كم هو مسكين هذا الإنسان!

كم هو مسكين هذا الإنسان، كل إنسان قابع في إحدى الدول العربية، محكوم بالقمع وبالاستبداد، وفي حال حالفه الحظّ بالعيش في دولة لا يحكمها نظام ديكتاتوري بشكل مطلق، فهو محكوم بالإهمال وبالفساد وبالفقر، ليس لديه أملٌ في العيش الكريم، لا يجد من يسأل عن احتياجاته أو متطلّباته، إنّه مجرّد رقم أو بأفضل الأحوال دافع ضرائب تترتب عليه واجبات وليس له أية حقوق.

حدّثني مرّة أحد أصدقائي من ليبيا كيف أنّ الديكتاتور الراحل معمّر القذّافي لم يكن يقبل أن يكون خارج ليبيا شخص ليبي واحد متشرّد أو عاطل عن العمل أو يمتهن التسوّل، وذكر مثالاً عن شخص ليبي - يعرفه مُحدّثي شخصيّاً- وُجِدَ متشرّداً في إحدى العواصم الأوروبية، ولمّا علمت به سفارة بلاده، أخذته وأمنّت له سكناً محترماً ووظيفة بمرتّب دائم. لم يكن الهدف غالباً هو المواطن بذاته، بل سمعة الديكتاتور، لم يستطع ملك ملوك إفريقيا أن يتحمّل سماع كلمة (شحّاذ ليبي)، لكنّه ببساطة كان يستطيع سماع آهات المعتقلين القابعين في أقبية التعذيب تحت قصوره المنيفة.

كيف أوصلنا القهرُ والاستبداد لأن نترحّم على ذلك النمط المنقرض من الحكّام المستبدّين؟ ما البيئة التي تمّت تهيئتها عبر العقود ليُصبح المستبدُّ الهالك خيراً من خلفه الحالي؟ لِمَ شاهدنا ونشاهد كلّ يوم شبابّ العراق يترحّمون على الرئيس الراحل صدّام حسين، وكّلنا يعرف ما عاناه العراقيّون من ظلم صدام وأجهزة مخابراته؟ هل بعد هذا القهر من قهر؟ أن نستذكر بعض حسنات الديكتاتور- على قلّتها - مقابل الذلّ والفاقة وانعدام الأمان والأمل الذي نعيشه الآن؟

بنات دير الزور اللواتي اختطفتهن داعش من مخيم البحرة واقتادتهن إلى أماكن سيطرتها شرق الفرات، لسْنَ بالقدر الكافي من القيمة كي تتنبّه لهنّ وسائلُ الإعلام

مساجد دير الزور التي تقصفها طائرات التحالف فوق رؤوس أهاليها، لا يتكلم عنها أحد، وبنات دير الزور اللواتي اختطفتهن داعش من مخيم البحرة واقتادتهن إلى أماكن سيطرتها شرق الفرات، لسْنَ بالقدر الكافي من القيمة كي تتنبّه لهنّ وسائلُ الإعلام، فلسْنَ من أقليّة قومية أو دينية أو مذهبية، هنّ من البشر العاديّين غير الأقلويين، أي يوجد منهن الكثير وفق سوق العرض والطلب في عالم نخاسة اليوم!

ليس مهمّاً كذلك حال الفقراء من السوريين اللاجئين في لبنان أو تايلاند أو سنغافورة أو تايوان، فهؤلاء نسيٌ منسي، أو عرض لجوهر الأزمة التي نقبلها بكل أريحية كخسائر ثانوية أو أضرار جانبية مقبولة على هامش الصراع الأكبر.

مخيم الركبان هو الآخر الوجه الحقيقي للأنظمة عندما تتعامل مع الإنسان المجرّد من كل حول وقوّة، وأمثالهم من الغارقين في وحول مخيمات النزوح شمال سوريا، الناس في العراء المطلق بكلّ المعاني بلا أدنى مقوّمات الحياة البسيطة، فما بالكم بترف الصحّة أو التعليم! ولا يهتزّ لأحد شعرة ولا يؤنّبُ أحداً ضمير!

بناتُ وأبناء غزّة المحاصرين برّاً وبحراَ وجوّاً، الذين لا يمكنهم التفكير بالسفر للعلاج أو للدراسة أو لممارسة شعائرهم الدينيّة حتى، ليسوا سوى أدوات يستخدمها الطغاة لإيصال الرسائل لشعوبهم، بأنّ هذا مصير من يطالب بالحرية والكرامة، ومن يطالب بحقوقه وبأرضه.

مأساة انجراف راحلة الطلّاب قبل أسابيع في الأردن تختصرُ حالة العجز البنيوي الذي يحيطُ بنا، فهل أقلّ من أن يكون هناك تحذيرات حكومية من حالة الطقس، أو احتياطات استباقيّة في الأماكن الخطرة؟

 نتحمّل نحن كمؤسسات مجتمع مدني وكأفراد النصيب الأكبر من هذا الإهمال ومن هذا التسيّب. سكوتنا عن الفساد جريمة بحقّ أنفسنا، سكوتنا عن الظلم والاستبداد جريمة بحقّ أوطاننا

 نتحمّل نحن كمؤسسات مجتمع مدني وكأفراد النصيب الأكبر من هذا الإهمال ومن هذا التسيّب. سكوتنا عن الفساد جريمة بحقّ أنفسنا، سكوتنا عن الظلم والاستبداد جريمة بحقّ أوطاننا، تهاوننا في نقد وتصويب عمل المؤسسات الحكوميّة – حيثُ أمكننا – جريمة أيضاً. صحيح أن الاستبداد هو جذر المشاكل التي نعاني منها وأصل الدوامات التي تعيشها مجتمعاتنا، لكن يبدو أننا استمرأنا السكوت وعدم المبادرة والتواكل ورفع المسؤولية عن كواهلنا ورميها على شمّاعة المستبدّ.

 في بلد كالأردن يتمتّع بحيّز لا بأس به من الديمقراطية قياساً بدول الجوار، نستطيع أن نتهم أنفسنا كمواطنين مثلما نتهم السلطات بالفساد وبالإهمال. كيف لا ونحن نستطيع اختيار ممثلينا ونوابنا بحريّة كبيرة نسبيّاً إلى البرلمان، فلماذا نختار ابن العشيرة ولو كان غير مؤهل ولا كفئا، ولماذا يُعطِي نوّابُنا الثقةَ بحكومةٍ يعرفون سلفاً أنها غير قادرة على اجتراح المعجزات؟

في لبنان الذي كان فيما سبق واحة للديمقراطية والحريّة السياسية والاجتماعية، يصبح الكلام كالانتحار، وإذا ما خاطر أحدٌ ما وانتقد إهمال الحكومة في حلّ مشكلة النفايات المتراكمة في شوارع بيروت منذ عامين أو يزيد، أو إذا انتقد مثقّفٌ ما سلوك وزيرٍ أو نائبٍ أو متنفِّذ من أصحاب مزارع الحشيش أو مصانع المخدّرات من أشياع حسن نصر الله، فإنّ القيامة ستقوم على رأسه بلا شك، وستلاحقه أجهزة الدولة الأمنيّة والعسكريّة كلها.

في أقصى بلاد المغرب العربي تدوّي صرخة جماهير شباب نادي الرجاء البيضاوي في ملاعب الدار البيضاء، فتهزّ أركان العالم العربي كلّه احتجاجاً على ما وصلت إليه أحوالنا من عطالة وبطالة وإهمال وفسادٍ وإفساد.

لقد حاولنا تغيير واقعنا، فثرنا على الظلم والاستبداد والقمع والفساد، لكن وقفت بوجهنا كلّ أبالسة الأرض وشياطين الإرهاب

لقد حاولنا تغيير واقعنا، فثرنا على الظلم والاستبداد والقمع والفساد، لكن وقفت بوجهنا كلّ أبالسة الأرض وشياطين الإرهاب، كل العالم وقف بوجهنا وحوّل مظاهراتنا السلمية إلى حروب طاحنة تدمّر البشر والحجر.

لقد كانت ثورات ربيعنا مثالاً يُحتذى في السلمية والرقيّ والجمال، ولا يمكن أبداً أن نقارن بينها وبين ما نشاهده الآن في ساحات باريس وغيرها من المدن الفرنسية، مع ذلك ما كان لأحد على ما يبدو أية مصلحة في استمرارها، فتمّت شيطنتها وشيطنتنا كي نصل بسهولة إلى هذا الدرك المنحطّ من إعادة تدوير وإنتاج حكم العسكر.

نحن ندور الآن في حلقة مفرغة من التشظّي وعدم الانتماء، لقد بتنا كالكائنات الحيّة التي تجرّ رحى الطاحون نسعى وراء لقمة العيش دون النظر إلى ما هو أبعد من ذلك. لقد بدأت هزائمنا عندما قبلنا استبدال راياتنا الوطنية برايات دينية وطائفية وقومية ومناطقية. لقد هُزمنا يوم تخلّينا عن حلمنا واتّبعنا أهواء غيرنا، لقد أُكلنا يوم تركنا العسكر يأكلون مصر وثورة مصر، ويدمّرون أوّل اختيار ديمقراطي حرّ منذ نشأت الحضارة المصرية الأولى، فحقّ علينا حملُ الأوزار وتحمّل النتائج.

شارك برأيك

أشهر الوسوم