في ضرورة نبذ السلاح ووأده

الحكومات التركيّة المتعاقبة من 1923 ولغاية 2018، والنخب المحسوبة عليها، أنكرت ارتكاب السلطنة العثمانية؛ الإبادة الأرمنيّة (1915-1917) وتؤكّد الحكومة الحالية أن الذين قتلوا في تلك المجازر لا يصل عددهم إلى 1،5 مليون شخص، بل مجرّد 300-400 ألف شخص فقط. لكأنّ قتل 300-400 ألف شخص خلال سنتين، ليست إبادة جماعة!؟ ينكر هؤلاء الإبادة، ويطالبون من يزعمها بإعادة البحث في أرشيف السلطنة العثمانيّة! لكأنّ أيّة سلطة حاكمة إذا ارتكبت مجازر رهيبة من هذا النوع، ستترك أدلّة دامغة تدينها على ما اقترفته بحق مواطنيها!؟ بالمحصّلة، ذلك السلاح الذي أباد الأرمن، كان "حجّته" وقتئذ، حماية أمن واستقرار ووحدة السلطنة ودولة الخلافة الإسلاميّة - العثمانيّة! نفس السلاح، وبنفس الحجّة، اتجه لإبادة الأكراد سنة 1925-1930-1938، ولكن ليست بتلك الطريقة الرهيبة التي أبيد بها الأرمن، فترك ذلك السلاح (الوطني - القومي؛ الديني - العلماني) جرحين عميقين في التاريخ والوجدان التركي، هما الجرح الأرمني والجرح الكردي. وإنكار هذين الجرحين، وإبقاؤهما مفتوحين ونازفين، سيبقيان يلاحقان حاضر ومستقبل تركيا

ترسانة هتلر من الأسلحة، لم تحصّن نظامه وألمانيا، بل أفضت إلى التدمير والإبادة. ترسانة الاتحاد السوفياتي

ما فشل في حلّه كل رؤساء الحكومات ورؤساء الدولة التركيّة بقوّة السلاح والحديد والنار، منذ 1923 وحتى 2001، لن ينجح في تحقيقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

السابق، لم تمنعه من التفتت والانهيار. القدرة النووية التدميرية التي تمتلكها إسرائيل، هل جعلت منها دولة آمنة ومستقرّة، ولا تعيش حالة حرب منذ 1948 وحتى اللحظة!؟

مناسبة هذه الأسئلة هي التأكيد على حتميّة وحقيقة أن ما فشل في حلّه كل رؤساء الحكومات ورؤساء الدولة التركيّة بقوّة السلاح والحديد والنار، منذ 1923 وحتى 2001، لن ينجح في تحقيقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ توليه سدّة الحكم في تركيا سنة 2002. ذلك أنه مضى 16 سنة على استلام حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحكم في تركيا، وهذا الحزب يكرر ويعيد ويزيد أنه سيقضي على حزب العمال الكردستاني بقوّة السلاح والحسم العسكري، وفشل في تحقيق هذا الهدف!

وبالعودة إلى تصريحات الحكومة التركية بيانات الجيش التركي وهيئة الأركان العامة منذ 2002 وحتى الآن، وحساب أرقام القتلى من مقاتلي العمال الكردستاني الذين سقطوا في العمليات العسكرية التركية، سنصل لرقم يزيد عن عشرات الآلاف! ولو كانت هذه الأرقام صحيحة، لكان الحزب الكردستاني أبيد عن بكرة أبيه! هذا فضلاً عن حساب كلفة العمليات العسكريّة وما استنزفته وتستنزفه من الاقتصادي التركي والخزينة التركيّة، دون طائل. ومع استمرار هذا الفشل، وعناد النظام التركي في اعتماد خيار السلاح والعنف الذي أثبت فشله الذريع على امتداد 95 سنة، وتركيا وشعوبها واقتصادها وأمنها، يدفعون الأكلاف.

ومن المؤسف القول: إن كل من حاول حلّ القضيّة الكرديّة سلميّاً، تمت تصفيته من قبل الدولة العميقة في تركيا، وعلى سبيل الذكر لا الحصر؛ الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال (قتل بالسمّ)، قائد قوات البريّة الجنرال أشرف بدليس (قتل بحادثة تحطم طائرة)، رئيس الوزراء نجم الدين أربكان (أطيح به بانقلاب أبيض سنة 1997)!

من الجانب الآخر، سردية حزب العمال الكردستاني التي طوى عليها مبرراته وحججه لحمل السلاح وبدئه الكفاح المسلّح ضد الحكومة التركيّة في 15/8/1984، كانت تقول: إن تركيا تتحمّل مسؤوليّة لجوء الحزب والأكراد إلى العنف والكفاح المسلّح، لأنها تنكر وجود الشعب الكردي والهويّة الكرديّة والحقوق الكرديّة، وتعتبر الأكراد "أكراد الجبال"، وأن كل الطرق أمام النضال السياسي السلمي مسدودة أمام الكرد في تركيا. وأن هدف الحزب من حمل السلاح، ليس لأنه يعشق القتل والقتال والعنف والحرب، بل كي يزيل العقبات والعراقيل التي تعترض النضال السلمي والحل السلمي للقضية الكردية في تركيا. هذه السردية، بما فيها من حجج، كانت معقولة ومقبولة في السبعينات والثمانينات وحتى منتصف التسعينات. ولكن منذ بدء مشاركة الموالين للعمال الكردستاني في الانتخابات البرلمانيّة والبلديّة في تركيا، وحصولهم على رئاسة البلديّات وعضويّة البرلمان، حتى قبل مجيء العدالة والتنمية للحكم سنة 2002، وازدياد حضور العمال الكردستاني في الإدارات المحليّة وفي البرلمان التركيين عقب انتخابات 2007، وصول ذلك لمرحلة الذروة في اشتراك صلاح الدين دميرتاش (أحد محامي أوجلان، وزعيم حزب الشعوب الديمقراطي) في الانتخابات الرئاسية سنة 2014 وحصوله على 9.76% من الأصوات (3,958,048)، ثم مشاركته في الانتخابات الرئاسية سنة 2018 وهو مسجون، وحصوله على نسبة 8.32% (4.039.390 صوت)، وحصول حزب الشعوب الديمقراطي على نسبة تزيد عن 13% (6057506 صوت) و80 مقعدا في البرلمان التركي، في الانتخابات البرلمانية سنة 2015، بعد كل ذلك، هل بقي مبرر لحمل السلاح!؟ بل حقق العمال الكردستاني عبر النضال السلمي والانتخابات مكاسب لم يحققها عبر الحرب والعنف والقتال، حيث تنامت حركة الاهتمام باللغة والثقافة الكردية، وازدادت حركة الطباعة والنشر، واضطرت تركيا لإطلاق قناة ناطقة بالكردية، صحيح أنها تروّج للحزب الحاكم، إلاّ ذلك خطوة جيّدة وإيجابيّة، هاجمها العمال الكردستاني بشدّة. ما يعني أن كل حجج ومبررات حمل السلاح لدى العمال الكردستاني، سقطت بالتقادم، والتغييرات التي طرأت على تركيا. بل بات حمل الكردستاني السلاح مؤذيّاً ومتلفاً للمكاسب السياسيّة التي حققها الحزب على مستوى البلديات والسلطة التشريعيّة أيضاً! بدليل تراجع مستوى المكاسب التي حققها الكردستاني على امتداد 10-15 سنة الأخيرة، سياسيّاً وثقافيّاً وإداريّاً.

ومن المؤسف القول: إن كل مَن حاول طرح فكرة ضرورة ترك العمال الكردستاني السلاح، والجنوح للنضال السلمي الديمقراطي، كخيار نهائي، لا رجعة عنه، كل هؤلاء، تم تصيفتهم، سواء عسكريّاً أم سياسيّاً. والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى. وبل أبعد من ذلك، تمت تصفية كل القيادات التي نبذت العنف في بدايات انطلاقة العمال الكردستاني.

وربما يتساءل أحدهم؛ تركيا تعتقل السياسيين والنشطاء والمثقفين والبرلمانيين ورؤساء البلديات الكرد، فعن أي حل سلمي ونضال سلمي ديمقراطي يمكن التحدّث؟! هذا صحيح. ولكن سلاح العمال الكردستاني، فشل في تحرير دجاجة كرديّة معتقلة في السجون التركيّة، فما بالكم في فشل هذا السلاح في تحرير القيادات الكردية، بدءا بأوجلان، وصولاً لصلاح الدين دميرتاش. ثم إن اعتقال السياسيين الكرد، هو جرم سياسي، يتم الردّ عليه بفعل سياسي سلمي، وليس بالنار والقتل والدمار! فالنار لا تطفئها النار.  

على ضوء ما سلف؛ خيار العنف والحرب والسلاح الذي تعتمده الدولة التركيّة في حلّ القضيّة الكرديّة، أثبت وأكّد فشله، سواء على صعيد سحق القضيّة الكرديّة

خيار استمرار حمل العمال الكردستاني السلاح أكّد فشله في تحقيقه أهدافه المعلنة وغير المعلنة. فلا الجيش التركي تم سحقه، ولا الدولة التركيّة انهارت وأذعنت لمطالب العمال الكردستاني

وحقوق الاكراد، أو على صعيد سحق العمال الكردستاني على وجه الخصوص. فلا القضية الكرديّة تم استمرار إنكارها، واقتلعت من الجذور، ولا الأكراد في تركيا أبيدوا، والعمال الكردستاني ما زال موجوداً ومقلقاً ومسمماً علاقات تركيا مع دول الجوار.

كذلك خيار استمرار حمل العمال الكردستاني السلاح أكّد فشله في تحقيقه أهدافه المعلنة وغير المعلنة. فلا الجيش التركي تم سحقه، ولا الدولة التركيّة انهارت وأذعنت لمطالب العمال الكردستاني، ولا كردستان تحررت وتوحّدت، بفضل ومعيّة سلاح العمال الكردستاني. بل صار الأخير يشيطن فكرة الدولة القومية التي بموجبها وعلى أساسها ولأجل تحقيقها حمل الكردستاني السلاح وأعلن الكفاح المسلّح!

وعليه استماتة الحكومة التركيّة في الخيار المسلّح ضدّ الكردستاني والقضية الكرديّة، يستنزف تركيا دماً ومالاً وأمناً واستقراراً، بل ربما يميتها، عبر ترك الباب مفتوحاً للتدخّلات الأجنبيّة، واستثمار الورقة الكردية. كذلك استمرار العمال الكردستاني في خيار السلاح، يستنزف الكرد والقضيّة الكرديّة، دماً ومالاً، بل بات عبئاً كبيراً، يهدد المكاسب التي حققها الكرد، ليس فقط في تركيا، بل في العراق وسوريا ايضاً. والكارثة هنا، إن الكردستاني يبرر حمله السلاح باستخدام تركيا العنف والسلاح لحلّ القضيّة الكرديّة. كذلك تركيا، تبرر لجوءها للعنف والسلاح بسلاح الكردستاني.

خلاصة القول: آن للحكومة التركية والعمال الكردستاني أن يعترفا جهراً وعلنا بفشل السلاح والعنف وإفلاس منطق الحسم العسكري الذي يعطي الطرفين آلاف الأدّلة الدامغة على هذا الفشل الذريع. بل تأخّر ذلك كثيراً. آن أنْ يقتنع الطرفان بأن الاستمرار والمضي في هذا الخيار الدموي العنفي الفاشل والمميت، يجعل منهما تجّار وأمراء حرب، لا يملّون من الحديث عن السلام والديمقراطية والعدالة!

أعتقد أن مئة عام من الحرب بين الحكومات التركية وأكراد تركيا، كافية بأن تقتنع الحكومة الحالية بفشل السلاح في القضاء على الأكراد وقضيتهم وحقوقهم. كذلك حزب العمال الكردستاني، أعتقد ان 34 سنة من حمل السلاح والقتال ضد الحكومات التركية، كافية بأن يقتنع الحزب بفشل تحقيق أهدافه بالقوّة والعنف والسلاح!

شارك برأيك

أشهر الوسوم