قانون القومية: كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟

الكنيست الإسرائيلي يصادق على قانون القومية (إنترنت)
موقع عرب 48 - د.عزمي بشارة

قُدّم "قانون القومية"، الذي أقرّه الكنيست في القراءة الثالثة يوم 19 تموز/يوليو 2018، بدايةً في العام 2011، ما يعني أنه "تجوّل" في الأروقة الحزبية والبرلمانية، ونوقش طوال سبع سنوات، وأُدخلت عليه تعديلات، غير جوهرية غالبًا. وتناولته وسائل الإعلام الإسرائيلية ومؤسسات حقوق الإنسان، وعلّق عليه أساتذة القانون، فضلًا عن نواب البرلمان، عدة مرات خلال هذه الفترة. كانت مبادرة تقديم القانون من النائب عن حزب كاديما آفي ديختر الذي شغل في الماضي منصب رئيس الشاباك، وانضمت إليه ثلةٌ من أحزاب اليمين. لكن القانون في النهاية مرّ بعد أن تبنّاه بنيامين نتنياهو شخصيًا بالتحالف مع نفتالي بينيت، رئيس حزب البيت اليهودي، الذي يُمثل تيارًا قوميًا دينيًا، في المجتمع والكنيست، يضع مسألة يهودية الدولة وتجدّد المشروع الصهيوني في سياق استيطاني، كما يضع "مهمات قومية" مثل هذا النوع من التشريعات على رأس جدول أعماله. وتنتمي إلى هذا الحزب أيضًا أييليت شكد، وزيرة القضاء المتطرفة، المبادرة بمبادرتها إلى مثل هذه التشريعات؛ إذ قدمت بنفسها اقتراحًا لـ "قانون القومية". وفي النهاية وُحّدت اقتراحات القانون، وسُنَّ بعد التعديلات.

سوف أتطرق في هذه المقالة إلى الصيغة النهائية لهذا القانون وخلفياته، ولن أتعامل مع جميع الصيغ المقترحة التي "لُطِّفَت" في الصيغة الأخيرة لتمويه المكونات العنصرية؛ وذلك لاعتبارات يتعلق أغلبها بالسمعة الدولية، أو للالتفاف على المآخذ القانونية؛ من أجل إرضاء جهاز القضاء الإسرائيلي والمستشار القضائي للحكومة. ومع أن الصيغ تغيّرت مع الوقت بشكل طفيف، فإن الخلفية والدوافع بقيت ذاتها، بلا شك، وظل أصحاب الاقتراح بغاياتهم وأهدافهم هم أنفسهم أيضًا.

أولًا: ملاحظات عامة

تكفي نظرة أولى إلى القانون لتبين أنه، خلافًا لبقية "قوانين الأساس" - أي القوانين الدستورية بحسب التسمية الإسرائيلية، والتي يُفترض أن يشكل مجموعها نوعًا من الدستور أو الإعداد له - لا يشتمل على التعبير الذي تُستَهلّ به جميع تلك القوانين، وهو "إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية". فكلمة "ديمقراطية" لا تظهر في هذا القانون إطلاقًا؛ إذ إنّ أصحابه ومتبنّيه قرروا التركيز على الجوهر اليهودي للدولة حصرًا، والتخلي عن العبارة المركبة "يهودية وديمقراطية"؛ لغاية واضحة ومعلنة ممثلة بالتصدي لما اعتبروه "إخلال المحكمة العليا بالتوازن" بين المركّبين: اليهودية والديمقراطية، لصالح الديمقراطية. فبحسب رأي مُعدّي القانون ومؤيديه، جرى في كثير من الحالات تفضيل المبادئ الديمقراطية، ولا سيما الحقوق الفردية للمواطنين، على الجوهر اليهودي للدولة، وخصوصًا في بعض قرارات المحكمة العليا التي سمحت، لمواطن عربي، مثلًا، بشراء بيت في مستوطنة يهودية مغلقة، أو التي سمحت لأحزاب عربية بخوض الانتخابات، رغم أنها تدعو إلى أن تكون إسرائيل دولة لجميع مواطنيها. فتفسير المحكمة للمس بيهودية الدولة كان تفسيرًا ضيقًا جدًا، وكان ينحصر في ارتكاب فعل ملموس ضد وجودها. ولم تكتفِ المحكمة، مثلًا، بالمطالبة بدولة المواطنين، لتعتبر أن مَن يقوم بذلك يخرق قانونًا أساسًا. وقد أكّد المبادرون في عدّة تصريحات، وكذلك في تبريرهم للقانون، أنهم يريدون تضييق الهامش على الجهاز القضائي؛ بحيث تخضع الديمقراطية لليهودية، وليس العكس. والحقيقة أنهم أرادوا ترجمة التوازن المختل أصلًا ضد الديمقراطية في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعاش إلى قانون. وهكذا يعكس القانون الواقع المختل ضد الديمقراطية ويكرسه؛ إذ يرسيه في قانون، ويمنع أي تدخل قضائي فيه. ولذا نجد أن كلمة "ديمقراطية" لا تَرِد في نص هذا القانون. وفي رأيي، يعتقد جميع أصحاب هذا القانون ومؤيدوه أن دولة إسرائيل في جوهرها دولة يهودية، وفي طابعها فقط ديمقراطية. والطابع متغير بالتأكيد خلافًا للجوهر، ويجب أن يخضع لهذا الجوهر، أو ما يُمكن اعتباره "الرسالة الصهيونية الأبدية" لدولة إسرائيل، وهدف قيامها.

وبحسب بعض الكُتّاب اليمينيين في الصحافة الإسرائيلية، تردد نتنياهو، أو على الأقل اتهمه هؤلاء بالتردد وعدم الحسم لصالح سَنّ القانون؛ خشيةً من الإضرار بصورة إسرائيل في الغرب. وتردّدت مقولات كثيرة مفادها أن الجاليات اليهودية في الغرب، والتي يُفترض أن القانون جاء ليخدمها، تحفظت عن القانون في اتصالاتها الداخلية مع القيادات الإسرائيلية؛ وذلك خشية ظهور الدولة التي تتعاطف تلك الجاليات معها وتدعمها بوصفها دولة عنصرية تميّز ضد الأقليات، على حد تعبيرها. ويبدو لي أنه إذا صحّ الكلام عن تردد نتنياهو وغيره من ممثلي اليمين الأكثر براغماتيةً، فإن تجاوز هذا التردد أصبح مُمكنًا أولًا بسبب الأجواء الإقليمية والدولية. وأقصد بذلك الصعود الملحوظ لخطاب القومية الشعبوية اليمينية في أوروبا، وذلك الخطاب المماثل والأكثر وزنًا وأهميةً الذي تمثله إدارة دونالد ترامب، والذي أحدث انعطافة في انقسام المواقف في الغرب بتحويله اللاجئ أو المهاجر أو المسلم، أو غيره، ضد "الآخر"، وبالتشديد على الانغلاق الداخلي ورهاب الأجانب وغيره. ويبدو أن نتنياهو يرى أن مثل هذا القانون لا يُعتبر استثناءً صارخًا في مثل هذه الأجواء الدولية. أما العامل الثاني المتعلق بتوقيت التشريع بعد سبع سنوات من طرح القانون، فهو التآكل في الموقف العربي من عناصر رئيسة في قضية فلسطين والصراع مع الصهيونية، وتهاون دول عربية مع مثل هذه التشريعات والممارسات الإسرائيلية.

وقد أكد معارضو القانون ومؤيدوه أن عناصر القانون الرئيسة موجودة فيما يسمى وثيقة الاستقلال، مع ملاحظة أن تأكيد المساواة للمواطنين العرب قائم بالوثيقة وغير قائم في القانون. وإذا كان القانون في غالبية بنوده بياني إعلاني Declarative، فكم مرة سوف يعلن قيام إسرائيل؟ ولماذا أسقط القانون الذي يتشبه بوثيقة الاستقلال مبدأ المساواة الوارد فيها (الذي كان في حينه شرطًا لقبول إسرائيل في الأمم المتحدة، ومن هنا يأتي تأكيده، لفظيًا، من دون تطبيق، في الوثيقة التي "يعشق" اليسار الصهيوني الاستشهاد بها).

تؤكد إسرائيل وجودها، والاعتراف بوجودها، بينما تعرّض هي وجود الآخرين للخطر، وتصرخ أنها ضعيفة كلما ازدادت قوة وسطوة، وتؤكد قانونيًا ضرورة الحفاظ على يهوديتها لأنها في خطر، بينما تهيمن التوجهات اليهودية المتطرفة وتتكثف الممارسات والتوجهات الصهيونية لمؤسسات الدولة. لقد أصبحت نزعة التمسكن عند التمكن، ولعب الفاعل دور الضحية،مكونًا بنيويًا في الثقافة السياسية الإسرائيلية. ولا يمكن فصل سَنّ هذا القانون عن صعود التيارات القومية والقومية - الدينية في إسرائيل والشعبوية البرلمانية على وجه الخصوص، وتراجع دور النخب الليبرالية والعمالية.

سيعتبر القانون هو الأساس المسلَّم به الذي ينطلق منه لتحقيق أيديولوجيته التي تجمع بين القومي والديني

كتب آفي ديختر في تبريره للقانون الذي قدمه إلى الكنيست في 22 تموز/ يوليو 2013، أن تحديد إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي في كل مكان يمنحها هامش مناورة في المفاوضات؛ أي إنه لا تعود ثمة حاجة إلى أن تطلب من الأطراف التي تتفاوض معها الاعتراف بيهودية الدولة. وقد لا يتبنى نتنياهو هذه التوصية؛ فمطلب الاعتراف بالدولة اليهودية كدولة الشعب اليهودي يعني إلغاءً ذاتيًا لحقِّ العودة بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين من قبل الطرف الذي يقبل بهذا الاعتراف، وقبولًا عربيًا بسد الطريق أمام أي تطلع إلى أن تكون إسرائيل دولة جميع مواطنيها. ولذلك سيحاول نتنياهو، قدر الإمكان، الاحتفاظ بهذه النزعة التصعيدية في طرح المطالب والشروط على الطرف الآخر؛ للابتزاز، ولإعاقة أي تقدم في المفاوضات. فهو لا يطلب ذلك بسبب عدم الثقة بالنفس لناحية رسوخ يهودية الدولة التي يفترض أن هذا القانون قد تجاوزها، بل لأسباب تفاوضية أيضًا.

ثانيًا: ما معنى بنود إعلانية بيانية؟

لا يتحدث قانون القومية الإسرائيلي، بالطبع، عن قومية إسرائيلية، بل عن قومية يهودية، دولة قومية للشعب اليهودي. وهو في غالبية عناصره بياني إعلاني ذو طابع أيديولوجي محض. وبطبيعة الحال، يؤكد مؤيدو القانون، وقسم كبير من معارضيه على وجه القانون هذا، محاولين التخفيف من وطأته؛ باعتباره لا يحمل إسقاطات عملية، إضافة إلى أنه يمكن أن يقبل به أي ليبرالي إسرائيلي. خُذ مثلًا البند الأول من القانون وعنوانه "مبادئ أساسية"، الذي ينص على ما يلي: "1 (أ) أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي التي قامت بها دولة إسرائيل. (ب) دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي التي يحقق فيها حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي في تقرير المصير. (ج) تقتصر ممارسة حق تقرير المصير قوميًا في دولة إسرائيل على الشعب اليهودي".

أما البند الثاني، وعنوانه "رموز الدولة"، فيحدد اسم الدولة وتصميم علمها ورمزها ونشيدها الوطني. وينص البند الثالث على أن عاصمة الدولة هي "القدس الكاملة الموحدة هي عاصمة إسرائيل". وينص البند الخامس على أن "الدولة ستكون مفتوحة للهجرة اليهودية ولجمع الشتات"، وينص البند السادس على ما يلي: "(أ) ستهتم الدولة بتأمين سلامة الشعب اليهودي ومواطنيها الواقعين في ضيق أو في الأسر بسبب يهوديتهم أو مواطنتهم. (ب) تعمل الدولة في الشتات للحفاظ على العلاقة بينها وبين أبناء الشعب اليهودي. (ج) تعمل الدولة على الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي والديني للشعب اليهودي بين يهود الشتات". ثم يأتي البند التاسع: "(أ) يوم الاستقلال هو يوم العيد القومي الرسمي للدولة"، و"(ب) يوم ذكرى شهداء معارك إسرائيل، ويوم ذكرى الكارثة [الهولوكوست] والبطولة هي أيام الذكرى الرسمية للدولة". ويأتي البند العاشر الذي يحدد أن "يوم السبت، وأعياد إسرائيل [أي أعياد الدين اليهودي] هي أيام الراحة الثابتة للدولة، ولمن ليس يهوديًّا الحق في أيام راحة في الأعياد ويوم أسبوعي [سبته الخاص، أي بحسب دينه]، وتحدد قانونيًا تفاصيل ذلك".

لا شك في أن هذه البنود إعلانية بيانيَّة حول هوية الدولة اليهودية ومُهمّتها التاريخية، وهي تشدد بشكل مفرط على قيم قومية ودينية وعلى التراث اليهودي. وهذا السلوك لا يميز دولة ذات نظام ديمقراطي راسخ، فالدول الديمقراطية المستقلة تتجاوز هذه التأكيدات في قوانينها، لأنها تعتبرها قد تحققت بقيامها، وتنشغل في إدراجها في مناهج التدريس، وتشدد في تشريعاتها على المواطنة وحقوقها وواجباتها والحقوق المدنية والتوازن بين السلطات، وغيرها. وتندفع الدول إلى التأكيد على إعلاء القيم القومية وتجذير التراث في النفوس وغيره في مرحلة قيامها، أو في حالة الارتداد عن الديمقراطية إلى الفاشية أو الأصولية الدينية وغيرها من التيارات، أو في حالات التحشيد للحروب. بيد أنه من الضروري أن نضيف إلى ذلك أنه ليس صحيحًا أنه لا توجد أبعاد عملية لتبنيها وصياغتها بوصفها مبادئ دستورية؛ فهذه البنود تُحدّد عمليًّا أهدافًا لعمل مؤسسات الدولة، وتشكل توجيهًا لوظائفها المختلفة في اتجاه خدمة كونها دولة قومية للشعب اليهودي تشجع الهجرة اليهودية إليها والاستيطان اليهودي فيها، وتعمل على توثيق الصلة بالإرث اليهودي.

كما أن مسألة حصر حق تقرير المصير في الشعب اليهودي جاءت لتُجهض، بحسب ما علّله مُقدِّمو القانون، حتى مطالبة أي جزء من مواطني إسرائيل بتقرير المصير؛ بمعنى اعتبار أنفسهم جماعة قومية، ومن ثم تحوّل الدولة إلى دولة ثنائية القومية. فالقانون ينص على "حق تقرير المصير للشعب اليهودي" وحده في هذه الدولة. وكان قد حدد في البند الذي سبق أن مكان تقرير المصير هو ما يسمى "أرض إسرائيل"، ومعلوم للقاصي والداني أن تعريفات اليمين الإسرائيلي لأرض إسرائيل موسعة جدًا وأنها تشمل "يهودا والسامرة".

أما السبب الثاني لحصرية هذا الحق، فيتمثل في وضع رد قانوني دستوري على أي حديث سياسي عن "دولة لجميع مواطنيها"؛ فالدولة، من حيث التعريف، هي دولة الشعب اليهودي الذي يوجد المنتمون إليه في دول كثيرة، وليست دولة جميع المواطنين المقيمين في هذه الدولة، بل دولة جزء منهم فقط. وبحسب تفسيرات هذا القانون، وبحسب مقالات وتفسيرات جزء من اليمينيين وحتى الليبراليين المؤيدين لهم، فإنّ للشعب اليهودي حقوقًا قومية، أما المواطنون غير اليهود فهم يُمنحون حقوقًا مدنية متساوية، وليس لهم حقوق قومية. وهكذا أُجيب عن نقاش سياسي مركزي بجواب يطمح إلى أن يغلق الطريق قانونيًا ودستوريًا.

لقد عرف المواطنون العرب الفلسطينيون في إسرائيل نهوضًا مدنيًا وقوميًا منذ منتصف التسعينيات، أي بعد اتفاقيات أوسلو التي حصرت قضية فلسطين في المناطق المحتلة عام 1967، ومثلته طروحات التجمع الوطني الديمقراطي التي أصبحت محل إجماع بين النخب السياسية والفكرية والجمعيات الفاعلة؛ متمثلة بأن المساواة لا يمكن أن تتحقق إلا في دولة لجميع مواطنيها، وأن العرب - بوصفهم جماعة قومية وسكان البلاد الأصليين - يجب أن يتمتعوا بحقوق جماعية، وليس فردية فقط. وقد انسجمت ردة الفعل الرسمية الإسرائيلية والحزبية الصهيونية، بشكل عام، مع تدهور النظام السياسي الإسرائيلي في مجمل فلسطين إلى حالة فصلٍ عنصري (أبارتهايد) تندرج ضمنه "قومية يهودية" صاحبة سيادة، الدولة هدفها وأداتها في الوقت ذاته، وسلطة فلسطينية فاقدة السيادة وخارج إطار المواطنة تدير شؤون السكان وتحافظ على الأمن، تحديدًا أمن إسرائيل، ومواطني درجة ثانية من العرب داخل الخط الأخضر.

وليست التفسيرات المرافقة للقانون حول الحقوق القومية والفردية لليهود، والفردية الخاصة بالعرب فقط، بجديدة. إذ يتكرر الموقف في قسم كبير من الأبحاث والتنظيرات الإسرائيلية حول الموضوع. والحقيقة أنه حتى مسألة المساواة المدنية للعرب غير موثقة في أي قانون؛ فلا يوجد في إسرائيل قانون ينص على مساواة المواطنين. صحيح أن هذا المبدأ ورد فيما يُسمى إعلان الاستقلال، لكنه لم يترجم إلى قانون. وقد تطرّق مُعدّو القانون إلى أن أحد أهدافه هو صد مطالب عرب الداخل المتنامية لأن تكون إسرائيل دولة لجميع مواطنيها، وأن تكون لهم حقوق جماعية كأقلية قومية.

لا شك في أن الوعود بضمان حقوق مدنية فردية متساوية "للمواطنين غير اليهود"، على الرغم من سَنّ هذا القانون، يُفتَرض أن يجد له تعبيرات في القوانين نفسها، ولكنّ المتشدقين بالمساواة المدنية للمواطنين لا يجرؤون على وضع كلمة "المساواة" في القانون؛ خشيةً أنْ تشكِّل منطلقًا وأساسًا قانونيًا لمطالب لا حدود لها من منظورهم، ولأن تفسير المساواة على نحو مثابر لا يعني إلا أن تتحول إلى دولة المواطنين. إنّ لديهم، إذًا، رهابًا من كلمة "مساواة"؛ مساواة - فوبيا. الحقيقة أن تعريف إسرائيل كدولة يهودية، وتحديد ذلك في قانون أساس بأنها ليست دولة يهودية فقط، وإنما دولة الشعب اليهودي في كل مكان، أولًا وحصريًّا، وليست دولة مواطنيها، تعني أن المساواة بالنسبة إلى العرب غير ممكنة؛ لا المساواة القومية ولا المدنية.

 نتنياهو يرى أن مثل هذا القانون لا يُعتبر استثناءً صارخًا في مثل هذه الأجواء الدولي

يؤكد المشرِّع الإسرائيلي في هذا القانون أنه لا وجود لحقوق جماعية للعرب في دولة هذا المشرّع، بل إنّ هذه الحقوق هي لليهود فقط. وهذا يعني أيضًا أن بعض الحقوق الفردية لا يمكن ممارسته بشكل كامل. فالحق الفردي في الثقافة والهوية هو حق لا يمارس إلا جماعيًا؛ وهذا يعني أن نفي الحقوق الجماعية يدل بالضرورة على سلب بعض الحقوق الفردية.

مع أن بنود القانون المذكورة آنفًا تُعتبر بيانية أو إعلانية، فمن الجدير ملاحظته أن مُعدّيه وجدوا من المناسب تأكيد عدم الفصل بين الدين والقومية؛ ففي البند 1 (ب) جاء الحديث عن "الحق الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير". وقد لاحظتُ أن كلمة "الديني" لم تكن قائمة في النص الأصلي، وأنها أضيفت في اللجنة البرلمانية قبل القراءة الثانية والثالثة بتأثير الأحزاب الدينية. وبذلك أصبح القانون صريحًا؛ من جهة أن إسرائيل هي دولة أُمّة تُعرّف نفسها تعريفًا دينيًا، وأنه لا يوجد لها تعريف آخر، على الرغم من استخدام القانون وتكراره لكلمة "قومية" المتحدرة من قاموس القوميات الحديثة العلماني؛ أي من أوروبا القرن التاسع عشر. لكن تعريف القومية لا يختلف على الإطلاق عن تعريف الدين. إن الحق الديني في تقرير المصير هو اختراع يحق لمُعدّي القانون أن يسجلوا "براءة ملكية" بشأنه.

ثالثًا: بنود ذات طابع عملي ومباشر

ألغى القانون عمليًا تعريفات قانونية سابقة للّغة العربية باعتبارها لغة رسمية ثانية في إسرائيل بعد اللغة العبرية؛ إذ أكد في البند الرابع (أ) أن "العبرية هي لغة الدولة". ومن ثمّ، فإنه لا توجد لغتان رسميتان، أولى وثانية، مع وضع كابحٍ واحد لهذا التدهور في البند (ب): "للغة العربية مكانة خاصة يُنظّم استخدامها في مؤسسات الدولة أو أمامها بالقانون"، وينص البند الرابع (ج) على أن هذه البنود "لا تمسّ بمكانة اللغة العربية الفعلية القائمة في الدولة قبل سَنّ هذا القانون"، هذا على الرغم من البند (أ). وإذا سلَّمنا بصحة هذا الأمر، فإنه يجب التذكير بأن العربية لم تحظَ بمكانة حقيقية قبل مطالبة العرب بتطبيق استخدام العربية في بعض مراسلات مؤسسات الدولة وعلى يافطات الشوارع وغيرها، وكانت أداتهم القانونية في هذا السعي لتحقيق مكانتها القانونية بوصفها لغة رسمية ثانية بالفعل. أما مع إبطال هذه المكانة الرسمية، فقد ذهب السلاح القانوني لاستمرار المطالبة بتحسين مكانة اللغة العربية. وأصبح جُل ما يمكن تحقيقه هو الحفاظ على ما كان سابقًا؛ أي إنه لم يعُد هناك أي أساس قانوني للتطلع إلى تحقيق ما نص عليه القانون.

ينص البند السابع في القانون صراحة على ما يلي: "ترى الدولة في تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل على تشجيع بنائها وترسيخها". يبدو للوهلة الأولى أنه لا جديد في هذا القانون، ففعلًا كل ما قامت به الصهيونية حتى الآن عبر مؤسساتها؛ كالصندوق القومي "كيرن كاييمت ليسرائيل"، والوكالة اليهودية، والدولة نفسها، هو الاستيطان في أنحاء فلسطين كافة منذ ما قبل عام 1948. بيد أنه لم يوضع هذا في قانون أساس، على الرغم من سَنّ قوانين مصادرة الأرض؛ أي إنّ الاستيطان لم يصبح قيمة عُليا محصنة دستوريًا تخضع لها الاعتبارات الأخرى. فمثلًا، كان الاستيطان يقوم غالبًا على الأراضي الأميرية (أو التي عدتها الدولة أميرية بعد أن اعتبرت نفسها وارثة الدول الحاكمة السابقة؛ كالدولة العثمانية، وبريطانيا)، أو على شراء الأرض (ولو بالاحتيال)، أو مصادرتها لغرض ما يسمى "الصالح العام" (أغراض عسكرية ومناطق عسكرية مغلقة، شوارع، مرافق ... إلخ)، ومن ثمّ تحويل استخدامها لأغراض الاستيطان بعد فترة. أما في هذا القانون، فقد أصبح الاستيطان، بحكم تعريفه، هو الصالح العام؛ ومن ثمّ يمكن مصادرة الأراضي لهذا الغرض مباشرة، فضلًا عن أنّ هذا الأمر لا يُرسخ المؤسسات الصهيونية غير الرسمية فقط، بل الدولة أيضًا؛ بما هي دولة تعمل على إقامة مدن وبلدات لليهود حصرًا، ولا يخطر ببال المشرع فكرة تطوير التجمعات السكانية العربية من قرى ومدن وتعزيزها وتوسيعها في القانون ذاته؛ فهذه المهمة، أي تشجيع الاستيطان، وإقامة المجمعات السكنية، وتخصيص الموارد والميزانيات، والتخطيط لذلك، مهمة قومية، والقومية محصورة في اليهود، ولا ذكر للقرى والمدن العربية القائمة. كما ألاحظ أن هذا البند لا يتحدث عن الاستيطان داخل حدود الدولة، وإنما تركها مفتوحة. صحيح أنه بند لم يستجب لمطالب اليمين المتطرف الذي اقترح بنودًا لتشجيع الاستيطان في "أرض إسرائيل"، لكنه أيضًا لم يكتب بدلًا من ذلك "دولة إسرائيل" (التي تشمل بحسب القانون الإسرائيلي القدس وهضبة الجولان على أي حال)، بل ترك الموضوع مفتوحًا: تشجيع الاستيطان، من دون تحديد أين يكون، وفي أي حدود. وأعتقد أن هذا الأمر ليس مصادفة؛ فقانون الأساس لا يحدد حدود دولة إسرائيل أيضًا، وقد أشار إلى ذلك، فعلًا، البروفيسور مردخاي كريمنتسر، أستاذ القانون الليبرالي، الذي عارض هذا القانون بشدة.

أخيرًا، ليس في هذا القانون جديدٌ إذا ما قورن بالممارسات التي تقوم بها الحركة الصهيونية ودولتها في فلسطين. ولكن هذا لا يقلل من أهميته على الإطلاق. فثمّة فرق بين ممارسات ناجمة عن سياسات الحكومة والمؤسسات الصهيونية القائمة وقناعات غالبية الجمهور الإسرائيلي، وبين ترسيخها دستوريًا؛ فأثر ذلك يتجاوز تسليح الدولة قضائيًّا ضد أي استئناف على هذه الممارسات في القضاء الإسرائيلي، وهو أثرٌ مهمٌّ في حدِّ ذاته؛ ذلك أنّ تحويل هذه السياسات والقيم الموجهة إليها إلى قانون أساس يلقي بظلاله على ثقافة أجهزة السلطة ووظائفها، وعلى توقعات الجمهور الإسرائيلي أيضًا، ومنها تنشأ دينامية تُشجّع على تكثيف هذه الممارسات التي كانت قائمة حتى اليوم وتصعيدها؛ فقد أصبحت واجبًا وطنيًا ودستوريًا، يُجهض التطلعات لتغييرها يومًا، أي إنها تصبح من المُسلَّمات رسميًا. كما يخلق القانون قاعدة جديدة ينطلق منها اليمين الإسرائيلي إلى قوانين في خدمة أيديولوجية أكثر تطرفًا. لقد انطلقت هذه العملية التفاعلية ولا أحد يعرف أين تتوقف. فلن يتوقف اليمين بعد هذا القانون عن سَنّ تشريعاتٍ صهيونية الطابع تُكرِّس العنصرية، بل سيعتبر القانون هو الأساس المسلَّم به الذي ينطلق منه لتحقيق أيديولوجيته التي تجمع بين القومي والديني، وتعتبر العرب السكان الأصليّين مجرد طارئين على هذه البلاد، ومن ثم عليهم أن يقبلوا بأي فتات يُمنح لهم؛ لأن الدولة، في رأيهم، الذي يُجاهر به كثيرٌ منهم في وسائل الإعلام، هي دولةُ أيِّ يهودي في العالم قبل أن تكون دولة الفلسطيني ابن هذا الوطن وصاحب الأرض. الفرق أن ما يقولونه علنًا في وسائل الإعلام وفي خطبهم البرلمانية وفي المزايدات الشعبوية أصبح قانونًا دستوريًا، وهذا فرقٌ جوهريّ.

 

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

شارك برأيك

أشهر الوسوم