كاتبنا الكبير... الصغيرُ أمام ملهميه وزملائه المعتقلين

أورهان باموق، روائي تركي فاز بجائزة نوبل للأداب، سنة 2006 (إنترنت)

مهما كان المبدع خصيبَ الخيال، ثرَّ اللغة، واسعَ الاطلاع، عميقَ المعرفة والدراية والإلمام، لمّاحاً وقنّاصاً في التقاط الأفكار، لا مناصَ من أن تكون لديه مصادر إلهام متعددّة، ربما تكون حالات متنوّعة ومختلفة وعابرة، وقد تكون موسيقى، أو مدناً، أو قرى، أو أشخاصاً (من الأهل والأصدقاء والصديقات، أو الغرباء). ومِن المبدعين من يبقى متكتّماً على مصادر إلهامه، ويعتبرُ الافصاح عنها، انتقاصاً منه، ربما يضعه خلف قوس الاختلاس و"التلاص" بدلاً من الاقتباس أو التناص! ومن المبدعين مَن يكشفون عن مصارد إلهامهم، ولكن بعد فوات الأوان، لئلا يستثمرها غيرهم، فيصلون بذلك إلى المقام الذي وصل إليه المبدع الكبير الذي اعتمد على هذا المصدر الإلهامي الذي تمّ الافصاح عنه. ومن المبدعين مَن يكشف مصادر إلهامه بجرأة وبساطة، وبل يكرّمون هذه المصادر، سواء أكانت تلك المصادر؛ أشخاصاً أو أشياءً.

كثيراً ما يبدي المثقفون والمبدعون تبرّمهم وتذمّرهم من تأخّر تكريم المبدعين والمبدعات، الأحياء منهم والأموات. وهذه الظاهرة متفشّية في العالم العربي. ولكن، يبدو أن هناك صنفاً من المبدعين، هم أيضاً، لا يكرّمون ملهميهم أو ملهماتهم، إلاَّ بعد موتهم، ولا يذكرون أفضال هؤلاء الملهمين والملهمات عليهم، إلاّ متأخّراً جدّاً. وهم في قرارة نفسهم، يعرفون تماماً، كم أن الشخص الملهم/ة، سيكونان سعيدَين وفخورَين، في حال تمّ الإفصاح عنهما وتكريمهما، على حياتهما.

مناسبة ما تمّ ذكره، هو صاحب "اسمي أحمر" و"القلعة البيضاء" و"اسطبنول"، والحائز على جائزة أوفيد (2008)، والدكتوراة الفخرية من جامعة برلين الحرة (2007)، وجائزة نوبل في الأدب (2006)، وجائزة السلام الألمانية لتجارة الكتب (2005)، وجائزة ميديتشي عن فئة الأدب الأجنبي (2005)، وجائزة دبلن الأدبية الدولية (2003)، وجائزة الإندبندنت لأدب الخيال الأجنبي (1990)، الروائي التركي أورهان باموك الذي كتب مقالاً يرثي فيه صديقه الأرمني آرا غُولَر، ونشرته صحيفة "واشنطن بوست" يوم 1/11/2018، وقام بتعريب المقال من الانكليزيّة سيبان حوتا، ونشره موقع "درج" في 9/11/2018.

اختار باموك عنوان مقاله "الرثائي" على النحو التالي؛ "أحبُّ صورك لأنها جميلة"

وجاء مقال باموك بعد وفاة آرا بنحو شهر ونصف تقريباً، (17/10/2018) مرفقاً بمجموعة من الصور الفوتوغرافيّة التي التقطتها عدسة آرا. واختار باموك عنوان مقاله "الرثائي" على النحو التالي؛ "أحبُّ صورك لأنها جميلة" (I Like Your Photographs Because They Are Beautiful)، ويستهلّهُ بالحديث عن غولر على أنه "أعظم مصوّر ضوئي في اسطنبول الحديثة". ثم يبدأ بسرد أوصاف صور آرا، وتفاصيل علاقته معه، وأنهما كانا أبناء حيّ واحد، ومعاناة ومأساة آرا العائليّة والشخصيّة، ومدى حرص آرا على باموك وخوفه من أن يتم اعتقاله، ولحظات إنسانيّة جمعتهما، وأشياء وتفاصيل أخرى كثيرة كثيرة...، تشير على متانة العلاقة بين باموك الكاتب والروائي والأديب، وآرا غولر، المصوّر الفوتوغرافي الأرمني.

ما لفت انتباهي في ذلك المقال، كقارئ، وكشخص له آصرة بحقل الكتابة، هو عنوان المقال، ومعلومة ذكرها باموك، تجعله مَديناً لآرا طيلة حياته. وبل مديناً لآرا في الكثير من أعماله الروائيّة، وليس فقط في رواية "أسطنبول" التي أتى على ذكرها باموك في سياق المقال، على أنه استفاد من أرشيف صور آرا الذي ضمّ مئات ألوف الصور عن اسطنبول، توثّق حيوات الناس والمدينة؛ الأحياء، الشوارع، العمارة، المقاهي، الحانات والبارات، المواصلات، العمّال، المهمّشين...، والكثير الكثير من تفاصيل وملامح وحالات المدينة.

وذكر باموك في مقاله السالف الذكر: {قام آرا بتوثيق إسطنبول لأكثر من نصف قرن، حتى عام 2000، وانكببت على دراسة صوره، لأشاهد فيها تطوّر المدينة وتحولها. صداقتي به بدأت عام 2003 عندما طلبت الإطلاع على أرشيفه المكون من 900 ألف صورة لمساعدتي في إتمام روايتي “إسطنبول”، كان آرا قد حول منزله الموروث من والده الصيدلاني في حي غالاتا ساراي المجاور لمنطقة بيوغولو إلى مكان لورش العمل ومكتب للأرشيف. الصور التي أردتها لم تكن تلك التي نشرت والتي كانت معروفة، بل تلك الصور باللونين الأبيض والأسود وهما اللونان اللذان وَصَفت بهما إسطنبول في روايتي، تدرجات اللون الرمادي للحي الذي قضيت فيه طفولتي، والتي كان آرا يمتلك منها أكثر مما توقعت، كَرِه آرا الصور العقيمة، المجردة، إسطنبول السياحية، لقد تلمَّس موضع اهتمامي، ومنحني كامل الوصول لأرشيفه من دون خوف}.

هذا المقال الرثائي والذي ينطوي على ما يشبه العرفان بالجميل المتأخّر، كم كان جميلاً لو قرأه آرا على حياته، بخاصّة أن علاقته مع باموك استمرّت لنحو 15 سنة. هل تخيّل باموك حجم السعادة التي كانت ستحلّ على آرا لو قرأ تلك الأسطر المتأخّرة التي كتبها عن صديقه، بعد موته بشهر ونصف!؟

وإذا عاد النقّاد الأتراك إلى رواية اسطنبول وقارنوا المشاهد الوصفيّة فيها لحيوات المدينة وتفاصيلها، لربما اكتشفوا أن ما كتبه باموك، ليس سوى تفريغ لتفاصيل صور آرا، على الورق، وفق تقنيّة "الكتابة للصورة" أو "عن الصورة" أو "من الصورة"...، الدارجة في العمل الصحافي، المرئي والمقروء. 

والسؤال هنا؛ تلك الخزانة البصريّة الهائلة التي سلّمها آرا لباموك، أو ذلك الكنز البصري الثرّ والهائل والذي لا يقدّر بثمن، الذي منحه آرا لباموك، ألم تشعره بمديونيّة تملي عليه إهداء روايته "اسطبنول" إلى آرا غولر، بحيث يبقى الرجل خالداً إلى الأبد؟! لم يفعل باموك ذلك. ولا أعرف لماذا؟ وعليه أن يجيب؛ لماذا؟! واكتفى بتنويه في مقدّمة الرواية سنة 2009 تفيد بأن الصورة المنشورة في الكتاب تعود لآرا غولر ، في حين أن الرواية صدرت سنة 2008. أمّا هذا المقال الرثائي، فلم يعلن فيه باموك عن اعتذاره من آرا لأنه كان مقصّراً في حقّه، على حياته، وسيبقى مقصّراً، مهما فعل، بعد وفاة آرا الذي يعتبر، دون شك، أحد مصادر الإلهام، وبل الاقتباس، لدى كاتبنا الكبير والعالمي أورهان باموك.

عَنوَن باموك مقاله "أحبُّ صوركَ لأنها جميلة". والأكثر صواباً وإنصافاً لآرا غولر لو قال: "أحبُّ صوركَ لأنها ألهمتني وعرّفتني على اسطنبول" أو: "كم أنا مدين لصوركَ يا آرا غولر".

لم يشأ باموك نفسه، الكشف عن أن أهم مصدر من مصادر الإلهام لديه، أو محفّز التخيّل لديه

أورهان باموك الذي يصنفه الكثير من النقّاد، وهو أيضاً يصنّف نفسه على هذا النحو، على أنه كاتب اسطنبول، وأن كتاباته تعكس روح اسطنبول وتفاصيلها. في حين لم يكن يعرف أحد، قبل قراءتنا مقالة باموك المنشورة في "واشنطن بوست"، أو لم يشأ باموك نفسه، الكشف عن أن أهم مصدر من مصادر الإلهام لديه، أو محفّز التخيّل لديه، هو أرشيف الصور الفوتوغرافية التي وضعها آرا غولر في متناولهِ. بكل تأكيد، قبل حصوله أو عثوره على هذا الأرشيف، كان باموك كاتباً. وبدون هذا الأرشيف أيضاً، كان سيعرف ويشق طريقه نحو الكتابة. لكن الصحيح أيضاً، أن جلّ ما كتبه باموك منذ روايته اسطنبول، أو منذ 2003، آرا غولر أيضاً ضالع فيه، أو له أسهم في هذا الإبداع الـ"باموكي"، عبر عدسته وصوره الفوتوغرافيّة. 

لأن الشيء بالشيء يذكر، لو كان باموك الآن معتقلاً في السجون التركيّة، شأنه شأن الكثير من الكتّاب والمبدعين الأتراك حاليّاً، لكان الكثير من الكتّاب الأتراك وفي العالم أيضاً، استنفروا للتضامن معه، والضغط على الحكومة التركيّة، بغية الإفراج عنه. ولكن، ماذا فعل باموك لزملائه المعتقلين حاليّاً في السجون التركيّة!؟ لا شيء يُذكر. في حين كان عليه أن يستنفر كل الأدباء والمبدعين في العالم للتضامن مع زملاء الكتّاب والمبدعين المسجونين في تركيا، كأحمد آلتان وشقيقه محمد آلتان. ولكنه لم يفعل. وإذا لقي أحمد آلتان، لا سمح الله، حتفه في السجن، ربما يكتب باموك عنه مقالاً، يتحدّث فيه عن علاقته مع آلتان، وأنه كان معجب بمقالاته وأسلوبه في الكتابة! وربما يكون المقال الذي افترضه، في صحيفة أمريكيّة مشهورة، وليس في صحيفة تركيّة.

حاصل القول: آرا غولر، الذي كان يبكي خوفاً على أن يتم اعتقال أورهان باموك، بحسب ما كتبه الأخير في مقاله المذكور أعلاه، سيبقى المعين والمصدر البصري الثرّ الذي يرفد مخيّلة باموك بحيوات اسطنبول. وسيبقى باموك يبخل على آرا بالاعتراف؛ أن رواياته، في جزء منها، مدينة لعين وعدسة آرا غولر.

شارك برأيك

أشهر الوسوم