كردستان العراق: البلاد الناهضة من تحت الأنقاض - 2

عندما كانت الطائرة تحلّق فوق هولير - (أربيل)؛ عاصمة إقليم كردستان العراق الفيدرالي، وأنوارُ المدينة تتلألأ كشُعبٍ وأرخبيلات من المرجان واليواقيت، قلتُ في نفسي: فيما مضى، كانت الطائرات تقصف هذه المدينة من هذا الارتفاع، أو أقل، أو أكثر، وتقتل وتحرق وتدمر وتبيد البشر والشجر والحجر. لكن إرادة أهل هذه الأرض انتصرت وأجبرت الطائرات على الهبوط بأمان، محمّلة بالبشر، على اختلاف مشاربهم وأعمالهم وخبراتهم. هذه الأرض، ومثلها أراضٍ كثيرات في العالم، كانت ضحيّة صفقات ومصالح دوليّة، نجمت عنها حروب وصراعات ونزاعات أهليّة وإقليميّة، لما تزل فتائلها موجودة، وجمرها تحت الرماد، لم ينطفئ بعد.

هذه الأرض، غنيّة جدّاً بالمياه والجبال والأنهار والغابات والكهوف والمغاور، وغنيّةٌ جدّاً بالبترول والثروات والمعادن، وغنيّةٌ جدّاً بالثورات والانتفاضات والهزائم، وغنيّةٌ جدّاً بالمقاومين و"الخونة"، وغنيّةٌ جدّاً بالفساد والإفساد، وغنيّةٌ جدّاً بالأمل والطموح والرغبة في نزع فتائل الحروب، وإبطال مفاعيل قنابلها، والنهوض من تحت أنقاض الحروب وتبعاتها. هذه البلاد غنيّة جدّاً بالتراث والأغاني وقصص وملاحم العشق، والشعراء والأدباء، شأنها شأن الكثير من أوطان وبلدان الآخرين. قبل مئات السنوات، كان اسمها كردستان، وحتى صدّام حسين، كان يسمّيها كردستان، وهي ضمن الدستور العراقي، اسمها إقليم كردستان، وبعد مئات أخرى من السنوات، سيبقى اسمها كردستان، بالضد من رغبة البعض في الاستمرار بتسميتها؛ "شمال العراق" كرهاً وبُغضاً بالكرد وبلادهم، وليس حبّاً في العراق، وحرصاً على وحدة أراضيه.

كردستان العراق، شأنها شأن الكثير من المناطق التي مرّت بحروب ضروس، لم يبق فيها منزلٌ أو قريةٌ أو مدينة، ولم تتعرّض للتدمير عدّة مرّات. وغنيٌّ عن التعريف والشرح والبيان، ما تفعله الحروب بالأنسجة الاجتماعيّة، ومدى خلقها التفاوت الطبقي بين البشر، وكيف تجعل من أمراء الحرب، سادةً في حالة السلم أيضاً. في كردستان العراق، ثمّة قادة وطنيون ومناضلون حقيقيّون أصحاب مشاريع قوميّة ووطنيّة، إلى جانب وجود طبقة من الفاسدين المستفيدين، يعتبرون كردستان والسلطة فيها "البقرة الحلوب" و"الدجاجة" التي تبيض لهم ذهباً، و"المزرعة" التي يتقاسمونها ويتوارثونها!

على امتداد سنوات خلت، وجَّهتُ انتقادات شديدة لقيادات كردستان العراق، الراحلين منهم والموجودين. ورغم أن تلك الانتقادات لم تُأتِ أُكلها، ولأن أسبابها ما زالت موجودة، فستبقى الانتقادات أيضاً موجودة. وزيارتي الأخيرة لكردستان العراق، لم تغيّر من نظرتي وموقفي من سوء واقع الحال في الإقليم الكردي. ما طرأ عليه تغيير؛ هو تراجع نسبة اليأس لديَّ، مع تزايد نسبة الأمل.

في كل الجلسات الجانبيّة والنقاشات مع بعض الأصدقاء الكرد، المعنيين بالشؤون البحثيّة والإعلاميّة والثقافيّة، وبعض المقرّبين من صنّاع القرار في الإقليم الكردي، حاولتُ أن أكون ناقداً حادّاً، وناقماً وساخطاً على بعض المظاهر. وللأمانة، لمست ترحيباً وتقبّلاً لهذه الانتقادات وحالة السخط والغضب التي كانت تتملّكني أحياناً. في حين أن "شبيحة" السلطة الكرديّة، هم الذين "يهربجون" ويحاولون منع أي بصيص

لأن كردستان بلاد ناهضة من تحت الأنقاض، على السلطة الحاكمة فيها، أن تسمع أكثر مما تتكلّم، وأن تفعل أكثر مما تقول، وأن تنفتح على الآراء النقديّة، أكثر من الإنصات للمدائح والتطبيل والتزمير

نقد يطاول الحكم الكردي في كردستان العراق! ولا يُفهمّن من ذلك، محاولة التغطية على دور وضلوع ومسؤوليّة السلطة الكرديّة في سوء الأحوال، بقدر ما هو التأكيد على شراسة وضراوة "شبيحة" السلطة الكرديّة في محاولة التعمية والدفاع عن العيوب والأخطاء والكوارث التي تعتري الأداء الحكومي الكردي! هذا الصنف من البشر، موجود بكثرة، كالفطر، في تركيا، وسوريا، وإيران والعراق...، وحتى خارج هذه البلدان أيضاً، يستميتون في الدفاع عن الأنظمة، حتّى وهم في بلدان المهجر الطوعي أو القسري!

ولأن كردستان بلاد ناهضة من تحت الأنقاض، على السلطة الحاكمة فيها، أن تسمع أكثر مما تتكلّم، وأن تفعل أكثر مما تقول، وأن تنفتح على الآراء النقديّة، أكثر من الإنصات للمدائح والتطبيل والتزمير، وتجعل من تلك الانتقادات أحد مصادر الغنى والثراء والرقابة على الأداء الحكومي، في سياق الرغبة في إنعاش المجتمع المدني وتعزيز دوره التنويري والرقابي على السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة.

يمكن ذكر بعض الأفكار والملاحظات والانتقادات التي طرحتُها أثناء النقاشات مع بعض الأصدقاء في كردستان، بخاصّة التي تتعلّق بمركز "روداو للدراسات"، باعتبارها الجهة المنظّمة للمنتدى السنوي الذي دعيتُ إليه:

- وفق ما هو سائد في معظم بلدان العالم؛ المؤسسات الإعلاميّة المرئيّة والمسموعة والمقروءة تكون عادةً، تابعة لمراكز الأبحاث والدراسات، بشكل مباشر أو غيره. وبالتالي، حتّى لو نفى العاملون في مركز "روداو" تبعيّتهم لقناة "روداو" الفضائيّة، فإن الكثير من المعطيات تؤكّد ذلك، أقلّها شأناً الميزانيّة أو الموازنة الخاصّة بالمركز ومشاريعه. وعليه، فتبعيّة "مركز الدراسات" لـ"القناة"، هو أشبه بوضع العربة أمام الحصان. وهذه حالة شاذّة، من المفترض تصويبها من قبل الجهة الممولّة والتي تتبع لها مؤسسة "روداو" بحيث يكون المركز هو الأساس، والقناة التلفزيونيّة وملاحقها هي التابعة للمركز. أو أقلّه، يجب الفصل تماماً بين "مركز روداو للدراسات" وقناة "روداو" لاشتباك الاختصاصات والصلاحيّات.

- من المفترض أن تتعامل حكومة الإقليم، وقيادة الإقليم بشكل عام، بمنتهى الجديّة والإنصات والاحترام لما يصدر من مركز "روداو" للدراسات من أفكار وانتقادات وتقارير وتوصيات، بحيث يكون للمركز دور وازن وفاعل ومساهم في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، داخل الإقليم وخارجه. وعليه، أن تنظر قيادة الإقليم إلى المركز نظرة المحتاج إلى العقل والتوصية والمشورة والاقتراح، والشريك في صنع السياسات واتخاذ القرارات. وإلاّ ما الجدوى من وجود مركز كهذا، إن يكن التعامل معه بهذا المستوى من الجديّة والأهميّة والالتزام والاحترام؟! بمعنى آخر، يفترض ألاّ يتم التعامل مع "مركز روداو للدراسات" باعتباره ديكوراً، أو واجهة، أو تحصيل حاصل، يملأ فراغاً وحسب.

- إن كانت حكومة الإقليم تريد النهوض بالبلاد، وتريد تفعيل دور المؤسسات، وإجراء إصلاحات جديّة، فعليها النظر بأهميّة بالغة إلى مراكز الدراسات والأبحاث الرصينة التي تتناول قضايا المجتمع والدولة والمؤسسات بمنتهى الموضوعيّة والمهنيّة، بعيداً عن التحزّب. وعليه، يجب توسيع نطاق الدعم الحكومي لمراكز الدراسات والأبحاث في إقليم كردستان، وعلى سبيل الذكر لا الحصر؛ مركز "روداو" للدراسات، والنظر إلى هذا المركز كالنظر إلى أهميّة ووزن ودور عدّة وزارات في الحكومة.

- أعتقد أن حالة الفساد المستشرية في كل مفاصل السلطة الكرديّة، باتت ميؤوساً منها، وشبه مستحيلة الحلّ، إلاّ بطريقة واحدة وحسب، هي: وضع خطط وبرامج بعيدة المدى، تقضي بتزويد مؤسسات الدولة بكوادر عمليّة احترافيّة نزيهة، غير ملوثة بالفساد، وإغلاق صنابير "حنفيات" ومصادر الفساد تباعاً عن رؤوس وأقطاب الفساد. وتفعيل القانون والدستور ومبدأ المحاسبة، عبر تعزيز دور القضاء والرقابة الإداريّة على كل مؤسسات الدولة. فما تم نهبه، بات من المستحيل إعادته إلى خزينة الدولة. والأفضل الآن، سدّ الأبواب أمام عمليات نهب جديدة. فضلاً عن ذلك أن رؤوس الفساد، قد نهبوا ما يكفيهم ويكفي أولادهم وأحفادهم لعشرة أجيال وأكثر. وبالتالي، يمكن العمل والاشتغال على الأجيال الجديدة، بحيث تكون بعيدة من الانزلاق نحو الفساد. خطط كهذه، يمكن أن يضعها مركز روداو للدراسات بالتعاون مع مراكز وأبحاث دوليّة معنيّة بالإصلاح الإداري والحكومي والحد من الفساد ومكافحته.

- يفترض بمركز روداو، والمراكز التي على شاكلته في كردستان، استقطاب الطاقات البحثيّة الشابّة من خريجي جامعات كردستان (صلاح الدين، دهوك، السليمانيّة، زاخو، الجامعات الخاصّة، الجامعة الأمريكيّة في السليمانيّة، والجامعة الأمريكيّة في دهوك...)، والزجّ بتلك الطاقات الشابّة في العمل البحثي العلمي، بحيث يتحوّل هؤلاء إلى كوادر قادرة على إدارة مؤسسات الدولة بكفاءة ومهنيّة، بعيداً عن الوصاية الحزبيّة والقبليّة والعائليّة.

- يمكن لمركز "روداو" أن يتحوّل إلى مؤسسة حكوميّة، والتخلّص من حالة التبعيّة لجهة حزبيّة معيّنة، أو تيّار حزبي. ويمكن أن يمارس المركز دوراً إصلاحيّاً شديد الأهميّة، عبر ممارسة الرقابة على أداء الوزارات والمؤسسات الكبرى؛ الدفاع، الأمن، الاقتصاد، الماليّة، الخارجيّة والعلاقات الدوليّة، عبر تقارير ودراسات علميّة موضوعيّة خاصّة. بالدرجة الأولى، على مركز روداو التركيز على قطاع التربية والتعليم العالي والبحوث العلميّة في كردستان، وإصدار بحوث ودراسات عن أداء الجامعات والمعاهد العليا، ومراحل الدراسة الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة. وهكذا، ستشعر مؤسسات الإقليم بأنها خاضعة لمتابعة ورقابة صارمة وعلميّة ومهنيّة، تفضي إلى محاسبة التقصير والإهمال والتراخي والفساد...الخ.

- رغم الإمكانات الممنوحة للبعثات الدبلوماسيّة وممثليّات إقليم كردستان العراق في المهجر الأوروبي والأمريكي، فإننا لا نرى مردوداً على صعيد النشاط السياسي والدبلوماسي والثقافي لهذه الممثليّات في البلدان الأوروبيّة. فممثليّة فلسطين في بروكسل، وعلى صِغر حجم مقرّها، وقلّة مواردها والتمويل الممنوح لها، فإنها تمارس نشاطاً ثقافيّاً (أدب، سينما، تشكيل، موسيقا) أضعاف ما تقيمه ممثليّة إقليم كردستان في بروكسل، على سبيل المثال. وعليه، يمكن لمركز "روداو للدراسات"، إعداد تقارير ودراسات خاصّة تتناول أداء هذه الممثليات والبعثات الدبلوماسيّة، وقياس مستوى الهدر الحاصل فيها، عبر مقارنة التمويل الممنوح لها بحجم النشاط المطلوب منها شهريّاً.

- أعتقد أنه على مركز روداو إيلاء الأهميّة البالغة، لقطاع حقوق الإنسان، والانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون في كردستان. ناهيكم عن ضرورة الاهتمام بالبحوث والدراسات المعنيّة بالجندر، وإشراك المرأة في كل المؤسسات، ورصد ورفض ظاهرة العنف ضد المرأة، وعمالة الأطفال في كردستان، عبر البحوث والدراسات والتحقيقات الميدانيّة والمهنيّة، وتقديم التوصيات للحكومة، والدفع بها نحو سنّ قوانين وتشريعات في هذا الإطار.

- مما لا شكّ فيه أن قناة "روداو" التلفزيونيّة، كان لها دور مهم في متابعة الشؤون الكرديّة داخل إقليم كردستان وخارجه. وأنه كان لمدير القناة السيّد آكو محمد دور بارز في مرحلة التأسيس. إلاّ أن هذا الدور بات ينزلق نحو ممارسة السلطة المطلقة المشوبة بالاستبداد والقمع والتعسّف. إذ وصلتني الكثير من الشكاوى بهذا الخصوص. ولا أعلم مدى اطّلاع السيّد نجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان، باعتباره مالك قناة "روداو" على مدى الخروق والممارسات التعسّفيّة التي يمارسها مدير القناة مع الموظفين والعاملين فيها، ذلك أنه بدونهم، لا يمكن الحديث عن وجود القناة أصلاً ! وعليه، أعتقد أن الوضع في قناة "روادو" صار بحاجة إلى إعادة هيكلة، وممارسة بعض الدور الرقابي على

التعامل مع قناة "روداو" باعتبارها الذراع الإعلاميّة لجهة معيّنة أو لمسؤول معيّن، صار يستوجب ليس فقط المراجعة وحسب، وبل التصويب والإصلاح والتغيير

مديرها العام، الذي على ما يبدو أن الصلاحيّات الواسعة وشبه المطلقة الممنوحة له من قبل السيّد نيجرفان بارزاني، قد أفسدت آكو محمد وجعلته يتعامل بفرعنة مع العاملين في القناة، إلى درجة وصلت به الغطرسة إلى ضرب صحافيين في مبنى التلفزيون، وشتم أكاديمي كردي سوري وإهانته، والاشتباك بالأيدي مع مذيع كردي آخر، والتلفّظ بألفاظ نابيّة بحقّ بعض العاملين في القناة، والتعامل معهم وكأنّهم عبيد وخدم عنده !

اعتقد أن التعامل مع قناة "روداو" باعتبارها الذراع الإعلاميّة لجهة معيّنة أو لمسؤول معيّن، صار يستوجب ليس فقط المراجعة وحسب، وبل التصويب والإصلاح والتغيير. فضلاً عن أن كردستان ليست مزرعة، يمتلكها حزب أو زعيم حزب، أو مدير قناة تلفزيونيّة، أو مذيع في قناة له علاقات مع هذا الزعيم أو ذاك. كردستان ليست مزرعة يديرها أحد هؤلاء كيفما يشاء، ويطرد منها من يشاء ومتى يشاء؟! ويجب مكافحة الإقطاعات الصغيرة التي تتكاثر في قطاع الإعلام والتربية والتعليم والثقافة. ومن الكارثي القول: إن أكثر وزارة فساداً في إقليم كردستان العراق، هي وزارة الثقافة.

خلاصة القول: يمكن أن تعتبر قيادة إقليم كردستان العراق، هذه الأسطر، بمثابة رسالة مفتوحة، لا يراد منها إلاّ الخير والتطوّر والنهضة لكردستان وشعبها.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم