في ضرورة مواجهة مشروع النزعات الأقلوية

تقبع منطقة الشرق الأوسط، وسط حروب متوالية، منذ القرن التاسع عشر. ارتكزت الصراعات السياسية فيها تاريخياً على مفهوم المظلومية. يسعى كل طرف سياسي أو دولة، إلى تحقيق مكتسبات سياسية أو مطامع في دول أخرى، وهي تستند إلى منطق المظلومية التي تعانيها هي أم تعانيها شعوب الدول الأخرى، فتلجأ لمناصرتها. ترتكز المظلومية على مفاهيم متعددة، في غالبها تلبس لبوساً دينياً أو مذهبياً. فمثلاً قيام إسرائيل ومجيء اليهود إلى فلسطين، استند تاريخياً إلى مبدأ الظلم الذي عاناه اليهود الذين ظلموا في أماكن وجودهم في الغرب، ومن حقهم العودة إلى أرض الميعاد. تكررت المظلومية في العصر الحديث ما بعد الهولوكوست النازي، ففتحت طريق فلسطين دولياً أمام اليهود.

غالباً ما تردف هذه المشاريع للدول، بلباس ديني طائفي، ولكنها أيضاً تنطلق نحو تعزيز مفهوم القوميات. ولدت القومية الوطنية للدول في الحرب العالمية الأولى، وتكرّست أكثر في الحرب العالمية الثانية إبان الحرب الباردة، عبر تعزيز القوميات على حساب "الأممية" التي ادعاها الاتحاد السوفييتي. فارتكزت هذه القوميات على وطنية دينية إذا صح التعبير، لمواجهة السوفييت.

في الحرب العالمية الأولى، ارتكزت جماعات عديدة على منطق المظلومية التي تعانيها الأقليات في منطقة الشرق الأوسط، وذهبت باحثة عن دعم دولي أو تعاطف سياسي لقضاياها في وجه السلطنة العثمانية. انهيار السلطنة، أنتج ولادة قوميات وإثنيات متعددة باحثة عن جسمانية سياسية، عربية، تركية، أرمنية، كردية، وغيرها. فاجتمعت مصالح هذه الأقليات والمظلوميات التي انطلقوا منها، على هدف واحد هو خلخلة السلطنة العثمانية من الداخل تمهيداً لضربها وإسقاطها، والتي بدأت تتحول في حقبة الحرب العالمية الأولى، فمثلاً سياسة التتريك التي اتبعت، والعنصرية التركية التي تفاقمت مع "تركيا الفتاة" و"الاتحاد والترقي"، كانت بلا شك تنتج قوميات متطرفة أخرى في البيئات الاجتماعية التي كانت منضوية تحت لواء السلطنة. على قاعدة واضحة وثابتة، هي أن القومية التركية وعنصريتها وجرائمها ستنتج قوميات متعصبة أكثر في الجهات المقابلة، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى القومية الإسرائيلية التي أنتجت في فترة من الفترات، قوميات متعددة، سورية، لبنانية، عربية، كردية، أرمينية، وغيرها.

وجود الأنظمة العسكرية على رأس السلطة مع تعزيز مفهوم القومية العربية، أنتج في المقابل صراعاً مع القوى الاجتماعية والسياسية على الأرض، فانحصر الصراع بين العسكر والإسلاميين، وما يزال قائماً إلى يومنا هذا، وتجلّى أكثر ما بعد ثورات الربيع العربي.

وهذه انعكست في العالم العربي، تغيراً جوهرياً في بنية الدول والأنظمة، فتولى العسكر زمام السلطة بانقلابات لمواجهة الكيان الإسرائيلي. تزامن ذلك مع تعزيز القوميات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وجود الأنظمة العسكرية على رأس السلطة مع تعزيز مفهوم القومية العربية، أنتج في المقابل صراعاً مع القوى الاجتماعية والسياسية على الأرض، فانحصر الصراع بين العسكر والإسلاميين، ولا يزال قائماً إلى يومنا هذا، وتجلّى أكثر ما بعد ثورات الربيع العربي.

غالباً ما تكون هذه التناقضات، حاجة لبعضها البعض، أو مبرراً لاستمرارية هذه النماذج، تماماً على غرار ما ينتجه التطرف الشيعي من تطرف سنّي مقابل، أو ما ينتجه التطرف المسيحي من تطرف إسلامي في المقابل، أو تطرف كاثوليكي بمواجهة تطرف بروتستانتي.

خفت منسوب صراع المظلوميات الأقلوية في حقبة الحرب الباردة، وفي مرحلة صراع مملكة الأفكار بين اليسار واليمين. فاتخذ الصراع شكله السياسي، والذي أيضاً انعكس في منطقة الشرق الأوسط، وكان لبنان ساحة تجلياته ما بين السبعينيات والثمانينيات. في تلك الفترة، إلى جانب صعود ما يسمى بالقومية اللبنانية، اتسم الصراع أيضاً بنزعات أقلوية، أو انفصالية أو فدرالية، كانت تعتبر أن مشروعها هو القومية اللبنانية، التي ليس لديها إشكال إيديولوجي مع إسرائيل، ولا بأس من التفاهم بمواجهة "المد العربي، أو الإسلامي أو الفلسطيني أو اليساري". التقت في تلك الفترة مصالح قوى متناقضة في مواجهة ما ممثلته الحركة الوطنية اللبنانية التي كان لديها مشروعاً تغييرياً لبنية النظام في لبنان بالتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية. هذا أنتج التقاء على مصالح مشتركة بين الإسرائيليين، وبعض القوى المسيحية اللبنانية والنظام السوري بقيادة حافظ الأسد، الذي كان لديه مشروع واضح ضد العمل الفلسطيني المستقل، وضد الحركة الوطنية اللبنانية كمشروع تغييري، كان الأسد ينظر إليه كتهديد لحكمه في سوريا.

 لطالما اعتبر حافظ الأسد أن لبنان يجب أن يكون محكوماً من قبل المسيحيين، لأن أي تغيير في بنية الحكم، تعزز دور المسلمين، سينعكس حكماً على سوريا ذات الأكثرية السنية، وسيخرج السنّة مطالبين بالثورة عليه. هذا المنطق هو الذي أدى إلى التقاء المصالح بين الأسد وإسرائيل والذي تجلى في اتفاقية الخط الأحمر في العام 1973 مع هنري كيسنجر، وهو الذي مهّد إلى دخول القوات السورية إلى لبنان لسحق الحركة الوطنية ودعم القوى المسيحية.

هذا الصراع المتجدد، يتخذ طابعاً عالمياً، وبعدما أسهمت الحرب العالمية الأولى بإسقاط السلطنة العثمانية وتعزيز القوميات، وكانت الحرب الباردة بغية مواجهة السوفييت، ونجحت، اليوم تحول الصراع العالمي إلى منطق مكافحة الإرهاب. هذا الإرهاب محصور بفئة واحدة، هي الطرف السنّي

فشل مشروع الأقليات في لبنان، وأعيد إنتاج السلطة أو التركيبة ذاتها بانتهاء الحرب، التي تمرّ اليوم بمرحلة انتقالية مفصلية، عادت وفرضتها ظروف المنطقة وتحولاتها ما بعد ثورات الربيع العربي، والتي أنتجت تحالفات بين الأنظمة لوقف مسار تغيير بنى الدول. في هذا الوقت، تستعيد القوميات اليمينة الأوروبية والعالمية دورها وتجد تلقفاً لخطابها، ما يعيد تعزيز أيضاً مفهوم القوميات الأقلوية هذه المرّة. هذا الصراع المتجدد، يتخذ طابعاً عالمياً، وبعدما أسهمت الحرب العالمية الأولى بإسقاط السلطنة العثمانية وتعزيز القوميات، وكانت الحرب الباردة بغية مواجهة السوفييت، ونجحت، اليوم تحول الصراع العالمي إلى منطق مكافحة الإرهاب. هذا الإرهاب محصور بفئة واحدة، هي الطرف السنّي الذي يمثل أكثرية في منطقة الشرق الأوسط، وفيه كل مقومات الثروة وقوة البقاء.

يترافق ذلك، مع حالة انحدار فكري تعيشها التيارات السياسية، أو السياسة بحدّ ذاتها، فترتكز المعارك السياسية على أوهام تعصبية، تعيد تجديد إنتاج منطق القادة الملهمين، بشكل غير بعيد عن مبدأ إعادة إحياء أو السعي لإحياء مشروع تحالف الأقليات وإنجازه. وهنا ثمة مفارقة لا بد من التوقف عندها، وهي لقاء رجال الدين المسيحيين في صيدنايا بالقرب من دمشق قبل أسابيع، بحضور ممثل فاتيكاني، المطارنة الذين اجتمعوا يمثلون الكنيسة الأرثوذكسية، بحضور ممثل للكنيسة الكاثوليكية، والبيان الذي صدر عن المجتمعين كان واضحاً في دعم بشار الأسد والنظام السوري، وحماية المسيحيين وتجذرهم في هذه الأرض، من دون أن يأتي على ذكر الحفاظ على وجود السنّة الذين تمّ تهجيرهم، في نفحة واضحة للنزعة الأقلوية. وهذا لا ينفصل عن السياق العالمي الذي أصبحت وجهته معروفة، خاصة أن اللقاء جاء بعد زيارة موفد فاتيكاني التقى بشار الأسد، في تطور لافت على صعيد العلاقات والتحولات. وهذا لا ينفصل أيضاً عن تحمّس اليمين الأوروبي المتطرف للأسد، كما لا ينفصل عن مساع رمزية أعلنت سابقاً، تتعلق بتوحيد الأعياد الشرقية والغربية" أي بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية.

 هذه التحولات نفسها، التي تحكم العلاقة الروسية الأميركية ذات التنسيق الشامل والكامل، فيتخذ الصراع على النفوذ السياسي الذي يبقى قائمة، صفة جديدة أو شكلاً جديداً، ينعكس في التنسيق الكامل بين الأميركيين والروس في الشرق الأوسط وخاصة في سوريا، ويلتقيان على مبدأ أساسي هو حماية إسرائيل وتبرير قومية ويهودية دولتها، وما يعنيه ذلك أو يفترضه من ضرورة إرساء ما يسمى بحلف الأقليات الذي يوفر الأمن والأمان الاستراتيجي والبعيد المدى لإسرائيل.

 درّة تاج هذا المشروع، هي صفقة القرن، التي تعلن صراحة الاستعداد لتنفيذ أكبر عملية ترانسفير بشري وتغيير ديمغرافي وكياني في حدود الدول وأنظمتها. والذي يظهر عليه توافق جلّي روسي أميركي إسرائيلي، مع بعض الدول العربية، وغايته أن يتوج لاحقاً بتوافق مع إيران، بقوميتها الفارسية وقيادتها للشيعة. هذا المشروع يشبه إلى حدّ بعيد ما حصل بعيد الحرب العالمية الثانية من تطبيق لنموذج غورو، الذي قبيل استيلاد لبنان الكبير وسوريا الموحدة، كان مشروعه ينص على إنشاء خمس دويلات طائفية في سوريا، واحدة للعلويين، وأخرى للسنة، وثالثة للدروز، ورابعة للأكراد، وخامسة جبل لبنان. لكن هذا المشروع فشل بنتيجة الثورة السورية الكبرى، والتي التقى فيها دروز وعلويون ومسيحيون ومسلمون، ونجحت في الحصول على ما تريد بنتيجة تحولات سياسية أو تضارب في مصالح الدول. ما يجري اليوم مشابه إلى حدّ بعيد لما جرى في تلك المرحلة. صحيح أن المشروع قد حقق تقدماً أكثر من أي وقت، ولكن تبقى المنطقة على شفير تحول كبير، كما حصل في ما بعد الحرب الأولى والثانية والنكبة الفلسطينية التي أنتجت تغييرات جذرية في بنية الحكم في الدول العربية، فإن هذا المشروع بنجاحه أو فشله سيؤدي إلى تغيير بنيوي مشابه، وإن طال الزمن. تبقى العبرة، في الإصرار على مواجهة هذا المشروع، لإفشاله.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم