قَتْلُ صحفي وسَجْنُ مدوّن

قُتِلَ الصحفي جمال خاشقجي منذ عدة أيام من قبل ممثلين عن سلطات بلاده في قنصلية تلك البلاد في مدينة إستنبول. وتميّزت الطريقة التي تم من خلالها تنفيذ الإعدام بحق من خرج نسبياً عن الطاعة العمياء لولي الأمر، بأسلوب عصابات المافيا قليلة الحيلة وشديدة التهوّر، ويكاد يليق بها أن تُشبّه بمغامرات الرسوم المتحركة المسماة بالـ "النمر الوردي" الشهيرة، أو أيضاً إلى إنجازات فيلم المفتش أبيض الشعر في فيلم "المفتش كادجيت". فقد تضاربت أخبار المؤسسة الحاكمة ذاتها حول الطريقة وحول الأسباب من خلال اعترافات مليئة بالعجائب من التفسيرات والسوريالي من المبررات. لم يكن "أطرفها" الحديث المسنود عن فتح نقاش هادئ وسلمي من قبل فريق مكون من 15 فرداً فقط لا غير مع صحفي مسن، والذي رفض العرض الحضاري وفضّل الصراخ على لغة الحوار البنّاء، مما دعا إلى اضطرار "محاوريه" للقيام بمحاولة وديعة لإغلاق فمه، مما أدى إلى موته اختناقاً. ولم يكن أكثرها "حنكة" أن يخفى على بال أو نظر أو علم أو معرفة هذا الفريق الأمني شديد الذكاء بأن الرقابة التلفزيونية صارت شيئاً طبيعياً في أغلب المدن المتطورة وإستنبول منها مهما رفض الاعتراف بذلك أعداء السيد أردوغان الذين يخلطون بلداً بحاكمه، فإن اختلفوا معه سهلت شيطنته وصار متاحاً ابتذال الحديث عن بلده، أما إن اتفقوا معه، فصار لهم الإله المرشد وصار بلده جنة عدن على الأرض.

الفريق الأمني السعودي تم تصويره منذ أن حطّت طائرته في مدرج مطار أتاتورك حتى مغادرته تركيا. ليس فقط

هذا الغباء الأمني حقيقياً وله أسسه البنيوية أم أنه يستند إلى جرعة ثقة زائدة بالمال القادر على شراء كل ما يقف عقبة في طريق أولياء الأمر؟ أم أنه "غباءٌ" مقصود به إيقاع مجموعة محددة من أصحاب القرار

في الأماكن الرسمية كالمطار والقنصلية، وإنما في مختلف حلّه وترحاله في شوارع المدينة. ومن المؤكد بأن التسريبات المتقطعة وبطريقة التنقيط للسقاية التي تخرج عن السلطات التركية عبر وسائل إعلام مقرّبة منها، تستند إلى أدلة ممسكٌ بها دون أي هامش للشك أو للتردد.

ويكاد المراقب أن يتساءل إن كان هذا الغباء الأمني حقيقياً وله أسسه البنيوية أم أنه يستند إلى جرعة ثقة زائدة بالمال القادر على شراء كل ما يقف عقبة في طريق أولياء الأمر؟ أم أنه "غباءٌ" مقصود به إيقاع مجموعة محددة من أصحاب القرار ـ ولربما ارتفع شأنهم كثيراً ـ من خلال اتهامهم بالقيام بمثل هذه الجريمة الموصوفة حتى درجة الملل من التفاصيل؟ كلها أسئلة ستجد إجاباتها لاحقاً ولا شك في أنها ستملئ الصحف والمجلات والمحطات التلفزية بالثري من المادة والتي ستطيح بما سواها من أخبار مهما كانت مهمة.

اليوم، وبعد اعتراف أصحاب السلطة المعنية بالجريمة التي ارتكبها مأموروهم وليسوا هم (...)، يتمنى المهتم أن يتوجه إلى "قامات" صحفية، لطالما اعتُبِرَت مدرسة في الأسلوب ولو لم يتم الاتفاق مع توجهاتها السياسية في العموم، بالسؤال عن المسوّغ الذي سيخرجون به على العامة لتبرير انخراطهم في جوقة الكذب والنفي كما اختراع السيناريوهات التي عجز عنها فرانتز كافكا طوال أيام. إنها لقمة العيش بالتأكيد، ولكنها في هذه الحالة مغمّسة بدماء شهيد رأي وزميل مهنة ربما يكونون نفسهم على طريقه عاجلاً أم آجلاً. ولقمة العيش هذه، تخلّى عنها، بكل شرف وشجاعة، الكاتب الصحفي ربعي المدهون مستقيلاً البارحة من عمله في وسيلة إعلام تابعة لمن أمر بقتل زميله، مشيراً إلى أن مقتل الخاشقجي "كان صادما. كان مفزعا، مرعبا، موجعا، مفجعا، مؤلما، بشعا (...)".

لا يمكن أن تُنْتَقَدُ الحاجة، والتي هي ليست فقط أم الاختراع بل أم العيش أيضاً، فكلنا محتاجون على نسب مختلفة،

على المؤمنين بقضية الحرية أن يستيقظوا إثر هذه الجريمة النكراء ليتذكّروا رائف بدوي وهو المدون السعودي المعتقل منذ 2012، والمنسي من قبل أقرانه

ولكن الإغراق في الإطناب وفي التبرير وفي التمسيد وفي التمجّد، وخصوصاً في حالة قتل موصوف، يكاد يقول لمن يتبناها أن ارموا بي في سلة مهملات المهنة.

سيخرج أحدهم ليقول بأن جُلّ صغار الكسبة ومكسوري القلم هؤلاء دعم كتابةً وموقفاً حَراكَ الحرية في بلدك، ولن تتأخر ابتسامتي رغم الألم، بأن تُعبّر عن استهزائها من هذا الدعم ومن صاحبه لأن دعم الحق لا يبزّ الزواج من الباطل. وقضية الحرية تحتاج لأن يتبناها من يؤمن بالحرية له ولغيره وليس من يقفز عليها ويستغلّها ويوظّفها ويغتصبها ليرميها عارية على قارعة طريق العنف والموت.

على المؤمنين بقضية الحرية أن يستيقظوا إثر هذه الجريمة النكراء ليتذكّروا رائف بدوي وهو المدون السعودي المعتقل منذ 2012، والمنسي من قبل أقرانه. وهو الذي لا يأتي على ذكره إلا المنظمات الأجنبية المدافعة عن حرية التعبير. بدوي يُمضي أياماً حالكة الظلمة في معتقلات من أمر بقتل الخاشقجي. وتقتصر جريمته على التعبير، بشيء من الحرية المقيّدة، عن تطلعات شباب هذه البلاد التي إن أُخمِدَ صوتها اليوم فلا بد أن يتفجّر يوماً بطرائق عدة لن ينفع حينها الندم. فليكسر موت جمال خاشقجي الذي آمن، رغم كل الدعاية المشوَّهة والمشوِّهة، بالديمقراطية وبحرية التعبير، جدار الصمت عن وضع رائف بدوي الشاب الذي، إن قُيّض له العيش، فسيحمل بالتأكيد راية الحرية التي لطالما تمنى الخاشقجي أن يسلمها له باليد وبالقلب.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم