في موسم الامتحانات

كيف تحولت البكالوريا إلى غول يتربص بالطلاب السوريين والأسر السورية؟ (أرشيف - Getty)

في موسم الامتحانات، خاصة الشهادة الثانوية بفروعها مجتمعة، تعيدني المناسبة سنوات طويلة إلى الوراء، منذ أن بدأ التعليم ينحدر تدريجيًا في سوريا إلى أن وصل إلى مستوى مزرٍ من التهتك والخفة بل والاستخفاف.

وفي الوقت نفسه كيف تحولت الشهادة أو البكالوريا إلى غول يتربص ليس فقط بالطلاب السوريين بل بالأسر السورية، وصار الأبوان السوريان مرهونين لهذه الحلقة المفصلية المرعبة التي عليها، وعليها فقط، كما كان يبدو يتعلق المصير بالمطلق، فصار وصول الابن أو الابنة إلى مرحلة الشهادة الثانوية سببًا في تحول الحياة المعيشية السورية الصعبة في الأساس إلى أقسى درجات التقشف من أجل تأمين أجرة الدروس الخصوصية لابنهم أو لابنتهم في البكالوريا، بعد أن تحولت المدارس إلى مداجن لترويض الطلاب وإعداد الكوادر المطلوبة مستقبلاً بتكريس السيطرة الإيديولوجية على مؤسسات الدولة ومنها التعليمية، عن طريق سيطرة المنظمات الشعبية الملحقة بالحزب كمنظمة طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة، والاتحاد الوطني لطلبة سوريا، وحصر جوهرها في غرس أفكار البعث في عقول الطلاب على حساب القيمة التعليمية وإعداد أجيال تملك القدرة على الإبداع، كوادر عبارة عن أفراد لا يعرفون غير التلقي مدججين بالعقائد والشعارات الطنانة والوطنية التي لا يفقهون منها إلا النذر اليسير، مواكبًا للسيطرة الدينية عن طريق إلزام تدريس مادة الديانة في كل المراحل الدراسية انطلاقًا من الصف الأول الابتدائي، وليس تدريس الدين كموجّه تربوي وروحي وخلقي، بل ما يتواءم مع توجه النظام وتكريس القيم الماضوية المتحكمة بالمجتمع بكل ما تحمل من تناقض مع الشعارات العلمانية المطروحة والمناداة بالعدالة وعدم التمييز، ولم يكن الأمر يستوي فقط بتحقيق هذا الشرط، بل هناك شرط لازم آخر لا يقل وعورة وإهانة للأهل وللعلم في الوقت نفسه، إنه الفساد المستشري الذي صار يجد تربة ثرية لتحقيق أرباحه في موسم الامتحانات، فهناك العديد من المراكز الامتحانية التي كانت تباع لقاء غض الطرف عن عملية النقل وإيصال الأجوبة أو ورقة الأسئلة المحلولة إلى بعض الطلاب، وفي النهاية فإن التنافس صار شبه مستحيل على المقاعد الدراسية في جامعات الدولة خاصة بعدما ارتفعت معدلات القبول الجامعي، وكثرت البدائل من تعليم مواز إلى تعليم مفتوح إلى جامعات خاصة إلى تعليم افتراضي، على حساب العملية التعليمية والتربوية والبحث العلمي كضرورة من أجل التقدم العلمي والابتكار  في أي دولة، وصارت فرصة التعليم بعيدة المنال عن الفقراء.

يتقدم الطلاب اليوم لامتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية في ظل الحرب وتردي الحياة بكل مفاصلها

يتقدم الطلاب اليوم لامتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية في ظل الحرب وتردي الحياة بكل مفاصلها، والأهم هو تردي العملية التربوية والتعليمية، فلا البنية التحتية اللازمة لهذه العملية متوفرة، ولا الكوادر المدربة المؤهلة لتنهض بها متوفرة ولا المناهج أو الأسلوب التعليمي المناسب أيضًا، العملية التعليمية شهدت تدهوراً كبيراً في جميع مراحلها، سواء من ناحية المناهج، وتوفير متطلباتها، أو استمرار الأساليب التقليدية في التعليم، إضافة لارتفاع معدلات التسرب من المدارس، بسبب انعدام الأمن والنزوح واللجوء والفقر، عدا انتشار الفوضى في المدارس والجامعات، وبالرغم من كل هذه الظروف المعيقة والمهينة للعلم والتعليم وإعداد أجيال قادرة على العيش والمساهمة في بناء المجتمع، فإن القانون الذي صدر مؤخرًا وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي مثير للاستهجان، القانون القائل بفرض عقوبة السجن لمدة سنتين بحق كل طالب يعتدي لفظيًا أو بأي شكل على المراقب في داخل المراكز الامتحانية أو خارجها. لقد كتب أحدهم يتساءل: هذه وزارة تربية أم وزارة داخلية؟ ومعروف في سوريا أن أي قانون يطبق على الفقير أو على الفرد الذي ليس مدعومًا من جهة صاحبة سطوة على الناس، لكن يبقى السؤال المطروح: لماذا يصل الطالب إلى مستوى التهجم على المراقب أو المدرس؟ لو كانت من الأساس تتوفر نواظم قيمية للعملية التعليمية لما وصلت العلاقة بين الطالب والجهاز التعليمي، أو حتى بينه وبين المؤسسة التعليمية بأدواتها مجتمعة إلى درجة سن قوانين من هذا النوع، قوانين عقوبات تجرد الطالب من خصوصيته وتضعه في خانة المرتكبين وتطبق عليه أحكاماً من هذا النوع لن توصل في النهاية إلى تقويم سلوك الطالب، بل سوف تدفعه في طريق الارتكابات الحقيقية وتسلبه من عمره عامين يشكلان بالنسبة لعمر الإبداع جزءًا مهمًا، فمن المعروف أن الإبداع يبلغ ذروته في عمر الشباب.

الطالب السوري لديه إمكانيات التفوق والإبداع فيما لو توفرت له الظروف اللازمة التي تحترم قيمة التعليم وتدرك دوره في بناء المجتمعات والأمم

في الواقع هناك الكثير من المقدمات التي تراكمت على مدى العقود الماضية من التردي المعياري في كل مناحي الحياة فسحت مجالاً للفساد لأن يستشري بمباركة من السلطات المعنية، أوصلت التعليم إلى هذا المستوى من الانحدار أصبحت معه المدارس والجامعات السورية خارج التصنيف القيمي للمؤسسات التعليمية في العالم. ومما يسبب الحزن أن الطالب السوري لديه إمكانيات التفوق والإبداع فيما لو توفرت له الظروف اللازمة التي تحترم قيمة التعليم وتدرك دوره في بناء المجتمعات والأمم، ففي العديد من الدول الأوروبية التي وصل إليها سوريون لاجئون شردتهم الحرب وخسروا أوطانهم، حقق أطفالهم مستويات كثيرة من التفوق الدراسي بالرغم من الذاكرة المتخمة بويلات الحرب، عندما أحس الطالب السوري بكيانه وكرامته وتوفرت له مستلزمات التعليم بطريقة متكاملة استطاع أن يحقق ذاته ويبدع، وهناك العديد أيضًا من قصص الإبداع والابتكار بين الطلاب السوريين في دول اللجوء.

بما أن التعليم من أساسيات بناء أي مجتمع، وتطور أي أمة، وهو حق من الحقوق التي تلزم الدول تجاه مواطنيها، فإنه يعتبر من القضايا المستقبلية الملحة التي يجب الالتفات إليها ووضع الخطط المستقبلية لها، فأطفال سوريا هم الشريحة الأكثر استهدافًا في هذه الحرب المستمرة إلى الآن بأعتى صورها، بات من الجلي أن جيلاً كاملاً من الأطفال السوريين في عمر الدراسة قد خسروا تعليمهم وأصبح مستقبلهم في خطر، وأن جيلاً آخر من الشباب المتعلم قد هاجر، وقسمًا منهم أيضًا مصاب بإعاقات جسدية أو نفسية، ولا يمكن أن ننسى أطفال الشوارع والحدائق المرميين لتجار الحرب وسماسرتها، بعيدين عن أدنى الشروط الإنسانية المناسبة لحياتهم. هذا من دون أن ننسى الظلم الواقع على المعلمين أيضًا، فالمعلمون المدرَّبون والمؤهلون هم العامل الأساسي لضمان الحق في التعليم، لكنهم في سوريا كانوا جزءًا من آلة الفساد يدورون مع عجلتها، مظلومين وظالمين في الوقت نفسه. النهوض بالتعليم رسالة مقدسة، وإذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بد من البناء السليم انطلاقًا من الأساسات، لا أن ينتظر حتى يستجيب القدر، خاصة في ظل تعليم سلطوي مبني على القمع والمحسوبيات ومحو الفردية بالنسبة للطالب والمعلم على حد سواء.

شارك برأيك

أشهر الوسوم