كيف اِلتفَّ العسكر على ثورات "الربيع العربي" ؟

كمال عبد الرؤوف الماهي يؤدي اليمين كنائب لرئيس المجلس الانتقالي العسكري أمام وزير الدفاع السوداني عوض محمد أحمد بن عوف (رويترز)

لقد أطاحت الجماهير العربية في كل من تونس، مصر، ليبيا، اليمن، برأس النظام، في الموجة الأولى من الربيع العربي، ذلك الربيع الذي كانت الثورات المضادّة له بالمرصاد، حين حاربته، وسعت لتشويهه وإجهاضه. فعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي واجهت البلد الأول الذي أعلن انتصار ثورته "تونس" بعد الثورة، إلا أننا يمكن أن نقول بأن الثورة التونسية نجحت نجاحاً باهراً بتحقيق الجزء الأهم من أهدافها بالانتقال السياسي وتداول السلطة، وقد كانت مصر بعد نجاح ثورتها على وشك صناعة النموذج الثاني لتجربة ديمقراطية جديدة في العالم العربي، و إرساء قواعد حكم مدني بعد أكثر من نصف قرن على حكم العسكر، إلا أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح أيضاً، وشهدت مصر انقلاباً عسكرياً بقيادة "السيسي" على أول تجربة ديمقراطية في مصر، لينهي معها القائد الجديد حلم الشعب المصري بتغيير حقيقي وديمقراطي يخدم الشعب، ولتعود سطوة المؤسسة العسكرية إلى سابق عهدها، وليتم محاسبة وإعدام المخالفين تحت مختلف التهم الجاهزة. أما في ليبيا، فلم يسهم سقوط النظام الليبي السريع والمدوي، وتشكيل مجلس الحكم الانتقالي، إلى تطور حقيقي في تجربة حكم ديمقراطية مأمولة، بل بقيت الميليشيات الليبية متصارعة ومتحاربة، تغذيها الأطراف الإقليمية والدولية، وبقيت محاولات العسكر قائمة للانقلاب على السلطات القائمة، وإعادة حكم العسكر لليبيا، وهذا بدون شك يعزز من الانقلاب العسكري في مصر على السلطة، ويخلق جبهة آمنة على الحدود الليبية من أي عدوى أو تجربة ديمقراطية محتملة.

 

العسكر خلفاً لبوتفليقة

الجزائر التي تأخر الحراك فيها، ليبدأ مع ترشح بوتفليقة للرئاسة، ليهيج الشعب الجزائري، ويثور على نظام بوتفليقة وحاشيته من قادة الجيش (الحكام الفعليين للجزائر)، بدأت فيه مرحلة جديدة من مراحل الالتفاف على الثورة، وتلخص ذلك بركوب حاشية النظام من قادة الجيش، موجة الثورة نفسها، بل وتوجيه الاتهامات للرئيس، وتحميله كامل المسؤولية عن الأحداث، ثم ادعاء تمثيل مطالب الشعب، وتسلم السلطة بانقلاب ناعم على ثورة الشعب الجزائري. وبالتالي ستكون النتيجة بقاء الحكم بيد العسكر، ولن يكون هناك أي أمل في المدى القريب من الخلاص من حكم العسكر الذين سيكونون مستعدين ليس فقط بالجعل من الرئيس السابق "كبش فداء" لمكتسباتهم ومناصبهم، بل سيكونون على استعداد للتضحية بالشعب كاملاً وبالدولة كاملةً في سبيل الحفاظ على مصالحهم.

 

النظام يسقط النظام في السودان 

اندلعت الثورة السودانية على مدار الأشهر الماضية، مطالبةً بتغيير وإسقاط نظام البشير، ولم تتوقف حدة المظاهرات، وكانت التغييرات السريعة الغير متوقعة في الجزائر، والتي أنهت عملياً حقبة بوتفليقة وأجبرته على التنحي، عاملاً يشكل قلقاً لمراكز القرار العالمي والغربي (الأمريكي حصراً)، فبعد أيام من إعلان تنحي بوتفليقة، وبات واضحاً بأن الأمور بيد الجيش الجزائري، جرى وبدون سابق إنذار، في 11 نيسان 2019  التحضير لانقلاب سريع في السودان، ودون إطلاق رصاصة واحدة، ليعلن وزير دفاع الجيش في النظام السوداني من خلال بيان رسمي، بأنه هو وقيادة الجيش والأمن والمخابرات العامة ( أركان النظام القديم الأساسية) قد خلعوا رأس النظام واعتقلوه، وسيتولون إدارة الدولة لمدة عامين كمرحلة انتقالية. مع فرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر. البيان أشار إلى التحركات، وإلى المواطن السوداني الفقير الذي كان يزداد فقراً مع زيادة غنى الأنظمة الأمنية، يتحدث الوزير السوداني، وكأنه كان طيلة العقود الماضي معارضاً للنظام، وليس جزء أساسي منه، ويتحدث عن توليه مع مجلس عسكري إدارة البلاد، وإلغاء الدستور والبرلمان، وإعادة السودان إلى المربع الأول، وكله ركوباً على ثورة هذا الشعب، وخطفاً لمكتسباته. ولا يبدو أن ذلك بعيداً أبداً عن التحركات التي يقوم بها حفتر في الجبهة الليبية وهجومه على طرابلس، دون أن يخشى شيء عن جبهته على الحدود المصرية والمحمية على ما يبدو بضمانات إقليمية، ومتسلحاً على ما يبدو أيضاً برغبة أمريكية تريد لحكم العسكر أن يعود ويتجدد في المنطقة الأفريقية، وأن تبقى شعوب هذه المنطقة تحت الحكم العسكري مجدداً.  

 

أمريكا وتشجيع استبداد الشعوب العربية

أمريكا التي تتشدق بالديمقراطيات وقيم حقوق الإنسان، لا يبدو أنها مستعدة أبداً  لقبول أي نموذج ديمقراطي في العالم العربي، نموذج يختار من خلاله الشعب ممثليه الحقيقيين بكل حرية، ضمن انتخابات حرة ديمقراطية، فهذا من شأنه أن يوصل الوطنيين إلى سُدّة الحكم ويجعل حظوظهم أوفر في الانتخابات، وهذا في حال حدوثه  لن يكون لا بمصلحة السياسة الأمريكية في المنطقة، ولا بمصلحة حليفتها إسرائيل أيضاً، التي تسعى أمريكا للتسويق لها على أنها النموذج الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط، وبالتالي تقوم الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم التجارب الاستبدادية في العالم العربي، ودعمها حتى النهاية. بل وتشجيع جميع الحركات التي تساهم في تفكيك وهدم وتدمير المجتمعات العربية، وخاصة في الدول المجاورة لإسرائيل، وما  دعم داعش "الغير معلن" أو الدعم المعلن  لمسلحي "قسد" التي تعتبر جزء من منظومة العمال الكردستاني، إلا سيراً ضمن السياسية الأمريكية التي تسعى لتدمير هذه الدول وشعوبها بشكل كامل، لذلك نرى، بأن موقف أمريكا من النظام السوري، و على العكس من المواقف الإعلامية  "المعلنة " حول العداء المفترض بين أمريكا وبشار الأسد، فهذا لا يخفي حقيقة باتت معروفة للجميع، عن الدعم الأمريكي اللامحدود لنظام الأسد، منذ بدء الثورة السورية وحتى يومنا هذا، فالموقف الأمريكي من استخدام الأسد للسلاح الكيماوي في عشرات المناطق السورية، لم يتجاوز مسألة التنديد فقط. وكذلك عمليات التدمير الممنهج للبنية التحتية وقتل مئات الآلاف، وإحداث تغيير

ديموغرافي عميق في بنية المجتمع السوري، بتهجير العرب السنّة الذي مثلوا الغالبية السكانية وهوية سورية الفعلية، وهذا على ما يبدو كان هدفاً لإسرائيل بالدرجة الأولى، بالنهاية إسرائيل التي تتبنى نموذج الدولة الدينية "اليهودية"، ستكون أكثر استقراراً ، لو تم تفتيت دولة مثل سوريا، وأقيم بمكانها كيانات على أسس دينية، ومذهبية ، ولغوية، ( سنية، علوية، درزية، قبطية، سنية، كردية ..إلخ).

البشير أيضاً، لم يكن له أبداً أن يبقى، ويمثل دور المقاوم لأمريكا منذ عشرين عاماً، وهو يعلم بأن أمريكا تستطيع أن تساهم في عزله وإزالته من النظام، فقط بتقديم مباركة للحراك الشعبي ورفع الغطاء عن البشير، لكن الغطاء يبدو بالفعل تم رفعه يوم 11 من نيسان، تزامناً مع زيارة الرئيس السيسي لأمريكا، والتي يبدو أنها ساهمت في تهيئة الأجواء الإيجابية لمسألة الالتفاف على الثورة، من قبل النظام العسكري نفسه، على الطريقة الجزائرية، بتقديم البشير قرباناً لهذه المغامرة، كما تم فعله مع بوتفليقة.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم