كان رجلاً عظيماً وقائداً متمرساً، وكانت لديه أوجه ضعفه الشخصية والسياسية، شأنه شأن جميع القادة الكبار عبر التاريخ".

 

عدم الإشارة للعلويين

تجدر الإشارة إلى أن الكاتب لم يشر في كتابه إلى النصيريين، أو من باتوا يعرفون في العصر الحديث بالعلويين، رغم أهمية دورهم خلال الحروب الصليبية، وأهمية موقعهم على ساحل بلاد الشام، فيقول ليون غولد سميث في كتابه" دائرة الخوف..العلويون السوريون في الحرب والسلم" إن الصليبيين في البداية قد قتلوا من العلويين، ولكن عندما رأوهم مختلفين عن المسلمين عاملوهم معاملة خاصة، وبعد الانتصار على الصليبيين " كان لدى السنة شك كبير بالدور الذي لعبته الطوائف الشيعية إلى جانب الصليبيين، فراقبوا العلويين بشكل دقيق. عادت أحوال العلويين إلى التراجع من جديد عندما أصبحوا أقلية صغيرة متباعدة في مواجهة أكثرية سنية قوية، وفقدوا الاستقلال النسبي والحرية الدينية التي تمتعوا بها خلال وجود الصليبيين، وعادوا إلى حالة من الانعزال والخوف الطائفي".وفي الخاتمة التي عنونها " رحلة التشيع من بلاد العرب إلى بلاد الفرس" وهنا يتكلم عن سيطرة الدولة الصفوية على بلاد فارس، وإجبارها الناس على التشيع، ليختم بالتالي" كانت الصبغة العربية غالبة على التشيع خلال الحروب الصليبية، ولذلك ظل التدخل والتواصل أسهل بين التشيع والتسنن، وبميلاد الدولة الصفوية دخلت العلاقات السنية الشيعية مرحلة جديدة من تاريخها المتموج، وزادت الفجوة بين البلدين عمقاً واتساعاً، حيث أضحت الخطوط الطائفية تسير على تخوم الخطوط القومية".

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم