كتاب أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية

يمكن القول إن كتاب أثر" الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر عام 2017 للباحث والأكاديمي الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي، هو من ضمن الكتب التي تحاول إطفاء لهيب النار الخلافات الطائفية والفتنة المذهبية التي تعصف بمنطقتنا، حيث يغوص الشنقيطي في بحور الروايات المتضاربة ليجمع روايات يثبت من خلالها وجهة نظره، عبر خمسة فصول وم275 صفحة من القطع المتوسط، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة. سأحاول في مقالتين الإضاءة على هذا الكتاب الذي هو بالأساس رسالة الدكتوراه التي كتبها الشنقيطي باللغة الإنكليزية في جامعة تكساس تك الأمريكية عام 2011، ثم ترجمها بنفسه إلى اللغة العربية عام 2016.

تحديات البحث:

يقول الشنقيطي في المقدمة إن هناك عدة تحديات واجهت عمله في هذا البحث، الأول: هو صعوبة الكتابة في التاريخ المقارن. وينقل الباحث عن مستشرق فرنسي قوله: "إن الحروب الصليبية تنتمي إلى تاريخ الشرق والغرب، ومن الصعوبة أن تجد خبيراً في التاريخين كليهما" والتحدي الثاني هو قمع وجهة النظر الشيعية في المصادر العربية، التي تكاد تخلو من الرؤية الشيعية في هذا السياق. ويشير الباحث إلى أن المؤرخين الشيعة المعاصرين قد أدلوا بدلوهم عن تلك الحقبة من خلال التنقيب في الروايات التاريخية المتوفرة، كي يثبتوا وجهة نظرهم الشيعية، " مع إدراك التفاوت في كتاباتهم من حيث الجد البحثي والعمق التحليلي، فمنهم من نحا منحى أكاديمياً مثل محمد حمادة، ومنهم من جمع بين الجد المعرفي والمنزع الجدلي مثل جعفر المهاجر، ومنهم من طغى على كتاباته الجدال لحد الابتذال مثل حسن الأمين".

والتحدي الثالث: هو انعدام الدراسات التاريخية الجادة التي تتناول العلاقات السنية الشيعية" صحيح أن بعض الباحثين العرب والغربيين بذلوا جهوداً مشكورة في دراسة تاريخ الطوائف بشكل عام، لكن هذه الدراسات لم تمنح العلاقات السنية الشيعية ما تستحقه من اهتمام وجهد".

نتائج الحروب الصليبية

وأحد أهم نتائج الدراسة حسب الباحث هو أن الحروب الصليبية أدت إلى تسريع انحسار المد التشيّعي في شرق وجنوب البحر المتوسط، وهذا الانحسار كان قد بدأ قبل الحروب الصليبية بعقود بعد سيطرة السلاجقة الأتراك على الحكم في بغداد، وإزاحة الدولة البويهية الشيعية، حيث انتشر حينها ما بات يعرف بالإحياء السني في بلاد فارس والعراق الذي بدأه الوزير نظام الملك أحد أشهر وزراء السلاجقة، " الغزو الخارجي المدمر يؤدي غالباً إلى انهيار الأنظمة السياسية العتيقة وظهور أنظمة أخرى أشد قوة وأكثر فتوة.

الفصل الأول

" القافلة التركية في مواجهة الهجمة الفرنجية" وفيه يشبه الكاتب الأتراك القادمين من أواسط آسيا الذين دخلوا حديثاً في الإسلام محملين بروح الحماسة والتضحية بالجرمانيين النورمانديين (الفرنجة) الذين كانوا كذلك حينها قد دخلوا حديثاً في المسيحية، وهم كذلك متوثبون للغزو والحروب الدينية، وينقل الشنقيطي عن المؤرخ البريطاني رونالد ساندرز قوله" إن الأتراك اخترقوا العالم الإسلامي بالطريقة ذاتها التي اخترقت بها الشعوب الجرمانية الإمبراطورية الرومانية". بل حتى علاقة السلاطين الأتراك الأوائل بالخلافة العباسية وإخلاصهم لها يشبه علاقة قادة البرابرة الجرمان بـ بابا الفاتيكان.

ومما سهل على الأتراك سرعة الاندماج بالمجتمعات العربية، ثم قيادتها هو حسبما يرى الكاتب علاقتهم الطيبة مع العرب السنة، " حيث استأثرت النخبة العربية السنية وعلى رأسهم الخلفاء العباسيون بالشرعية الدينية والثقافية، وأمسكت النخبة العسكرية التركية بزمام السلطة السياسية والعسكرية"، فضلاً عن أن الأتراك لم يتسموا في علاقتهم مع العرب بالاستعلاء العرقي والثقافي، كما هو حال الفرس.

 وينوه الباحث إلى أن الكتابات العربية المعاصرة تنزع إلى التقليل من الشأن التركي في مقاومة الحملات الصليبية المتتالية، فبرأي الكاتب حتى صلاح الدين الأيوبي الكردي عرقاً هو ثمرة الجهود التركية،" فباستثناء صلاح الدين الكردي نسباً فإن جميع القادة ذوي الشأن في المقاومة الإسلامية للحروب الصليبية كانوا أتراكاً.. بل حتى صلاح الدين عينه كان يرى نفسه تركياً"، حسبما يقول الكاتب، الذي ينوه

الأنظمة الحاكمة في القرن الرابع الهجري كانت بأغلبها شيعية، سواء إمامية أو إسماعيلية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تكون الغالبية شيعية

أن هذا التقليل هو ثمرة من ثمار النظرة السلبية للحقبة العثمانية المتأخرة للمشرق العربي ونتيجة احتكاك الأيديولوجيات والقوميات المعاصرة، في حين أن كل المراجع العربية القديمة "التي لم تشبها شائبة التمايز القومي المعاصر" تعترف بفضل الأتراك بالتاريخ الإسلامي خلال العصر الوسيط ودفاعهم عن الإسلام ضد الهجمات الصليبية، ثم المغولية لاحقاً، ويستشهد الباحث في هذا السياق بكلام لمؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن ابن خلدون.

الفصل الثاني

" الخريطة الطائفية عشية الحروب الصليبية" وفيه يتناول الباحث الانتشار الشيعي في بلاد الشام ومصر والعراق قبل غزو الفرنجة، فيرى أن الشيعة كانوا أكثرية، رغم أن كلامه هذا لا يؤيده فيه كثيرون، فيمكن القول إن الأنظمة الحاكمة في القرن الرابع الهجري كانت بأغلبها شيعية، سواء إمامية أو إسماعيلية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تكون الغالبية شيعية. بكل الأحوال في عام 358 للهجرة 963 ميلادي شهد سيطرة الدولة الفاطمية على مصر، وهو ذات العام الذي شهد أول ترسيم علني لمراسم عاشوراء في بغداد من قبل الدولة البويهية، وكان يحكم في تلك الفترة حلب الدولة الحمدانية وهي شيعية، وطرابلس الشام كانت تحكم من قبل آل عمار الشيعة.

ويفصل الكاتب أكثر في المقارنة بين طوائف الشيعة فيرى أن التشيع الإسماعيلي كان نخبوياً يشمل النخبة الحاكمة وحاشيتها ولم يكن جماهيرياً، فلم يتعد المتشيعون القاهرة، بل حتى في القاهرة نفسها كان يتعرض لمنافسة قوية من السنة، فضلاً عن أن الفاطميين الذين وصفهم بعض المؤرخين بالتسامح لم يكونوا يركزون على الدعوة لمذهبهم، على عكس البويهيين في بغداد، فالشيعة الإمامية تضرب في جذور عميقة في الأرض العراقية. كما أن المنافسة على السيطرة بين القاهرة الفاطمية وبغداد البويهية الإمامية أضعف الجانبين، الذين يريا في الشيعي الآخر خارجاً عن الملة. والانشقاقات المتواصلة في صفوفهم، فالإسماعيلية انشق عنهم النزارية أو من باتوا يعرفون بالحشاشة، والإمامية انشق عنهم النصيرية، الذين يسمون اليوم بالعلوية.

الدولة البويهية تم القضاء عليها على يد السلاجقة الأتراك بقيادة طغرل بيك، والد ألب أرسلان القائد السلجوقي الذي جهز جيشاً عرمرماً، معتزماً قتال الفاطميين وإعادة الشام ومصر إلى حضن الخلافة العباسية، إلا أن الروح العدائية للبيزنطيين اتجاه السلاجقة هي التي أنقذت الفاطميين من التصفية، حيث أن الامبراطور البيزنطي أرمانوس الرابع قد جهز جيشاً قطع به بلاد الأرمن متجهاً إلى بلاد فارس الواقعة تحت حكم السلاجقة، فغير السلطان ألب أرسلان وجهته، واتجه لملاقاة الجيش البيزنطي في ملاذ كرد، تلك المعركة الشهيرة التي سهلت للأتراك السيطرة على الأناضول وغيرت وجهه إلى يومنا هذا. وفي ذات الوقت أخرت سقوط الدولة الفاطمية التي كانت تتداعى مئة عام على الأقل.

الفصل الثالث

وحمل عنوان: السنة والشيعة الإمامية في مواجهة الفرنجة، وفيه يقول الكاتب أن الاثني عشرية في حلب على يد المرداسيين وطرابلس بقيادة فخر المُلك ابن عمار قد شاركوا السنة في معاركهم ضد الصليبيين، هجوماً ودفاعاً، هذه الوحدة بين السنة والشيعة يعزوها الكاتب لثلاثة أسباب، الأول: اعتقادي.. فرغم الخلاف الكبير بين السنة والشيعة إلا أن رواد الإحياء السني يرون في الإمامية صيغة يمكن التعايش معها على عكس الفاطمية، ويذكر الكاتب أكثر من معركة ضد الصليبيين كانت المشاركة فيها مختلطة بين السنة والإماميين كمعركة زردنا ومعركة سرمدا.

السبب الثاني: الروح السلبية السائدة لدى الإمامية، فأثناء غيبة إمامهم الثاني عشر الكبرى لم يعد لديهم طموح سياسي لإقامة دولة، وهم بذلك عكس الفاطميين، الذين كانوا نشيطين سياسياً حينها.

السبب الثالث: هو أن الدول الشيعية في الشام كانت تطلب الحماية من السلاجقة الصاعدين سياسياً وليس من الفاطميين الذين كانت قوتهم إلى اضمحلال.

وفي هذا السياق لا يوضح الكاتب كثيراً وضع شيعة جبل عامل إبان الحروب الصليبية، وهم الذين كانت علاقاتهم مع الصليبيين على أحسن حال، حتى إن الصليبيين قد دمروا كل المدن والقرى التي مروا بها إلا جبل عامل، لا بل أكثر من ذلك فقد قاتل شيعة جبل عامل تحت راية الصليبيين، حسبما يقول الكاتب، الذي يستدرك فينقل متشككاً عن مؤرخ شيعي معاصر

بعد سيطرة سيف الدولة الحمداني القوي على حلب لم يستطع فرض الأذان الشيعي إلى أن جاء ابنه ففرضه على حلب

أن أحد قادة الكتائب في جيش صلاح الدين اسمه " حسام الدين بشارة " وهو من شيعة جبل عامل قد قاتل في معارك الملك الناصر، وظل على تشيعه طيلة قتاله الطويل، ليخلص المؤلِف إلى النتيجة التي سخر الكتاب من أجلها" أن هذا دليل إضافي من صور التعاون والتعاضد بين السنة والشيعة الإمامية خلال الحروب الصليبية".

بعد سيطرة سيف الدولة الحمداني القوي على حلب لم يستطع فرض الأذان الشيعي إلى أن جاء ابنه ففرضه على حلب، فكيف تكون حلب ذات أغلبية شيعية وسيف الدولة الحمداني بعز سطوته لم يستطع فرض الأذان الشيعي!

عندما سيطرت الدولة الزنكية القادمة من الموصل على حلب، يفصل الكاتب كثيراً بعلاقة هذه الدولة بالشيعة، فنور الدين الشهيد بدأ تصفية شاملة ضد الإمامية والنزارية على حد سواء، وهو الذي أعاد الأذان إلى صيغته ما قبل سيطرة الحمدانيين، ونفى الشيعة الرافضين لقراراته، وحينما سيطر صلاح الدين على حلب أعاد المنفيين، فيقول الكاتب إن صلاح الدين الذين أعطى الشيعة حرية دينية كاملة في دمشق وحلب "وجد فيه الإمامية حليفاً يستحق الثقة" ويستشهد الكاتب بمؤرخ شيعي يدعى "ابن أبي طيء "كتب كتاباً في سيرة صلاح الدين الأيوبي عنونه " كنز المؤمنين في سيرة الملك صلاح الدين" وهو أول كتاب في سيرة هذا الملك العظيم يدل على وجود علاقة سياسية بين الشيعة الإمامية وبين صلاح الدين.

شارك برأيك

أشهر الوسوم