كيف بنينا وطناً في لعبة طرنيب

القانون.... نعم القانون هو الكفيل بحل كل المشاكل، ولو أننا طبقنا في حياتنا القوانين مثل تطبيق قوانين الطرنيب لصارت حياتنا أكثر متعة، وانتظاماً وجدوى.

هذه الديباجة يبدأ بها صالح الملقب بالبستوني كلامه، وهو يلملم جسده، ويمسك ورق الطرنيب ويخلطه، وينظر في وجوه اللاعبين الثلاثة، وهو رابعهم،، ويستشهد دائماً بقصص لمشاكل حدثت في لعبات طرنيب أخرى؛ لأنهم لا يطبقون القانون؛ ففي الحجر الأسود بصق محمود في وجه حماه، لأنه أخطأ في رمي ورقة، وفي الزاهرة الجديدة، أو القديمة -هناك لبس في المكان- ضرب عبد الله خاله بالحذاء؛ لأنه خسر في آخر اللعبة، ويروي صالح دائماً قصصاً خاطفة على مستوى الجمهورية عن مخالفات في القانون أدت إلى مصائب كبيرة، ففي حلب مثلاً : أكل سامر بقايا السجائر؛ التي كانت في المنفضة، لأنه شعر بالغيظ من لعب والد خطيبته وهو شريك له في اللعب، ولم يكن بوسعه أن يفعل أي شيء من غيظه؛ لأن العلاقة بينهما ما زالت في طور خطبة البنت؛ فالْتَهم السجائر؛ وأصيب بتسمم.

صالح هو محرك هذه الشلة، فهو من يرتب موعد السهرة اليومية، ويحدد المكان 
وهذا اللقاء يومي، التفاصيل نفسها، الشخوص نفسهم، التقابل نفسه، تتغير أحياناً الجغرافية، بين منزل وآخر، ولكن تفاصيل المنازل متشابهة.

الغرفة تقع أول المنزل على اليسار والطراريح متشابهة والمخدات كذلك، وهذا الفريق مكون من أربعة أفراد.

الشخص الثاني في هذه المجموعة هو هشام، ويعمل صحفياً في إحدى الجرائد الحكومية، وعلى الرغم من أنه تخرج في كلية الإعلام، إلا أنه يعمل في عمود الكلمات المتقاطعة، وهو بخيل جداً، لا يخرج باكيت الدخان ويضعه أمامه كما يفعل بقية اللاعبين

صالح هو المحرك الفعلي، وقد درس في كلية الآداب قسم الفلسفة، وغادر الدراسة في السنة الثالثة، لأنه لم يستطع أن ينجح في مواد اللغة الأنجليزية، ويعمل حالياً محاسباً في دكان عطارة في سوق الحميدية، عند رجل خمسيني، يتهمه صالح بأنه يعاني من انحراف في ميوله الجنسية، وتحديداً نحو الذكور من الأطفال.

وعلى الرغم من ترك صالح للدراسة الجامعية، إلا أنه يقرأ بنهم، وتحديدا الروايات والقصص القصيرة، وما يتصل بالشأن السياسي والفلسفي.

الشخص الثاني في هذه المجموعة هو هشام، ويعمل صحفياً في إحدى الجرائد الحكومية، وعلى الرغم من أنه تخرج في كلية الإعلام، إلا أنه يعمل في عمود الكلمات المتقاطعة، وهو بخيل جداً، لا يخرج باكيت الدخان ويضعه أمامه كما يفعل بقية اللاعبين، بل يبدأ السهرة بأخذ السجائر من الشباب، متذرعاً أنه نسي علبة السجائر في البيت، ودائماً يقطع اللعبة بحجة صلاة العشاء، ثم يعود؛ لذلك قرر الفريق تأجيل اللعب، حتى تنتهي صلاة العشاء.

الشخص الثالث في هذه المجموعة هو سليمان، وهو وديع ومسالم، ولكن المشاكل دائماً تنطلق من عنده، بسبب إبهام قدمه الأيمن، فقد كان يركض وهو صغير وراء حمار في حارتهم، وفي إحدى المرات توقف الحمار فجأة، وداس على إبهام سليمان فهشّمه، وعندما أُسعف خاط له الطبيب الجرح بطريقة خاطئة؛ فتورم الإبهام، وأخذ شكل ضفدع، وبقي على هذه الحال.  وتزعم أم حسين وهي من أهل الله أن شيطاناً يسكن في إبهام سليمان؛ لأن الحمار الذي داس إصبعه حمار أسود تسكنه أرواح شريرة، وقد انتقل جني كافر من هذا الحمار، واستوطن إبهام سليمان، لذلك فسليمان يسيطر عليه هذا الجني الكافر، ويقرر مصير حياته، فقد كان يدرس في كلية الهندسة، ووصل إلى السنة الخامسة، ثم ترك الدراسة، وتحول إلى عتال، والتفسير الوحيد عند أهل البلدة هو أن الجني الكافر من أمر سليمان بترك الدراسة، ومن إبهام سليمان تنطلق المشاكل، فكان كل الشباب يرفضون الجلوس على يمين سليمان، حتى لا يرون إبهامه الأيمن الشبيه بالضفدع، وفي كل مرة يطالبونه أن يرتدي جوارب، ولكنه يتذرع بأنه لا يوجد مقاس جوارب يستوعب إبهامه العملاق، ولم تكن مشكلة إبهام سليمان الوحيدة، فقد كان الشباب يشتكون من رائحة عرقه الخبيثة، ويكاشفونه بهذا الموضوع؛ فيضحك بصوت عال، ويقول: هذه ليست رائحتي، بل رائحة الجن الكافر الذي يسكن في إبهامي.

الشخص الرابع في هذه المجموعة أسامة: وهو معلم في المرحلة الابتدائية، ويحب الشعر والغناء كثير، وعنده مئات الأشرطة لأغاني قديمة جداً، منذ فترة الأربعينيات، ولمطربين مجهولين، وهو متزوج من بنت خالته سميرة؛ التي تقع تحت سيطرة أمها، ومن ثم فأسامة دائماً في مشاكل لا تنتهي، ومعروف من قبل المحامين، ورجال الشرطة في كل المنطقة، وعلى الرغم من كل المشاكل التي تبدأ من عند سميرة، وتسبب له فضائح في البلدة إلا أنه متمسك بها، وهناك ثرثرات جانبية تسربت من مجموعات نسائية أن الأستاذ أسامة يعاني من مشكلة من المعيب ذكر تفاصيلها؛ لأن البيوت أسرار.

هذه المجموعة تنتقل في حيز جغرافي محدود هو الحارة التي يسكنونها ليمارسوا هذه اللعبة: وتبتدأ دائماً بكلمات صالح: 
سنعيد التذكير بقوانين اللعبة: الطرنيب عكس القطع، الخمسة بعشرة، والسبعة بأربعة عشرة، وبعد الثلاثين يجبر اللاعب على أخذ ثلاثة، والكلام ممنوع أثناء اللعب، والخاسر يحك مؤخرته بجدار الغرفة.

سنعيد التذكير بقوانين اللعبة: الطرنيب عكس القطع، الخمسة بعشرة، والسبعة بأربعة عشرة، وبعد الثلاثين يجبر اللاعب على أخذ ثلاثة، والكلام ممنوع أثناء اللعب، والخاسر يحك مؤخرته بجدار الغرفة.

 بعد ذلك يحدث نقاش خاطف حول إصبع سليمان، ثم يحسم الموضوع سريعاً، ويبدأون اللعب.

في تلك الليلة كان الموقف مختلفاً؛ فقد كانت اللعبة في بيت صالح، وكان قد اشترى تلفزيوناً جديداً، وعند منتصف اللعب وصل مندوب الشركة، لذلك اضطر الشباب لإنهاء اللعب، وانشغلوا بتشغيل التلفزيون، وتركيب الديجيتل، وعندما استقر كل شيء كانوا يقلبون في المحطات، وفجأة مروا على محطة يصرخ فيها أحد الضيوف: لماذا لا نناقش المستقبل؟؟

نظر الشباب الأربعة إلى وجوه بعضهم، وكأنهم لأول مرة يسمعون كلمة مستقبل، وكان صالح يمسك بأوراق اللعب بيديه استعداداً للعودة إلى اللعب، فارتخت يده وسقط الورق مبعثراً، وقال صالح بحسم: شباب ما رأيكم أن نناقش موضوع المستقبل؟؟

بدأ سليمان كلامه، كيف تريد أن نناقش موضوع المستقبل ؟!!، وهذا الجني الكافر يسكن في إبهام قدمي، ثم ضحك ....... عليك أن تقنع أهل البلدة أولاً أن ماحدث في إبهام قدمي هو خطأ طبي، وليس جناً يعاني من أزمة سكن؛ فاستوطن إبهام قدمي.

قال أسامة: حتى تبني مستقبلاً ووطناً، يجب أن تبني مجتمعاً يحب الشعر والغناء، مجتمعاً يرى كل شيء جميلاً، مجتمعاً لا يحشر أنفه فيما لا يعنيه، ويستنتج أسباباً للمشاكل بين الزوج وزوجته.

سحب هشام سيجارة من علبة سجائر صالح خلسة، ثم قال: حتى تبني مستقبلاً عليك أن تسمح للناس أن يتكلموا بحرية، وأن يشتغل الصحفي في كتابة المقالات، وليس في الكلمات المتقاطعة، بينما تكتب الافتتاحية السياسية في الجريدة، صديقة رئيس التحرير ذات العينين العسليتين، والقوام الروماني، والجسم البض الذي فيه أنوثة، أكثر من احتوائه على آراء سياسية.

استاء صالح من هذه النظرة السوداوية عند الشباب، وقال لهم: ولكن يجب أن نتخذ قراراً مما يحدث، يجب أن يكون عندنا قرار، وصرخ بصوت عال، وكأنه خطيب سياسي يقف بين جمهور، ويعلن بيان انقلاب عسكري

استاء صالح من هذه النظرة السوداوية عند الشباب، وقال لهم: ولكن يجب أن نتخذ قراراً مما يحدث، يجب أن يكون عندنا قرار، وصرخ بصوت عال، وكأنه خطيب سياسي يقف بين جمهور، ويعلن بيان انقلاب عسكري، في هذه اللحظة، أطل من نافذة الغرفة المطلة على الشارع أبو سومر، الذي لا يعرف أحد ماذا يعمل، وقال: مساء الخير شباب ..ماذا قررتم ؟؟
تلعثم صالح، وكاد أن يبتلع لسانه عند رؤية أبي سومر، ولكنه استجمع قواه، ورد بحزم قررنا مايلي:  
الطرنيب عكس القطع، الخمسة بعشرة، والسبعة بأربعة عشرة، وبعد الثلاثين يجبر اللاعب على أخذ ثلاثة، و الكلام ممنوع أثناء اللعب، والخاسر يحك مؤخرته بجدار الغرفة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم