قضية المعتقلين في سوريا.. إلى أين؟

الصورة (إنترنت)

لم تعد قضية المعتقلين في سجون نظام الأسد، من القضايا التي يمكن إخفاؤها أو الالتفاف عليها، أو تجاوزها، وذلك على الرغم من جميع محاولات النظام الرامية إلى الإنكار تارةً، وإلى التجاهل تارةً أخرى، وكذلك على الرغم من التهاون والتقاعس الكبيرين اللذين يبديهما المجتمع الدولي حيال هذه القضية، ولعل أهم العوامل التي لا تتيح للنظام الاحتيال على هذه القضية هو تجذّر ظاهرة الاعتقال في تاريخ حكم آل الأسد، حتى باتت أبرز سمات البنية الأمنية للنظام، بل هي من أعتى وسائل الردع التي كانت تمارسها السلطة في مقاومة خصومها السياسيين، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة وحتى هذه اللحظة، الأمر الذي أفضى إلى كمّ هائل من الوثائق التي تجسّد قرائن دالّة على أعداد كبيرة جداً من المواطنين السوريين والفلسطينيين واللبنانيين، أقدم النظام على اعتقالهم، ومارس بحقهم ممارسات هي غاية في الإجرام، ولعلّ من أشدّ تلك الوثائق مصداقية هي ما قدّمه النظام ذاته حين بادر إلى إبلاغ المئات من ذوي المعتقلين، من خلال دوائر السجلّ المدني، بوفاة أبنائهم أو آبائهم، وذلك دون أن يكشف عن جثامينهم أين هي، ولماذا تم إخفاء تلك الجثامين، وبأية طريقة تم إخفاؤها؟

إن الفترة التي كانت أكثر عنفاً ودمويةً في سوريا، من الشطر الأول لحكم آل الأسد، كانت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات

ولكن على الرغم من وفرة الوثائق والشهادات التي تحايث ملف المعتقلين في سوريا، فإن ثمة فجوات عديدة ومعقدة، مازالت تضفي كثيرا من الغموض، ولا تتيح الكشف عن مجمل الحقائق المتعلقة بقضايا الاعتقال، ولتوضيح بعض هذه الفجوات أو المعيقات يمكن الإشارة إلى مسألتين اثنتين:

الأولى: إن الفترة التي كانت أكثر عنفاً ودمويةً في سوريا، من الشطر الأول لحكم آل الأسد، كانت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات، ثم امتدت بوتيرة أقل عنفاً حتى نهاية التسعينيات، وخلال تلك الفترة التي بلغت ثلاثة عقود من الزمن، أقدمت السلطة السورية على اعتقال الآلاف من السوريين وغير السوريين، وبخاصة في أعقاب المواجهة الدامية بين تنظيم الإخوان المسلمين والنظام، وخلال تلك الفترة أيضاً تم استحداث سجون عديدة للمعتقلين السياسيين، لعل أبرزها وأكثرها وحشيةً سجن تدمر، الذي قضى فيه عدد كبير لا يمكن حصره من السجناء، سواء من خلال تنفيذ حكم الإعدام بحق قسم من السجناء، وخاصة من الإسلاميين، أو من خلال التصفيات الجسدية وممارسات التعذيب الممنهج الذي كانت تقرّه وتصادق عليه السلطات الأمنية العليا للنظام. وفي موازاة هذه الحالة المرعبة كان ثمة شبه غياب كامل لأي جهد أو نشاط حقوقي وتوثيقي لما يجري سواء داخل السجون أو في فروع الأجهزة الأمنية، وذلك لأسباب عديدة، لعلّ أهمها حالة الخوف والملاحقة الأمنية لأي مسعى من هذا النوع، بل إن العقاب الذي طال بعض الناشطين الحقوقيين آنذاك لم يكن بأقل من العقاب الذي يطال المعتقلين ذاتهم، فضلاً عن غياب ثقافة التوثيق كنشاط مدني أو مجتمعي، وما تم تسجيله أو الاحتفاظ به من توثيقات تطال تلك المرحلة يمكن حصره في جانبين، الأول: ذو مصدر حزبي، أي إن أحزاب المعارضة التي استهدفتها السلطة آنذاك، كانت تقوم بإبلاغ بعض الجهات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان عن عدد معتقليها وأسماء السجون أو المعتقلات التي يمكثون بها، وكذلك بالإبلاغ عن مجمل الانتهاكات التي تُمارس بحقهم. الثاني: جهود شبه فردية لأشخاص أو جمعيات أو هيئات، تعمل في السرّ، تحاشياً لبطش السلطة، وطبيعي في هذه الحالة، أن يكون عملها مشوباً بالكثير الثغرات نتيجة التضييق والملاحقة لكافة نشطاء الشأن العام. أضف إلى ذلك أن مجمل الجهد التوثيقي الذي تم إنجازه في تلك المرحلة وتداولته وسائل الإعلام، إنما كان يطال بعض الشخصيات المعروفة، أو الأكثر شهرةً في أوساط المعارضة السورية، أما السواد الأعظم من المعتقلين فكانوا في عتمة محكمة السواد.

الثانية: الطور الزمني التالي لآذار 2011، وهي المرحلة التي مازالت تشهد حرباً ضروساً يشنها نظام الأسد وحلفاؤه المحليون والخارجيون على الشعب السوري، وعلى الرغم من دموية هذه المرحلة وارتفاع حصيلة الموت والدمار فيها، إلّا أن منسوب الخوف كان أكثر انخفاضاً من المرحلة الأولى، وذلك بفضل المُنجز الأهم للثورة، والمتمثل بتحطيم السوريين لحاجز الخوف الذي تحصّن به النظام لعقود من الزمن.

إن انحسار سلطة الأسد عن مساحات واسعة من الجغرافية السورية فيما بين 2013 - 2017، وافتضاح  بنية السلطات والكيانات المخابراتية للنظام، واستمرار السوريين في مقارعة قوى النظام وحلفائه، جميع هذه العوامل قد أسهمت في ولادة وعي جديد يقضي بضرورة توثيق كافة أشكال الانتهاكات التي يقوم بها النظام وسواه بحق السوريين، وبالفعل كان ثمة جهد واضح قامت به العديد من الجهات التي اتخذت مسميات شتى، تمثل في تعقب ما أمكن تعقبه من حالات إنسانية، سواء بتوثيق حالات الاعتقال أو الموت أو الاختفاء  القسري أو التهجير...إلخ، إلّا أن هذه الجهود – على الرغم من أهميتها – ظلت، وما زالت محكومة بعدة مثالب، يمكن إيجاز أبرزها بعدم انتظامها تحت مظلة تنظيمية أو إدارية واحدة، وافتقارها إلى التنسيق فيما بينها، وكذلك تبعية بعضها لجهات ممولة، ما يجعل جهدها محكوماً بأجندات الجهات الممولة ذاتها. إلّا أن الجانب الأكثر خطورة وأهمية بالنسبة إلى قضية المعتقلين في هذه المرحلة هو إلحاقها بالمسارات التفاوضية السياسية، وخضوعها لموازين القوى العسكرية والسياسية أثناء المفاوضات، في حين أن قضية المعتقلين – كقضية إنسانية – ينبغي أن تكون فوق تفاوضية، وهذا ما نصّت عليه البنود (12 – 13 – 14 ) من القرار الأممي ( 2254 )، بل يمكن القول بمزيد من الأسف والمرارة: إن انعقاد أكثر من اثني عشر لقاء تفاوضيا في جنيف، وثلاثة عشر لقاء في أستانا، لم تفلح في إنجاز أي خطوة متقدمة في ملف المعتقلين، باستثناء بعض العمليات الصغيرة التي كان يتم فيها تبادل لبعض الأسرى بين قوات النظام والمعارضة بموجب تفاهمات أستانا، ويمكن حصرها بالآتي:

كان من الممكن أن يكون ملف المعتقلين من أهم عوامل القوة الداعمة للمسار السياسي، لو أن وفود التفاوض للمعارضة السورية امتلكت زمام قرارها الوطني

1-بتاريخ 10 – 10 – 2018 أفرج النظام عن عشرة محتجزين، مقابل عشرة معتقلين لدى الفصائل العسكرية.

2بتاريخ 12 – شباط 2019 أفرج النظام عن إحدى عشرة امرأة مقابل تسعة أشخاص أفرجت عنهم فصائل المعارضة.

3بتاريخ 22 – 4 – 2019 واستباقاً للقاء أستانا 12 ، تبادل الطرفان، النظام والمعارضة، إطلاق كل منهما سراح تسعة أشخاص.

وإذا ما علمنا أن أعداد المعتقلين لدى نظام الأسد تجاوزت ( 600000 ) معتقل ومعتقلة، ندرك من دون أدنى ريب، أن تعاطي وفود المعارضة السورية مع قضية المعتقلين بهذه الطريقة، ليس تفريطاً بقضية هي من أهم قضايا السوريين فحسب، بل انتقاص كبير واستهتار بكرامة المعتقلين وذويهم.

كان من الممكن أن يكون ملف المعتقلين من أهم عوامل القوة الداعمة للمسار السياسي، لو أن وفود التفاوض للمعارضة السورية امتلكت زمام قرارها الوطني، وجعلت المصلحة الوطنية للسوريين أولوية لها، ورفضت المضي بأي خطوة تفاوضية قبل أن يلتزم النظام وحلفاؤه بتنفيذ ما هو فوق تفاوضي، كإجراءات تبادل الثقة كما يسمونها، إلّا أن تجاوز مساري جنيف وأستانا لهذه المسألة، وقدرة بوتين على اختزال القضية السورية برمتها بتشكيل لجنة دستورية لا أحد يستطيع التنبؤ بمنجزها المفترض، جعل من قضية المعتقلين لدى وفود التفاوض ليست أكثر من مادة للاستهلاك الإعلامي، يستثمرها كل من الائتلاف وهيئة التفاوض ووفد أستانا، دون أن يمتلكوا المقوّمات الحقيقية للدفاع عنها.

وتزامناً مع انعدام أي جهد وطني رسمي يوازي أهمية قضية المعتقلين في سوريا، فإنه لا يمكن إغفال جهود جبارة تبذلها أطراف وطنية سورية، منها منظمات حقوقية وإنسانية، ومنها جهود لأفراد ونشطاء حقوقيين، وقد تمثلت تلك الجهود بجمع العديد من الوثائق، ورفع دعوات قضائية أمام المحاكم العالمية ، بحق العديد من كيانات النظام وأزلامه، كما ساهمت تلك الجهود أيّما إسهام بالكشف عن الوجه الإجرامي لنظام الأسد أمام الرأي العام العالمي، ولعله بات من الضروري جداً، التأسيس على تلك الجهود، لجعلها نواة لكيانات أكثر تنظيماً، وهذا ما يستوجب شطراً آخر من الحديث، تضيق به هذه المقالة.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم