كردستان العراق: الفساد ثم الفساد ثم الإفساد!

في إقليم كردستان العراق من المؤسسات الإعلاميّة؛ المرئيّة والمسموعة والمقروءة، ربما ما يفيض عن حاجة أمريكا وأوروبا. ومع ذلك، غزارة ووفرة تلك المؤسسات، ليست مؤشّراً على حريّة الصحافة. زد على ذلك، لا يمكنها أن تحمي وتدافع عن العاملين فيها من صحافيين وإعلاميين.

في كردستان العراق؛ قضاء يزعم أنه مستقلّ، وهناك محاكم وقضاة، وقانون ودستور...، ولكن، ما نفع كل ذلك إذا كان القضاء والقانون عاجزاً عن حماية الإعلاميين! في كردستان العراق، نقابات واتحادات تزعم أنها معنيّة بالدفاع عن الصحافيين وحريّة الصحافة، ولكن ما الفائدة والجدوى من كل تلك النقابات والمؤسسات الحقوقيّة - الصحافيّة، إذا لم تستطع الدفاع عن صحافي واحد، يتعرّض للتهديد أو الإهانة أو الخطف أو الطرد التعسّفي أو القتل!؟ لماذا؟ لأن الفساد صار أقوى من القانون والدستور والقضاء والمؤسسات والنقابات، مع الأسف. وإلاّ ما معنى أن يتعرّض الصحافيون في كردستان العراق، للتهديد والوعيد، والخطف والضرب وأحياناً للقتل والتصفيّة، إن همّ تناولوا الفساد في مقالاتهم وتقاريرهم؟! ويبدو استهداف الصحافيين لم يعد محصوراً بالذين يعملون داخل إقليم كردستان وحسب، وبل تعدّاهم إلى خارج الإقليم الفيدرالي الكردي أيضاً! وهذا يعني أن سلطة الفساد الأخطبوطيّة، باتت أذرعها طويلة ويمكنها أن تطاول وتصل أيّ شخص في أي مكان في العالم، دون أي خوف أو وازع أو رادع.

في نيسان 2017، بدعوة كريمة من مؤسسة "باسينوز" الصحافيّة، لأنني كنتُ من كتّاب صحيفة "باسنيوز" التي كانت تصدر بالكرديّة - اللاتينيّة في دياربكر واسطنبول، شاركتُ في معرض الكتاب الدولي وقتذاك، ووقعّت روايتي "وطأة اليقين". وعلى هامش تلك الزيارة، دُعيتُ إلى جامعة زاخو لإلقاء محاضرة، ولبّيت الدعوة مع الشكر والامتنان. أغلب الكادر التدريسي ومن ضمنهم رئيس الجامعة الاستاذ الدكتور لازكين، مع لفيف من طلبة الدراسات العليا، حضروا المحاضرة مشكورين. أدار المحاضرة مشكوراً؛ عميد كليّة التاريخ الاستاذ الدكتور توفيق طاهر، مشكوراً. في تلك المحاضرة، وجّهت انتقادات لاذعة للفساد الاداري والحكومي الذي يعشش في مؤسسات الإقليم، الوطنيّة منها والحزبيّة، وينخرها نخراً فظيعاً. وشدّدتُ على أن معضلة الفساد هي العقبة الأكبر والأبرز والأكثر خطوة التي تعترض طريق استقلال كردستان. كذلك كتبتُ مقالات تنتقد الفساد، ونشرتها جريدة "باسنيوز". ولست الوحيد في ذلك. لكن؛ هل حرّكت كل تلك الانتقادات ولو شعرة واحدة في كيان وبنيان الفساد الرابض على جسد مؤسسات الإقليم الكردي؟! لا، مع الأسف الشديد.

والحال البائسة هذه، يبدو أن انتقاد الفساد الكردي، على أنه أكثر خطراً من "داعش"، ومن أي تهديد إقليمي آخر، صار ضرباً

الدولة الخفيّة أو العميقة الفاسدة في كردستان العراق، (المغطاة بغلاف وبهرج الدولة العلنيّة - الرسميّة)، هي شبكة معقّدة من الساسة ورجال المال والمؤسسات الإعلاميّة

من العبث، ولا يجدي نفعاً أبداً! ليس هذا وحسب، بل صارت دعوات الإصلاح ومكافحة الفساد، لبوساً يرتديه الفاسدون أيضاً. ولنا في حركة "كوران - التغيير" التي كان يرأسها الراحل نيشروان مصطفى، وحركة "التنمية" التي كان يرأسها الرئيس العراقي الحالي برهم صالح، خير مثال. ذلك أن دعوات الإصلاح تلك، كانت تخفي تحت بطانتها نزوعاً وبل نهماً وتهافتاً وجشعاً للانقضاض على السلطة وحسب، وليس إصلاحها من حيث المبدأ. ما يعني أنه حتى الدعوات لمكافحة الفساد في كردستان العراق، تم تمييعها وإفسادها، لأن مطليقها كانوا أيضاً فاسدين.

الدولة الخفيّة أو العميقة الفاسدة في كردستان العراق، (المغطاة بغلاف وبهرج الدولة العلنيّة - الرسميّة)، وهي شبكة معقّدة من الساسة ورجال المال والمؤسسات الإعلاميّة، هذه الدولة العميقة، مستعدّة لشراء ذمّة كاتب أو صحافي مهزوز ومتهافت وركيك وعديم الموهبة وإمّعة، ويتفقد إلى المهارات اللغويّة والصحافيّة، وتمنحه الحظوة والاهتمام، فقط لأنه قابل للبيع والشراء في أسواق العرض والطلب الإعلامي، نفس هذه الدولة، تتسبب في إلحاق الأذى المعنوي والجسدي بصحافي آخر، يحاول ولو بشكل بسيط، تسليط الضوء على أخطبوط الفساد، داخل وخارج كردستان!

مناسبة الأسطر السالفة الذكر، هي جريمة الاعتداء على الصحافي الكردي، ومراسل قناة "كردستان 24"؛ خوشاوي محمد، في العاصمة الروسيّة موسكو. والأكثر كارثيّة وفضيحة أن القناة التي يعمل خوشاوي مراسلاً لها، لم تذكر جريمة الاعتداء عليه، ولو بخبرٍ عابر، وتجاهلت الأمر تماماً، وكأنّ الأمر لا يعنيها؟ وكأنَّ المعتدى عليه، ليس مراسلها؟ أو أنه ليس مواطناً كرديّاً، اعتدي عليه بوحشيّة، وهو في حالة حرجة في إحدى المشافي الروسيّة!؟

جريمة الاعتداء تلك، حدثت في حرم جامعة (PFUR) الروسيّة، وذكرت وسائل الإعلام الروسيّة بأن الاعتداء على خوشاوي محمد كانت نتيجة عمله كصحافي. وأشارت إلى أن خوشاوي سأل فلاديمير بوتين في مؤتمرات صحافيّة عدّة عن تطوير العلاقة بين موسكو وهولير (أربيل). وذكر الإعلام الروسي أن ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) في روسيا؛ خوشاوي بابكر، أدان الهجوم على الصحافي الكردي، ودعا "نقابة الصحفيين الكردستانيين وممثلي وسائل الإعلام الروسية للاحتجاج على هذه الجريمة". ولكن إعلام كردستان العراق، كان صامتاً صمت القبور على تلك الجريمة؟! وهذا الصمت يثير الشبهة والريبة والإدانة أيضاً!

في غضون ذلك، أصدرت عائلة الصحافي المغدور المعتدى عليه بياناً ناشدت فيه كل من السادة مسعود بارزاني (الرئيس السابق للإقليم) ونيجيرفان بارزاني (الرئيس الحالي للإقليم) ومسرور بارزاني (رئيس حكومة الإقليم) بضرورة متابعة القضيّة عن كثب. وألمحت العائلة في بيانها إلى أن جريمة الاعتداء مرتبطة بتقرير أعدّه خوشاوي محمد عن الفساد الموجود في ممثليّة إقليم كردستان العراق في موسكو. رسالة المناشدة تلك، رغم أنه ليس فيها أي اتهام مباشر وصريح، نشرها موقع "باسنيوز" في سياق خبر، ثم حذفه من الموقع، لسبب غير معروف!؟

 وإذا كان التقرير الذي أعدّه خوشاوي محمد عن الفساد، وبثّته قناة "كردستان 24" حسبَ ما قيل، هو السبب في الحادثة، فلماذا لم تنشر القناة نفسها أي خبر عن الاعتداء على مراسلها؟!

قناة "روداو" أيضاً، خيّم عليها صمت القبور حيال تلك الجريمة البشعة التي حدثت في موسكو. ولكن القناة نفسها كانت تغرّد وصوتها يلعلع حين تعرّضت مراسلتها الصديقة والزميلة رنكين شرو، إلى اعتداء وإهانة من قبل رجال الأمن التابعين لسلطة حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق الكرديّة السوريّة! والحال هذه، هناك انتقائيّة في تناول الاعتداءات التي يتعرّض لها الصحافيون والإعلاميون، ويدخل في ذلك، الخلفيّة السياسيّة والحزبيّة للجهة المعتدية!

ربما يقول قائل: أنت أيضاً كنتَ تكتبُ في إعلام كردستان العراق، وتظهر على قنوات التلفزة الكرديّة هناك. هذا صحيح. ولكن الصحيح أيضاً، أن هذا حقّي، ولا منّة لأحدٍ عليّ في ممارسة الكتابة والتعبير عن الرأي. لكنني لم أفعل كما فعل كثر، من باب التطفّل وعرض ضميري وذمّتي للبيع، والتطبيل والتزمير لهذه الجهة أو تلك، لهذا الزعيم أو ذاك، ولم ولن أسكت على الانتهاكات التي يتعرّض لها زملاء لي، وأبناء مهنتي، وأي مواطن عادي، ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا، ولا أخشى في ذلك لومة لائم لئيم.

حاول بعض العاملين في المؤسسات الإعلاميّة في كردستان العراق تبرير صمت الحكومة والإعلام الكردي على أن إثارة خبر الاعتداء على خوشاوي محمد سيسيئ إلى التحقيق الجاري حاليّاً

لا أحد يتحدّث عن مكافحة معدّلات الفساد والفقر والبطالة والأميّة والعنف ضد المرأة التي ينبغي أن تكون في أعلى سلّم أولويات الحكومة والقيادة الكرديّة في كردستان العراق

بخصوص القضيّة! وهذا، بصريح العبارة؛ عذر أوقح من ذنب. ذلك أن التحقيق جارٍ في موسكو، ومصحوب بالضجيج الإعلامي والمتابعة الإعلاميّة أيضاً، بينما نجد الصمت المطبق في هولير (أربيل)!؟ من جهة أخرى، وكأنّ التحقيق الجنائي والقضائي الكردي، أنصف الصحافيين الكرد السابقين الذين اعتدي عليهم بالضرب والقتل، حتى ينصف هذا القضاء؛ الصحافي خوشاوي محمد؟!

من المؤسف القول: إن الكثيرين يتحدّثون عن إنجازات الإقليم الكردي على صعيد مكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم داعش، والعمران والأمن والنمو الاقتصادي، وهذا صحيح. ولكن لا أحد يتحدّث عن مكافحة معدّلات الفساد والفقر والبطالة والأميّة والعنف ضد المرأة التي ينبغي أن تكون في أعلى سلّم أولويات الحكومة والقيادة الكرديّة في كردستان العراق، إذا كان لديها طموح أو مشروع استقلالي كردي حقيقي.

أعلم تماماً أن هذه الأسطر لن تعجب المتحزّبين والدوغمائيين وعبدة الأحزاب والقادة، وستتعرّض للذمّ والتشكيك والطعن والتخوين أيضاً، كما جرت وتجري العادة ضمن بيئاتنا الشرق أوسطيّة. وأعلم أن هذه الأسطر، لن تجدي نفعاً، ولن تدفع باتجاه استجلاء الحقيقة، ومقاضاة الجناة الحقيقيين، كائن من كان. لكن، كذلك الصمت عن هكذا جرائم، هو نوع من الاشتراك فيها.

خلاصة القول: الصحافي الكردي خوشاوي محمد، لحين كتابة هذه الأسطر، كان في حالة حرجة، وتعرّض لارتجاج في الدماغ، وكليتاه تعملان بنسبة 10% فقط، أتمنّى له الشفاء العاجل، كي يروي لنا الجانب الآخر من هذه القصّة المؤلمة والحدث المؤلم. وكي يتأكّد الكرد وشعوب المنطقة أن الفساد ثم الفساد ثم الإفساد... هو العدو الحقيقي للديمقراطيّة والتنمية وقضايا الشعوب وحقوقها.

شارك برأيك

أشهر الوسوم