في بعض ملامح موقف التيار المحافظ من الثورة

الشيخ فتحي صافي(إنترنت)

استمع الشيخ فتحي صافي بصبر إلى سؤال أحد المستفتين على أثير إذاعة خاصة تبث من دمشق. ولما أنهى المتصل كلامه، وتبيّن أنه أقام علاقة غير شرعية مع فتاة، غضب الشيخ وأخذ يلوم الشاب، عازياً ما حصل إلى «الاختلاط والنت»، كما هو مألوف الخطاب الديني، ثم استطرد قائلاً بشكل مفاجئ: «وهي الحرية!.. وهي الشي اللي طلبته الناس!».

بدا الأمر غريباً من أكثر من وجه؛ أولها أن السؤال لا يتعلق بالشأن العام أصلاً، وثانيها أن الشيخ كان قد تجنب إبداء موقفه من هذه القضايا قبل «سبق اللسان» أو زلته هذه، رغم الشهرة الكبيرة التي حازها منذ العام الماضي، والتي جعلته في مركز الأضواء والمتابعة وطلب الرأي، بعد عمر طويل قضاه مغموراً.

كما بات معروفاً للكثيرين، خاصة في دمشق وسواها من مناطق النظام، وصولاً إلى المهاجر، فبعض بيئات الثورة؛ يقدّم الشيخ نفسه انطلاقاً من حادثة مركزية هي توبته بعد أن كان مغرقاً في الموبقات، وتحوله إلى طلب العلوم الإسلامية والتحاقه بركب المشايخ، دون أن يزعم لنفسه ما يناظرهم من الأهلية الفقهية أو الصلاح، في تواضع يبدو أصيلاً، وبلهجة عامية أسهمت، هي الأخرى، في احتلاله مكاناً سريعاً في القلوب.

عندما تبحث في الإنترنت ستستنتج فوراً أنه شيخ قليل المثال، حين تطالعك النتائج الأولى بمقاطع فيديو من نوع: «اضحك من قلبك مع الشيخ فتحي الصافي»؛ «قصص الشيخ فتحي مع أغاني أم كلثوم»؛ «الشيخ فتحي الصافي وقصتو مع زوجتو»؛ «أجمل شيخ شفتو»؛ «قصة عنتر بن شداد يرويها الشيخ فتحي الصافي». بالإضافة، طبعاً، إلى حكاية توبته التي رواها في مناسبات لا تكاد تنتهي.

والحق أن القصص الواقعية التي يرويها الشيخ بأسلوب عفوي سلس، بلهجته الشامية، مع ما تتطلبه من انفعالات؛ قد أضافت إلى جاذبيته وتفاعل الناس مع دروسه التي انتشرت بشدة مؤخراً، مع شيوع تداول المقاطع القصيرة على فيسبوك وواتساب بين السوريين.

يقدم فتحي صافي عرضاً (show) لا يشبه ما ألفه الناس عن تزمت المشايخ وهيبتهم. رغم أن المحتوى الفعلي لهذا العرض، كما يتبين من تفحص مجموع الدروس والفتاوى، لا يخرج عن خطاب عموم مشايخ الشام، «مشايخنا» كما يكرر، دون تساهل يوازن هذا الشكل الجديد. وهنا يجدر بالمرء أن يصدّق الشيخ حين يضع نفسه في رتبة التلميذ المقلّد، إذ يقتصر نتاجه الشرعي على عدة رسائل، يقع معظمها في بضع صفحات فقط، تتناول مسائل فقهية ذائعة، مثل حكم دخول الحائض المسجد، وأحكام الحج والعمرة، والصيام، والأحوال الشخصية. بالإضافة إلى كتيب صغير بعنوان «الجانب المشرق من تجربتي في درعا». وفيه يسجل انطباعاته عن بلدات وقرى هذه المحافظة التي شهدت انطلاقته كواعظ وخطيب في التسعينات، قبل أن ينتقل إلى مدن ريف دمشق، فمساجد دمشق حديثاً.

ودون أن يقصد، يقدّم الكتيب مفاتيح هامة لفهم صاحبه.

فمن جهة أولى يبدو الشيخ شديد التقليدية الدينية والاجتماعية. إذ يوجه أعلى مدائحه إلى تمسك الرجال «باللباس العربي»، والنساء «بالجلابيب السابغة». فيما يبدو الاختلاط في سوق إزرع عيبها الوحيد، مقارنة مع بصر الحرير التي لا ترى فيها نساء، «فإن رأيت إحداهن مصادفة فلثامها يغطي وجهها ومشيتها متعجلة». دع عنك مليحة العطش «النموذجية» إذ لا ترى امرأة على شرفة، «مما يدل على حشمة النساء وغيرة الرجال».

ومن جهة أخرى يبدو شديد الانسجام مع الموقع المحدد للشيخ في المجتمع، بوصفه مقيم الشعائر ورجل الوساطات والمناسبات الاجتماعية، بالتعاضد مع بنية بطريركية من الوجهاء المحترمين، سواء أكان الواحد منهم «شيخ عشيرة» أو «مستشاراً سابق» أو «مدير الشؤون الاجتماعية والعمل» أو «عضو مجلس الشعب» أو «اللواء»؛ أم كان من «الإخوة القادة، كالدكتور سليمان قداح» الأمين القطري المساعد لحزب البعث!

ليس الشيخ فتحي صافي، إذاً، موالياً للنظام السوري، وإلا لأعلن ذلك واستفاد، ببيع شعبيته الكبيرة، مما يمكن أن يحظى به من مكاسب. إنه موال «للنظام»... أي نظام! كما أنه ليس معادياً للثورة السورية، وإلا لباع الموقف في دمشق أيضاً. إنه ضد «الثورة»... أي ثورة!

وفي الحقيقة إن انقسام السوريين إلى ضفّتي الثورة والنظام قد ضيّع الكثير من معالم الرأي المحافظ. ونقصد هنا المعنى السياسي لهذه الكلمة، وإن ارتبطت المحافظة السياسية، عادة، بالمحافظة الدينية في كثير من المجتمعات. ولكنها في السياسة تيار من مناهضي الثورات، لا حباً في وضع قائم بعينه، ولكن لأن خلخلة المجتمع بالطريقة التي تحدثها الثورات أكبر مما يطيقون. وهم في العادة من الطبقات الوسطى، والأعمار التي تتجاوز الأربعين، والبنى الاجتماعية المستقرة والوظائف الثابتة، ومن مؤيدي «الإصلاح» وسيلة للتغيير.

وقد أسهم في تضييع معالم التيار المحافظ عندنا تلاعب النظام بالإصلاح نفسه، مفهوماً وقوانين وإجراءات، واستغلاله كذريعة لكسب الوقت ولخداع الخارج الغاضب كلما لزم الأمر. كما أسهم في ذلك تلطي الكثير من مؤيدي القتل وراء يافطة «الأغلبية الصامتة» أو «التيار الثالث»، فيما تكشف المواقف التي يظهرونها في اللحظات المفصلية عن تهافت رماديتهم ودرجة ادعائها.

وبالعودة إلى التهمة التي ندت عن الشيخ من أن العلاقات خارج الزواج هي من نتائج «الحرية والشي اللي طلبته الناس»، فالملاحظ أنها ترجع إلى السنة الأولى للثورة، وأنها كانت شائعة في اتهامات أجهزة النظام وجمهوره للمتظاهرين، قبل أن تغلبها تهم التطرف!

لننظر إلى الثورة بعيني الشيخ منذ 2011: خرج الناس إلى الشوارع، بما يعنيه ذلك من اختلال «سنّة» الهرمية. شباب صاخبون بشعور طويلة ولحى شعثاء، ونساء بأصوات مرتفعة. بدأت «الفتنة» التي هي أشد من القتل، رغم أنه صاحَبَها فوراً. ثم أخذ المجتمع ينهار حين صارت الأسر تهاجر إلى المجتمعات الغربية/الغريبة، حيث يمكن للمرأة أن تطلب الطلاق بحماية قانونية مشددة، وحيث سيُهدر جيل كامل من الأطفال الذين لن يألفوا صوت الأذان ولن يحرصوا على الذبائح الإسلامية.

في الرابعة والستين من عمره، مريضاً بالسرطان، يجد الشيخ، ابن حي الصالحية الشعبي، نفسه دون «عزوته»؛ أولاده الذكور الثلاثة الذين هاجروا هرباً من الانخراط في القتال كما يبدو. تم هذا بمباركة منه، على الأرجح، ولكن دون سعادة بالتأكيد. ما هذه الثورة التي تركت البيت خاوياً من الأولاد والأحفاد!!!

وفي نهاية الأمر، ليس فتحي صافي من مشايخ السلطان بل من «مشايخ الأوقاف» التي يُظهر احترامه للاندراج فيها على الدوام... ولكن هل بقي فرق؟!!

شارك برأيك

أشهر الوسوم