قبر بملايين الليرات.. كيف يدفن سكان دمشق موتاهم؟

مقبر الباب الصغير في دمشق (إنترنت)
هاني العبد الله - تلفزيون سوريا

"بات السوري يموت مرتين، مرة في الحرب، ومرة لتأمين قبرٍ له أو لذويه"، هكذا يصف أبو غيث من سكان حي العمارة بدمشق الحال الذي وصل إليه السوريون، بعد الارتفاع الكبير في أسعار القبور وتكاليف الدفن والعزاء، بحيث تحوّل الموت إلى تجارة بيد ضعاف النفوس، ما دفع السكان للتفتيش عن حلولٍ بديلةٍ، بعدما أصبح إيجاد مكان لدفن الموتى في دمشق أصعب من تأمين مكان يأوي الأحياء.

مع تصاعد الحرب في سوريا زادت حالات الوفيات، ما تسبّب في اكتظاظ المقابر، ولا سيما في دمشق التي شهدت مقابرها اختناقاً شديداً، ما تسبّب في ارتفاع أسعار القبور لأرقامٍ خياليةٍ، فضلاً عن اصدار النظام سلسلةً من الإجراءات التي زادت معاناة أهالي دمشق والنازحين المقيمين فيها.

يمتلك أهالي دمشق منذ عقودٍ من الزمن قبوراً دُفن فيها أجدادهم وآباؤهم، حيث يتوارث الأبناء والأحفاد القبر ليتم الدفن فيه وفق عدة إجراءات والتي تحدث عنها أبو غيث قائلاً: "عقب وفاة الشخص، يجب على ذويه الحصول على شهادة وفاة توضّح سبب الوفاة من المشفى أو من الطبيب، ومن ثم يتم مراجعة مكتب دفن الموتى بمحافظة دمشق التابعة للنظام، الذي يمتلك سجلات القبور الموجودة في العاصمة، فكل قبر له رقم يُوضّح صاحب الملكية ومن آخر شخص دُفن فيه".

وأضاف أبو غيث لموقع تلفزيون سوريا "يقدم ذوي المتوفى إخراج قيد يُوضّح صلة القرابة به، وهنا يتأكد مكتب دفن الموتى أن الفقيد هو من الأصول التابعة لورثة القبر، أي الأب أو الأم أو الأخ أو الابن، وأن آخر شخص دُفن في القبر مضى على دفنه أكثر من خمس سنوات، مع العلم أنه كان يجب مضي عشر سنوات سابقاً حتى يُسمح بدفن شخص آخر في القبر، لكن تم تخفيض المدة بسبب الاختناق الشديد في مقابر دمشق خلال السنوات الماضية".

وأشار أبو غيث الى أنه "بعد التأكد من ملكية القبر ومدة آخر شخص دُفن فيه، يقوم مكتب دفن الموتى بإعطاء تصريح بالدفن عقب تسديد الرسوم إليه، والتي تتراوح ما بين 35 الى 50 ألف ليرة سورية، وتشمل تكاليف تغسيل المتوفى وتكفينه ونقله بسيارة دفن الموتى إلى الجامع للصلاة عليه ومن ثم إلى القبر لدفنه عبر حفّار تابع للمكتب، والذي يقوم بفتح القبر وإخراج رفات المتوفى السابق ووضعها ضمن حفرة جانبية في القبر وردمها بالتراب، ومن ثم وضع جثة المتوفى الجديد".

 

"تجّار الموت"

تضاؤل أعداد القبور المتوفرة في دمشق، شجّع بعض ضعاف النفوس لاستغلال حاجة السكان والنازحين لتأمين قبر داخل المدينة، لتتحوّل المقابر إلى تجارة رائجة تدر الأموال عليهم، بعد أن وصلت أسعار بعض القبور الى أرقامٍ مرتفعةٍ تجاوزت أسعار البيوت.

وقال الناشط الإعلامي زياد الشامي لموقع تلفزيون سوريا: إن "النظام ضيّق على السوريين حتى في الموت، واتخذ عدة إجراءات لتحقيق المكاسب، لذلك أصدر قراراً مطلع عام 2018 بمنع الاستضافة في القبر للغرباء والذي كان متاحاً سابقاً، وحصر الأمر في الموتى الذين يحملون نفس كنية العائلة (الأصول والفروع)، وذلك كي يدفع الناس لشراء القبور التي تقع ضمن ملكية محافظة دمشق، حيث يتراوح سعر القبر في مقبرة الدحداح وسط العاصمة ما بين 7-10 ملايين ليرة سورية، في حين يصل سعر القبر في مقبرة باب الصغير ما بين 2-5 مليون ليرة، علماً أن المحافظة تدّعي أن المبلغ الذي تحصل عليه ثمن القبر هو تحت بند تبرع للمسلمين".

أما في باقي المقابر المعروفة ضمن دمشق فيبلغ سعر القبر الواحد في مقبرة الشيخ رسلان في باب شرقي قرابة مليونين و800 ألف ليرة، ومقبرة المزة في الشيخ سعد يصل سعر القبر الى مليون و800 ألف ليرة، ويختلف سعر القبر حسب موقعه وقربه من باب المقبرة أو ساقية المياه، أو مدى تجهيزه ونوعية الرخام فيه، ووجود سجل عقاري للقبر (طابو).

استغل بعض الأشخاص من ذوي المُستضافين في بعض المقابر، وجود أصحابه خارج سوري، وقاموا بنقل ملكية القبر لاسمهم عبر تزوير أوراق الملكية، وكان سابقاً يمكن للورثة الشرعيين للقبر، أن يستضيفون ميتاً في قبر مورثهم، حيث يحضر إلى مكتب دفن الموتى وريثان شرعيان لا يكونان أخوين، ويُوقّعا على تصريح استضافة لمتوفى في قبر مورثهم، وبعد خمس سنوات تعود أحقية القبر إليهم ولا ينتقل حق الدفن إلى ورثة المتوفى المستضاف.

وأوضح زياد الشامي أن "حارس المقبرة لديه أرقام كل قبر ومن مالكه، ويعلم القبور التي يتم زيارتها من ذوي المتوفى بشكل دوري، والقبور التي تم هجرها، وهنا يقوم بالاستيلاء على القبر بالتعاون مع بعض السماسرة والموظفين في مكتب دفن الموتى ومحافظة دمشق، حيث يتم تزوير وثيقة ملكية القبر، ليتم اعادة بيعه بأسعارٍ خياليةٍ تصل الى 7 ملايين ليرة".

كما أصدرت "محافظة دمشق" قراراً يسمح بإنشاء قبور طابقية على أن لا تزيد عن ثلاثة طوابق في القبر الواحد، وأصدرت لائحة تضمنت أسعار القبور الطابقية، وتم تحديد قيمة بدل تنفيذ طابقين في مقبرة الدحداح بـ 275 ألف ليرة سورية، وفي مقبرة باب الصغير بـ 150 ألف ليرة، أما في مقابر الميدان (الحقلة- والجورة- والبوابة) فحُدّد بدل تنفيذ طابقين بـ 125 ألف، وفي مقابر كفر سوسة والمزة والقابون وبرزة وجوبر والقدم والشيخ رسلان بـ100 ألف، وبـ 60 ألف ليرة في مقابر ركن الدين والمهاجرين.

وأفاد أحد سكان دمشق فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية، أن "النظام أصدر قرار بإنشاء القبور الطابقية دون أن يحصل على أي فتوى شرعية بذلك رغم حساسية وخطورة الموضوع، كما أن إصدار المحافظة لائحة بأسعار القبور الطابقية هو نوع من الاحتيال، فتلك القبور لها أصحاب دفعوا ثمن شرائها لأول مرة، وليس من حق المحافظة أن تتقاضى بدلاً نقدياً عن القبر الطابقي، طالما أن صاحب القبر الأساسي دفع ثمن القبر مسبقاً".

وأضاف أنه "يمكن استغلال فكرة القبور الطابقية لجني الأموال، فقد يعمد صاحب القبر لبيع الطابق الثاني والثالث الذي قام بإنشائه بالتواطئ مع حارس المقبرة لأي شخص غريب، رغم تعهد صاحب القبر بعدم التنازل أو البيع إلا للأقارب، أو يمكن أن يقوم حارس المقبرة بالتعاون مع سماسرة النظام بفتح قبر مهجور وانشاء طوابق فيه، وبالتالي جني أرباح هائلة عبر بيع كل طابق بسعر القبر الأساسي".

انتهاكات النظام في مسألة القبور لم تقتصر على ذلك، حيث تداولت صفحات موالية على مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن مصادرة مكتب الدفن في دمشق بعض القبور، بحجة عدم امتلاك أصحابها الوثائق الكافية لملكيتها، اضافةً إلى قيام المكتب بالتعاون مع المحافظة بقطع بعض الأشجار وازالة سواقي مياه لبناء قبور مكانها ولا سيما في مقبرتي الدحداح وباب الصغير، فضلاً عن رفض مكتب دفن الموتى في بعض الأحيان اكمال اجراءات الدفن إلا لحين تقديم الوثائق بأن هذه الوفية تربطها علاقة إرثية بصاحب القبر.

كما باتت المكاتب العقارية تعمل في بيع وشراء القبور، وقال صاحب مكتب عقاري في جرمانا فضّل عدم ذكر اسمه: "أصبحت تجارة القبور مثل تجارة العقارات، وفي ظل تزايد الطلب على القبور، تواصل معي أشخاص ولا سيما الموجودين في الخارج، وقاموا بتوكيلي لبيع قبور خاصة لهم، وأصبحت أتقاضى 5% من ثمن القبر الذي يتم بيعه، فضلاً عن لجوء بعض الأشخاص لتأجير القبر بمبلغ لا يقل عن 300 ألف ليرة سنوياً".

وتعتبر عملية بيع القبور غير قانونية، لذلك يعمد أصحابها إلى الاتفاق مع الزبون على سعر القبر ويتم دفع المبلغ للبائع، ومن ثم يذهب الأخير للمحكمة للتنازل عن القبر للمشتري على أساس أنه تبرع به ولم يتقاضى منه أي مبلغ، وبالتالي يحصل على حكم قضائي، عندها يمكن للمشتري نقل الملكية له في المحافظة.

 

"مقبرة النازحين والفقراء"

في ظل الضغط الكبير على مقابر دمشق، اتجهت الأنظار إلى مقبرة نجها في منطقة الحسينية بريف دمشق والتي تبعد 13كم عن مركز العاصمة، وتتسع المقبرة لقرابة 42 ألف قبر، أقل من ثلاثة آلاف منها فارغة بحسب إحصائيات مكتب دفن الموتى لعام 2016، وتحوّلت نجها إلى مقبرة للفقراء والنازحين المقيمين في مدينة دمشق، نظراً لانخفاض أسعار القبور فيها مقارنةً بالأسعار الباهظة في مقابر دمشق.

وقال أبو حسين نازح من دير الزور مقيم في دويلعة: "أغلب السكان ليس لديهم القدرة على دفع مبالغ كبيرة لدفن موتاهم في مقابر دمشق، والتي لا يقل سعر القبر فيها عن مليون ليرة، لذلك اتجه أغلب الفقراء والنازحين لمقبرة نجها التي يصل فيها سعر القبر من 60 إلى 70 ألف ليرة، وهذا المبلغ يعتبر أفضل بكثير من دفع مليون ليرة أو أكثر".

وأضاف أبو حسين أن "أهالي دمشق الأصليين يُصرّون على دفن موتاهم في مقابر المدينة، كجزء من التقاليد التي تمسكوا بها، ويعتبرون أن دفن المتوفى خارج أسوار العاصمة بمثابة اهانة له، لذا يضطرون لدفع تلك المبالغ الضخمة للحفاظ على العادات والتقاليد وعدم الخروج عن الموروث، بينما باتت مقبرة نجها تضم خليطاً من النازحين، إضافةً إلى الفقراء الذين بالكاد يمكنهم تأمين لقمة العيش".

طقوس تلاشت

ظروف الحرب خلال السنوات الثمان الماضية أرخت بظلالها حتى على الطقوس المرافقة لمراسم الدفن والعزاء، وقال أبو غيث: إن "سوء الظروف الاقتصادية لدى السكان دفعهم الى تغيير كثيرٍ من الطقوس، ففي السابق كان يتم دفن المتوفى وثم تقبل التعازي في المقبرة، وعقب ذلك يتم دعوة المعزّين لوليمة غداء تسمى (فتح تم)، إلا أن أغلب أهل دمشق ألغوا تلك العادة، بعد أن أصبحت الوليمة باهظة الثمن، كونها تتضمن صفيحة ولحم بعجين وأوزي وحلويات، وباتت تكلّف ما بين 200-400 ألف ليرة سورية حسب نوعية الطعام المقدّم وعدد الحاضرين، إضافةً إلى لجوء الكثيرين لنشر خبر الوفاة على مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من طباعة النعاوي التي أصبحت مكلفة أيضاً". 

وأضاف أبو غيث أنه "في الأيام الثلاثة التي تلي يوم الدفن، يحضر الأشخاص لتقديم التعازي، والذين كان يتم استقبالهم في صالة خاصة للعزاء يتم استئجارها، إلا أن أغلب الأهالي لم يعد لديهم القدرة على ذلك، فاستئجار صالة الأنس في منطقة ركن الدين على سبيل المثال يُكلّف 500 ألف ليرة في اليوم، وصالة جامع الحسن في أبو رمانة تكلّف مليون ليرة، وبالتالي اقتصر الناس على تلقي العزاء في منزلٍ كبيرٍ للعائلة، حيث يقومون بتشغيل القرآن عبر مكبر صوت ويتولى بعض شبان العائلة تقديم القهوة، ومن لديه بعض المال يتفق مع شيخ لتلاوة القرآن وعمال لتقديم القهوة للحضور، بتكلفة تصل لــ 200 ألف ليرة على الأقل خلال ثلاثة أيام".    

يذكر أن مدينة دمشق تضم 33 مقبرة تحتوي على حوالي 130 ألف قبر، والتي امتلأت معظمها ولاسيما المقابر وسط دمشق كمقبرة الدحداح وباب الصغير والمزة، فضلاً عن اقتصار أوقات الزيارات خلال فترتي الظهر والعصر فقط، بعدما كانت سابقاً متاحة طوال اليوم.

 

كلمات مفتاحية

شارك برأيك

أشهر الوسوم