كتاب النبي الديمقراطي.. سباحة عكس تيارين

في زمن علا فيه صوت اليمين المتطرف في أكثر من مكان حول العالم، يبدو هكذا عنوان " النبي الديمقراطي" مثيراً للاستغراب، فالديمقراطية صنو الكفر في أدبيات بعض الحركات الإسلامية، وهي فقط وسيلة للوصول للسلطة في أدبيات الحركات الأخرى، أما الأحزاب العلمانية، فلا يرى بعضها في الموروث الديني إلا حركة نكوصية ماضوية، والإسلام والديمقراطية خطان متوازيان لا يلتقيان، من هنا تأتي أهمية كتاب محمد حبش، الذي يبحث من خلاله في "الملامح الديمقراطية في كفاح الرسول".

عبر 167 صفحة يحاول حبش أن يدلل على كلامه عبر قصص من سيرة النبي الكريم،" بوصفه قائداً ديمقراطياً حقيقياً عمل بصدق من أجل خدمة الإنسان، وناضل ضد الاستبداد والثيوقراطية والأوتوقراطية، وكافح من أجل مجتمع عدالة وحرية وديمقراطية يؤمن بإخاء الأديان وكرامة الإنسان".

محاولات سلمية

يقول الباحث الإسلامي إن المشروع النبوي لبناء دولة المدنية والعدالة شهد خمس محاولات سلمية بشكل تام، فشلت أربع منها، فيما نجحت المحاولة الأخيرة. أولى هذه المحاولات كانت في مكة، وقد تصدى لها كبار رجال قريش وأفشلوها لأن المشروع المحمدي " دعوة رعاع لا تقيم شأناً للامتيازات القبلية، ويسوي بين السادة والعبيد". ثاني المحاولات كانت في الحبشة في السنة السادسة للبعثة، ونتيجة الاضطهاد الذي عاناه المسلمون الأوائل أرسلهم النبي إلى الحبشة، ولكن تبين أن بلاد النجاشي "تصلح أرض لجوء لا أرض هجرة".

المحاولة الثالثة كانت في السنة العاشرة للبعثة، وفيها ذهب النبي إلى الطائف، ولكنه ووجه برفض شديد، وضرب بالحجارة حتى سالت دماؤه هناك. المحاولة الرابعة كانت من خلال الاتصال بأشراف مدينة الحيرة في العراق، ولكنهم رفضوا الدعوة خشية من ملك الفرس الذي كان بينهم وبينه معاهدات.

أغلبية ديمقراطية

المحاولة الخامسة جاءت في السنة الحادية عشرة للبعثة، حيث حضر لها النبي من خلال التواصل في موسم الحج مع سادة يثرب، أو المدينة كما أصبحت تعرف فيما بعد،

لا ينفي حبش الانتقائية في اختيار الروايات في كتابه، فالجميع يمارس الانتقائية في التعامل مع التاريخ الإسلامي "حيث يمكن قراءة مشاهد استبدادية فيه، ويمكن قراءة مشاهد ديمقراطية".

وهذه المحاولة هي التي نجحت ونشأت عنها دولة الإسلام. "ولم يعلن النبي دولته بعد بيعة " العقبة الأولى" حيث كان عدد المؤمنين قليلاً، " وإنما أعد بعناية مشروعه السلمي ولم يتوجه إلى المدينة ويعلن مشروعه فيها إلا بعد أن صار يشكل بكل يقين أغلبية مريحة في المدينة تتجاوز خمسين بالمائة، وتسمح له بإعلان حكم ديمقراطي ترسمه الأغلبية".

انتقائية في الروايات

لا ينفي حبش الانتقائية في اختيار الروايات في كتابه، فالجميع يمارس الانتقائية في التعامل مع التاريخ الإسلامي "حيث يمكن قراءة مشاهد استبدادية فيه، ويمكن قراءة مشاهد ديمقراطية". وهو يعترف بأن التاريخ الإسلامي مليء بشواهد العدالة كما هو مليء بشواهد الاستبداد، ولكن العدالة هي أقرب لروح الإسلام.

أهم مصدر رجع إليه حبش في بحثه عن الملامح الديمقراطية في حياة الرسول هو القرآن الكريم، وهنا يسرد عدة آيات للتدليل على كلامه " وشاورهم في الأمر" و" أمرهم شورى بينهم"، وأن النبي بشر مثله مثل كل الناس، ولا امتيازات له عليهم، "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله" وغيرها من الآيات.

وثاني المصادر التي اعتمدها حبش هي الأحاديث النبوية، وما ورد في سيرة النبي المصطفى، حيث وردت أحاديث تحض على الحرية وأخرى قد يفهم منها الدعوة إلى الاستبداد " ولا شك أن المطلوب هو الانتصار لنصوص الحرية والمساواة ورفض الاستبداد، ورفض النصوص الداعية للخضوع والخنوع أو تأويلها، بما يستقيم مع حرية الإنسان وكرامته ومنزلته".

أسباب رفض الديمقراطية

ويرى الأكاديمي أن هناك سببين لرفض المنجز الديمقراطي في منطقتنا، السبب الأول: قدوم الديمقراطية عبر دول ومؤسسات مارست الاستعمار والبغي، والسبب الثاني: هو حتمية التناقض بين الديمقراطية التي هي حكم الشعب والشريعة التي هي حكم الله، حسبما رأى بعض منظري الأحزاب الإسلامية كسيد قطب والنبهاني، ومن هذه الآراء استمد المستشرقون رؤيتهم التي ترى أن الإسلام معادٍ للقيم الديمقراطية!. لكن حبش يدلل على خطأ هذا الكلام من خلال أول دستور وضعه النبي في المدينة، حيث كان المسلمون واليهود فيه على قدم المساواة، دون تميّز أحدهم عن الآخر بانتماء ديني أو عرقي. كما أن أهم صلح في حياة النبي (صلح الحديبية) قد ضم يهوداً ونصارى ووثنيين، وكانوا جميعاً متساوين في الحقوق والواجبات، فيما التمييز كرسته كتب الفقه في عصور لاحقة.

الديمقراطية والشورى

الديمقراطية التي هي منجز إنساني بالأساس يرى المؤلف ضرورة عقد مصالحة بينها وبين الإسلام، ما يؤدي إلى إغناء الديمقراطية وفي ذات الوقت يسهم بإيجاد حل للمشاكل التي تعانيها الدول الإسلامية وعلى رأسها الاستبداد.

وفي العلاقة بين الشورى-المقابلة للديمقراطية في الأدبيات الإسلامية- والديمقراطية، فيرى الكاتب أن الديمقراطية باتت اليوم مفهوماً أوسع من الشورى، لأنها تعبر عن منظومة واسعة جداً من القيم السياسية، تشتمل على العدالة والمساواة وحقوق الإنسان والحريات وحقوق المرأة وحقوق الطفل، وحقوق الأقليات.

ديمقراطية وصولية

يقول حبش إن الحركات الإسلامية تقبل بآليات الديمقراطية التي توصلها إلى سدة الحكم، ولكنها ترفض الديمقراطية كآلية تشريع، وتعتبرها " محادّة لله ورسوله"، في حين يميل الكاتب إلى التوافق بين التشريع بالنص الديني والتشريع بالأغلبية الديمقراطية، ويؤكد على إمكانية الوصول لنتائج متشابهة سواء كان منطلق ذلك النص الديني أو الأغلبية الديمقراطية. ودلل على ذلك بعدد من الأدلة التي تؤكد الاتصال بين الشريعة والديمقراطية، فيقول إن الديمقراطية هي حكم الأغلبية، وفي الإسلام أحاديث تحض على اتباع " السواد الأعظم"، طبعاً مع تفاصيل تحدد نوع هذا السواد.

الديمقراطية في أصول الفقه

يقول حبش إن علم أصول الفقه هو قانون العقل ومنهج التفكير في الإسلام، وبخلاف القاعدة السائدة " لا اجتهاد فيما ورد فيه نص" فإن هذا العلم يبحث في معظم فصوله باب الاجتهاد في مورد النص وأصول هذا الاجتهاد، وذكر في بحثه العديد من القواعد التي صنفها ضمن خمس مجموعات، وكلها تدلل على تقوية الخيار الديمقراطي في حياة المسلم.

مواقف ديمقراطية نبوية

في الباب الثاني من الكتاب يتناول الباحث مواقف ديمقراطية من حياة الرسول، ففي معركة بدر لم يستبد النبي الكريم برأيه، بل كان التشاور هو السائد، حيث استشار النبي أصحابه في قرار الحرب وفي مكانها وفي خطتها وحتى في غنائمها. وفعل النبي شيئاً كهذا في معركة أحد ومعركة الخندق وغيرهم.

السبي والاسترقاق

ويتناول الكاتب موضوع السبي والاستعباد، حيث يؤكد أن النبي قد أعلن منذ اليوم الأول لرسالته تحرير العبيد، أو تحرير الرقاب، كما سماها القرآن الكريم، وهذا الفعل هو ما ألب زعماء قريش على النبي. ورغم ورود روايات كثيرة بقيام النبي وصحابته بالسبي، إلا أن هذا التصرف قد نُسخ بآية سورة محمد " فإما مناً بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها" وهو ما طبقه النبي في آخر غزواته في حنين والطائف، حيث لم يستعبد أو يسبي أحداً، رغم اعتراض الصحابة.

حد الردة!

وفي مجال الحريات الديمقراطية يستشهد الكاتب بالعديد من الآيات التي تمنع أي شكل من أشكال إجبار الناس على الاعتقاد" لا إكراه في الدين" و " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".

وبخصوص حد الردة الذي يعتبر من أشد المسائل الإشكالية في الفقه الإسلامي، فيقول حبش إنه لم يرد حكمه في القرآن من قريب ولا من بعيد،

ألغى النبي الكثير من الأحكام بناءً على حاجة وطلب المسلمين، وأن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، وأن التطور الفقهي والتشريعي مطلوب حسب تطور المجتمعات.

ويستشهد بأن إبليس الذي كان يغوي الناس لم يشأ الله أن يقمعه أو يلغيه من الوجود. ويضيف الكاتب أن حديث " من بدل دينه فاقتلوه" مرفوض سنداً ومتناً، ويستدل على ذلك بعدد من الأدلة العقلية والنقلية، ويتوسع في شرح هذه القضية وأبعادها التاريخية.

مرونة تشريعية

وفي التشريع الديمقراطي يقول الكتاب إنه لم يرَ ديناً ولا فلسفة أكثر مرونة من الدين الإسلامي، حيث ألغى النبي الكثير من الأحكام بناءً على حاجة وطلب المسلمين، وأن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، وأن التطور الفقهي والتشريعي مطلوب حسب تطور المجتمعات، أما الآية التي يحتج بها الإسلاميون على كمال التشريع الإسلامي " اليوم أكملت لكم دينكم " فيرى حبش أنها تتناول قضايا العبادات وليس المعاملات كما تتناول أمور الغيب التي لا سبيل للعقل أن يبلغها.

قبول النقد

كما أن النبي الكريم كان يتقبل النقد والمساءلة، فضلاً عن رحابة صدره مع المخالفين، وقبول الرأي الآخر، فكان لا يتوانى بالرجوع عن الخطأ، وقد جاءت الكثير من الآيات للتأكيد على بشريته وناسوته، وتصحيح أمور قد ارتآها النبي، كقصة المجادلة المذكورة في سورة المجادلة، وقصة الأعمى التي سميت سورة باسمها، وغيرها الكثير من القصص التي إن لم ترد في القرآن، فقد جاءت في السنة، وتؤكد جميعها أن المقصود من التشريع هو مصلحة الإنسان بالدرجة الأولى، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن.

الديمقراطية والوصفات الجاهزة

حاولت أن ألخص في هذه المقالة أهم ما جاء في الكتاب، الذي أراه مهماً جداً كبداية لحملة مراجعات شاملة في الأحكام الشرعية الإسلامية، بما يتماشى مع العصر الذي نعيشه اليوم، لمَ لا والديمقراطية هي أسمى منتج بشري عرفته الحضارة الإنسانية، والدول الإسلامية التي حققت تقدماً هي الدول التي اعتمدت الخيار الديمقراطي، كتركيا وماليزيا، والديمقراطية ليست وصفات معلبة جاهزة، سحرية المفعول، بل هي عملية تنتج عن تطور المجتمعات، وتتناسب معها طرداً، وينبغي أن تراعي خصوصية كل مجتمع على حدة، من هنا تأتي برأيي القيمة المضافة للكتاب، الصادر كذلك باللغة الإنكليزية، و الذي يسبح فيه الكاتب عكس تيارين، علماني متشدد لا يرى في كل الثقافة الإسلامية ما يستحق الوقوف عنده، بينما لا يتوانى عن تقديس فلاسفة الإغريق، ومفكري عصر النهضة الأوروبية، وإسلامي متشدد يرى "الديمقراطية شرك"، حسب إحدى اللافتات في شمال سوريا، وهذا التيار مستمسك بنصوص محددة بحرفيّتها، دون النظر إلى النصوص الأخرى التي أوردها الكاتب في كتابه، وهو مستعد لتكفير الآخر وهدر دمه، لمجرد الخلاف، وطبعاً هذا كله عكس الهدي النبوي، طبقاً للأدلة التي استدل بها المؤلف.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم