كالدّيك يرقص مذبوحاً من الألم

مِن احتفالات مؤيدي "نظام الأسد" (أرشيف - إنترنت)

مشاهد متماثلة ترسم أفق الحياة في كلّ من سوريا ومصر. من خلال الرقص والغناء عبّر أفرادٌ عديدون من عموم الشعب السوري في مناطق سيطرة قوات النظام، عن فرحتهم بانقطاع المحروقات في محطّات الوقود، وحوّلوا هذه الضائقة الخانقة إلى نُزهة لتنسّم عبير الياسمين والورد الجوري في تلك الساحات والشوارع، إلى حالة من التضامن الاجتماعي والتكاتف، إلى حالة من الفرح والسعادة بلقاء الإخوة المواطنين وتبادل الآراء والأحاديث معهم بكلّ حريّة ومسؤولية، إلى حالة من مقاومة وممانعة المؤامرة الكونيّة.

ساهم العديد من رجال الدين بالتغنّي بهذه الحالة عبر الإفتاء بشرعيّتها وصحّتها وقربها من الإيمان الحقيقي، وكان على رأسهم الشيخ مأمون رحمه خطيب الجامع الأموي بدمشق، ساندهم كذلك عدد غفير من العاملين في التلفزيون العربي السوري وغيره من القنوات الفضائيّة السورية لتغطية هذا الحدث الجلل، وقام الكثير من الصبايا والشباب بشكل عفويّ مطلق ودون تلقّي أية تعليمات من أية جهة كانت حزبيّة أو أمنيّة، بتوزيع الورود والمجلّات والجرائد عليهم لتسليتهم أثناء الانتظار في الطوابير..!

كذلك كان حال الكثير من المصريّين ممّن نزلوا إلى الشوارع والساحات ومكاتب الاقتراع، راقصين مغرّدين كالبلابل من شدّة الفرح والسعادة لإتاحة الفرصة لهم بالاختيار بين (نعم أو آه) حسب تعبير المذيع المصري الأستاذ أحمد موسى. لم يكن الاستفتاء في مصر على تغيير الدستور بهدف إجراء مزيد من الإصلاحات في بنى وهياكل مؤسسات الدولة ولتعزيز مبدأ فصل السلطات وسيادة القانون واستقلال القضاء، أو لتعزيز حقوق الإنسان وفاعليّة دور المواطنين في الإنتاج والقيادة والريادة والرقابة، فكلّ هذه المسائل منجزة ومقطوع في أمرها، بل كان هدف التعديلات الدستورية الأوحد هو مساعدة الرئيس المفدّى والقائد الملهم المشير عبد الفتاّح السيسي على تحمّل أعباء قيادة مصر الكنانة إلى الأبد، لم لا وهو الذي خاطبه المتنبّي قبل ألف عام من ميلاده المجيد بقوله:

ليس إلّاك يــا سيسيّ همامٌ                  سيفه دون عرضه مسلولُ

كيف لا يأمن العـراق ومصرٌ                وســراياك دونها والخيولُ

على الضفّة الأخرى، تفشلُ الفرق العلميّة المتخصّصة في حكومة العدوّ الصهيوني الغاصب بإنجاز مهمّة هبوط المركبة الفضائيّة (بيريشيت) على سطح القمر، وتتكتّم على الأمر وتحرص على ألّا يظهر للعالم هذا الإخفاق الذريع بغزوه، ولولا أنّ النائب السابق في مجلس الشعب السوري الشيخ أحمد شلاش لم يفصح عن إفشال هذا الهبوط، لما صرّحت به حكومة إسرائيل بعد أن أحرجها نائبُنا العتيد وأظهر للعالم ضعفها وهوانها.

لم يبيّن لنا الشيخ شلاش إلّا جزءًا بسيطاً للغاية من العمليّة الاستخباريّة التي قامت بها ثلّة من أبطال فرع مكافحة الجاسوسيّة عبر الأقمار الصناعيّة في إدارة المخابرات الفضائيّة السوريّة، وقد كان ذلك على ما يبدو حرصاً منه على سلامة الفريق وعلى مصالح الأمن القومي العليا التي ستتضرر بكلّ تأكيد لو باح بأكثر من ذلك. بالطبّع كان هذا التسريب لمجرّد وضع الأمور في نصابها وتحذير الأعداء من إعادة المحاولة مجدّداً، فالقمر سوري ولن يَسمحَ القائدُ الهصور لأحد بالاقتراب منه، ولم لا، ألم يخاطبه المتنبّي كذلك بقوله:

أنت طول الحياة للصهاينة غازٍ                           فمتى الوعدُ أن يكون القفولُ

قعدَ الناسُ كلّهمْ عن مساعيك                           وقامت بهـــا القــنا والنصولُ

نعم، هذا هو حال بلادنا وشعوبنا في سوريا ومصر، نجابه صواريخ أوباما المفترضة بالصدور العارية كما هدّدت وقتها سلاف فواخرجي، ونحاربُ الحصار القادم عبر قانون سيزر بالدبكات والرقصات، ونستعيد الجولان بزرع الأعلام في مناسف الطعام الملآى بالتراب. نعم هذا هو حالنا إذ نرقص في محطّات المترو كلّما احترق قطارٌ بأهلنا في القاهرة وكلّما غرقت عبّارة في نهر النيل، ونهتف بحياة السيسي كلّما أعدم قضاته الشرفاء أبناءنا المخرّبين العاقّين، كما نهتف بحياة الأسد كلّما باع جزءًا من البلد!

لقد فاق إسفاف هذه الأنظمة كلّ حدّ وكل حاجز، لقد تجاوزت تصرّفات وسلوكيّات أزلامها وزبانيتها كل عقل وكل منطق، لم تعد المسألة في إطار تعزيز سلطة الديكتاتور، بل تعدّتها للتفنّن في إذلال العباد والبلاد. أيّ بلاءٍ أكثر من هذا، وأيّ عارٍ سيلحق بهذه الدول وبهذه الأنظمة، ماذا سيكتب التاريخ عنّا، وماذا سنترك بعدنا للأجيال القادمة؟ 

يقول ابن خلدون في مقدّمته:

 "إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث فأعلم أن الفقر قد أقبع عليهم وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يساق للموت وهو مخمور".

لقد باتت بلادنا رهينة لتجاذبات مصالح الدول كلّها، ولم يعد يؤخذ في الحسبان أبداً حال الناس وأوضاعهم، فما البال بآرائهم، القرار الآن بيد سلاطين العصر والزمان من العسكر وأصحاب رؤوس الأموال، الذين ما توانوا عن بيع البلاد بهدف الإبقاء على كراسيهم، الذين ما تخاذلوا عن تدميرها وتحطيم مستقبلها ومستقبل أبنائها في سبيل استمرارهم في الحكم.

لا شكّ بأن الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في بلادنا ذاهبة إلى تفاقم شديد، لا شكّ بأن بنى مجتمعاتنا ومؤسسات دولنا ذاهبة إلى الانحلال والانهيار، لا شكّ بأنّ مناعة أوطاننا ضدّ التقسيم والاحتلال والاستعمار ذاهبة إلى التلاشي والاضمحلال، وهذا ليس بالعرض بل هو الجوهر الأصليّ والسمة الرئيسة للاستبداد وحكم العسكر.

لن تقوم لنا قائمة إن لم نتخلّص من خوفنا، لن نستطيع وقف حالة التراجع والانهيار في مجتمعاتنا ودولنا إن لم نتخلّص من العبوديّة. سيكون علينا ألّا نتوقف عن العمل لغدٍ أفضل، يجب ألّا نيأس من حالات الانكسار المؤقتة وحالات الهزيمة المرحليّة، علينا أن ننظر إلى أخطائنا بعين الناقد، علينا أن نتعلّم من انكساراتنا وهزائمنا، علينا أن نثق بأنفسنا أكثر وأن نستمدّ العزيمة من إخوة لنا في الجزائر والسودان، علينا ألّا نستسلم، وإلّا سنبقى أبد الدهر كالدّيك يرقص مذبوحاً من الألم.

شارك برأيك

أشهر الوسوم