في تكوين العنف الإسلامي السوري

عاد مروان حديد من الدراسة في القاهرة وكانت ميوله الجهادية قد تبلورت، فلعب دوراً مركزياً في أول تمرد خاضته مدينته حماة ضد حكم البعث عام 1964، فيما عرف بأحداث «جامع السلطان». بعد أن يُعفى عنه من الحكم بالإعدام، بوساطة مشيخية قوية، سيعمل هذا المهندس الزراعي على تحريض تنظيمه، جماعة الإخوان المسلمين، على ممارسة جزء معطَّل من تعريفها: «الجهاد سبيلنا»، وإلا كيف سيكون «الموت في سبيل الله أسمى أمانينا» كما يتابع التعريف؟!!

لن تستجيب الجماعة لعضوها الثلاثيني الناري، وهو لن يغادرها لتأسيس تنظيم خاص، بل سيعمل على إشاعة أفكاره فيها واستقطاب من استطاع من شبابها المتحمسين في كتلة ستُعرف بوصف «مجموعة الشيخ مروان» قبل أن تتخذ اسم «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين» بعد مقتله في السجن بسنوات.

وكي لا يشبه الأمر قراءة كتاب لتعلم السباحة كانت المجموعة الناشئة تحتاج إلى التدريب. كان هذا صعباً في سوريا الستينات مع تنامي السطوة الأمنية، حتى أتيحت فرصة استثنائية عندما لمع نجم الثورة الفدائية الفلسطينية التي خاضت معركة «الكرامة» الناجحة ضد إسرائيل في آذار 1968، وبدت، للجماهير العربية المحبطة بعد هزيمة حزيران، طوق نجاة ذهبي وحيد بعد فشل الأنظمة الصاعق والمخزي.

كانت حركة «فتح» أبرز أيقونات المرحلة، وتبعتها فصائل أخرى متكاثرة، فاستفادت من الحاضنة الشعبية العريضة ومن ضعف السلطة الأردنية لتؤسس معسكرات للتدريب وتتسلل لتنفذ عملياتها داخل الأراضي المحتلة. ولم يكن الإخوان المسلمون بعيدين عن هذا الحراك والرغبة في دخوله.

كانت حركة «فتح» أبرز أيقونات المرحلة، وتبعتها فصائل أخرى متكاثرة، فاستفادت من الحاضنة الشعبية العريضة ومن ضعف السلطة الأردنية لتؤسس معسكرات للتدريب وتتسلل لتنفذ عملياتها داخل الأراضي المحتلة

كانت الجماعة قد أنشأت في بيروت ما سمّته «المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية» للتنسيق بين التنظيمات القطرية التي كان بعضها قد اكتسب استقلاليات متفاوتة بعد قمع الجذع الأساسي في مصر. وفي أروقة هذا المكتب دارت المشاورات حول المشاركة في العمل الفدائي لأسباب عديدة؛ كإحياء سنّة الجهاد والحصول على فرصة شرعية للتدريب وألّا تنفرد التيارات العلمانية واليسارية بقتال إسرائيل أمام «الأمة».

طُرحت في البداية فكرة إنشاء فصيل إسلامي، لكنها استُبعدت ما دامت ساحة العمل تعتمد على العلاقة مع مصر عبد الناصر وسوريا البعث، وهما عدوّان للتيار الإسلامي. ثم اتجه الرأي إلى القتال تحت عنوان حركة «فتح» التي كان عدد من مؤسسيها من إخوان قطاع غزة في الأصل. تحمّس لهذا الخيار إخوان مصر والخليج، فيما عارضه التنظيم الفلسطيني الذي خرج من صفوفه صلاح خلف (أبو إياد) وخليل الوزير (أبو جهاد) ومحمد يوسف النجار وكمال عدوان وغيرهم، ليسهموا في إنشاء «فتح» كحركة تضع القضية الوطنية فوق الخلاف الآيديولوجي، وتباينت مواقف الإخوان السوريين.

فقد كان عصام العطار، المراقب العام للتنظيم من الخارج، هو رئيس المكتب التنفيذي المشار إليه أعلاه، وقد تحمّس لخيار القتال، فيما تحفظت قيادات الداخل السورية على ذلك لاعتبارات أمنية، أما مروان حديد فوجدها فرصة سانحة لاستثمار حماس قواعد الإخوان الشابة وتدريبها في عمل لن يستطيع المعترضون الوقوف في وجهه بشكل حازم.

يرصد غسان دوعر، في كتابه «قواعد الشيوخ: مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1968-1970»، الذي صدر مؤخراً، مساهمة أعضاء في الجماعة من مختلف الأقطار في هذه المعسكرات، بالاعتماد على مقابلات مع من تبقى ممن شاركوا فيها، وقليل من المواد المكتوبة حول هذه التجربة.

في البداية اجتمع وفد من قيادات الإخوان مع وفد من «فتح» برئاسة ياسر عرفات واتفقوا على إنشاء قواعد خاصة بهم في إطار نفوذ الحركة وتحت رايتها. على أن تزود الجماعة هذه القواعد بالمتطوعين والكوادر، وتجهزها «فتح» وتموّنها بالسلاح والذخيرة والطعام ورواتب المتفرغين أسوة بباقي قواعدها، وتبقى للإخوان الحرية الكاملة في التدريب والمناهج التربوية والشؤون الخاصة. وأخيراً فإن العمليات التي ينفذها هؤلاء ستعلن باسم قوات العاصفة، الجناح العسكري للحركة.

عُرفت هذه المعسكرات باسم «قواعد الشيوخ». وابتدأت بخيمة واحدة ووصلت إلى ثماني قواعد. كان الإخوان فيها يقدمون قوائم متطوعيهم بأسماء حركية، ثم في نماذج خاصة تضم الأسماء الحقيقية والمستعارة. ورغم الاتفاق رفد الإخوان هذه القواعد مالياً لتحصل على أفضل الأسلحة والذخيرة. وكان الإخوان السوريون هم الأكثر عدداً بعد الأردنيين، على الرغم من إصدار نظام 23 شباط قراراً بحظر سفر أي سوري إلى الأردن إلا لزيارة أقارب من الأصول أو الفروع. لكن المجموعات التي كان مروان حديد يرسلها، عبر رشيد العيسى في دمشق، كانت تصل بشكل منتظم إلى المعسكرات. إذ كان العيسى يستقبلهم في الشقة التي استأجرها في حي البرامكة، كطالب في كلية الطب، ويزودهم ببطاقات عضوية في حركة «فتح»، ويتولى تسفيرهم.

عُرفت هذه المعسكرات باسم «قواعد الشيوخ». وابتدأت بخيمة واحدة ووصلت إلى ثماني قواعد. كان الإخوان فيها يقدمون قوائم متطوعيهم بأسماء حركية، ثم في نماذج خاصة تضم الأسماء الحقيقية والمستعارة. ورغم الاتفاق رفد الإخوان هذه القواعد مالياً لتحصل على أفضل الأسلحة والذخيرة. وكان الإخوان السوريون هم الأكثر عدداً بعد الأردنيين

بدوره أرسل عصام العطار بعض محازبيه من الخارج، لكن عددهم كان قليلاً بالمقارنة مع من أرسلهم حديد الذي زار، مع عدد من قيادات الإخوان السوريين الموافقين له، هذه القواعد التي ستبرز فيها أسماء تلاميذه ممن سيكون لهم دور محوري في «الأحداث» السورية في السبعينات والثمانينات، كوريثه طبيب الأسنان الحموي عبد الستار الزعيم الذي سيقع على عاتقه تحويل «مجموعة الشيخ مروان» من تيار صغير غائم إلى تنظيم قوي، وحسني عابو الذي برع في دروس حرب العصابات وسيصبح قائد الطليعة في حلب، وعمر جواد الذي سيكون قائدها في حماة عند انفجار صدامها الأخير مع السلطة عام 1982.

وبين المشاركين الفلسطينيين سيبرز عبد الله عزام، المرجع اللاحق للمجاهدين العرب في أفغانستان، الذي سيتلقى في «قواعد الشيوخ» تدريبه العسكري الأول، وسيستدعيه الرصد الثوري لحركة «فتح» للتحقيق لأنه كان ينتقد غيفارا في خطبه في قاعدة «بيت المقدس» التي تولى إمارتها، ومنها قاد عدداً من العمليات التي شارك فيها الزعيم كرامٍ متميز لقذائف الآر بي جي، وقُتل فيها أحد المتطوعين السوريين فرافق عزام جثمانه إلى حماة حيث أقام أياماً، في أيلول 1970، وهناك تأثر بحديد ووصفه بأنه: «قنبلة موقوتة مرفوع صاعقها»..

شارك برأيك

أشهر الوسوم