في انتظار المؤرخين الجدد الإيرانيين!

مقاتلون من الجيش العراقي خلال حرب الخليج الأولى(إنترنت)

في ذكرى الحرب العراقية الإيرانية الثامنة والثلاثين التي وقعت في مثل هذا الشهر نتذكّر ما سُمّي بـ (المؤرخين الجدد) الإسرائيليين الذين أُتيح لهم الاطلاع على الأرشيف الوطني الإسرائيلي في سنة 1988 بموجب القوانين الإسرائيلية التي تقضي بفتح الأرشيف الوطني بعد أربعين سنة، فأعادوا كتابة التاريخ المعاصر وفق كل ما استجدّ من وثائق ومعطيات ويأتي على رأس هؤلاء المؤرخين بينّي موريس بمقالته الرائدة الصادرة بالإنكليزية في1988  بعنوان: "حركة جديدة: إسرائيل تواجه ماضيها"، وإيلان بابيه بكتابه: "التطهير العرقي لفلسطين"، وشلمو ساند بكتابه: "اختراع الشعب اليهودي"، ناهيكم عن سامي شوحا، وشلومو سويرسكي، وبار يوسف، وبارون أرزاحي.

كانت حصيلة دراساتهم، بعد اطلاعهم على الوثائق الرسمية أن فكّكوا الصورة المثالية والرومانسية للتجمعات الاستيطانية قبل نشوء الكيان الإسرائيلي، ثم برهنوا من خلال الوثائق على أنّ:

1 ــ الصهيونية حركة استعمارية كولونيالية.

2 ــ موجات الهجرة اليهودية هي تعبير عملي عن هذا الاستعمار.

3 ــ حرب 1948 جزء من عمليات تطهير عرقي للسكان الأصليين.

وبذلك نسفت الرواية الصهيونية من جذورها، وفقدت إحدى أهم حججها وأدواتها.

ولأنّ سنّ الأربعين هو سن اكتمال الرؤية، واتضاح الصورة، واختمار التجربة، ونضوجها، واستمرار ثباتها أو بدء سقوطها فإننا نأمل أيضاً أن نرى المؤرخين الإيرانيين اليوم، وهم قاب قوسين أو أدنى من مرور أربعين سنة على (الحرب العراقية الإيرانية) وقد نهضوا لإعادة كتابة تاريخ هذه الحرب، بعد أن أمدّتهم الظروف الحالية بالمعطيات التاريخية الجديدة، فلديهم اليوم كمية وافرة من المعلومات والشهادات والشهود والذكريات والمذكرات التي بدأت بالظهور أخيراً. ولا أظن أننا في حاجة إلى تفصيل القول حول الفوائد والعوائد لعمل تاريخي أكاديمي موثَّق يلتزم المعايير العلمية في إعادة سرد أحداث بداية هذه الحرب، وفي مسبباتها!

لقد حان الوقت لرسم الصورة الكلية الجامعة حول دور الدول المحيطة في إذكاء تلك الحرب، والنفخ فيها، بدءاً من دول الخليج، وتحديداً السعودية التي تلمّست عقالها خوفاً من أن يجتاحها مدّ الثورة الإسلامية، فسارعت إلى دعم صدام، في حربه، دعماً غير محدود ولا مشروط، ومروراً بسوريا التي كانت في تلك اللحظات تستطير رعباً من مغامرة قد يقودها صدام حسين لالتقامها، وسحب البساط البعثي من تحت أرجلها، ولا سيما أن معظم القيادات البعثية كانت في ضيافته وتحت جناحه، مما حدا بحافظ الأسد ليسارع إلى دعم إيران دعماً شاملاً كاملاً. أما إسرائيل التي كانت ترى في كلا النظامين عدواً محتملاً ومقتدراً فبادرت إلى دعمهما معاً لتستعر نيرانهما، وتحرق أخضرهما ويابسهما.

في تلك الحرب وضعنا اللوم ابتداءاً على الرئيس صدام حسين، ونظامه البعثي الذي شرع بالهجوم والتوغل في الأراضي الإيرانية، لتشهد المنطقة حرباً من أطول الحروب وأشرسها وأدماها في القرن المنصرم.

ولكن بعد موت الإمام الخميني ونضوج رؤية بعض أصحابه والمقربين الملازمين له، ومراجعتهم لسير أحداث هذه الحرب غدت الصورة أكثر وضوحاً لنا، وعرفنا مقدار مسؤولية الإمام الخميني والثورة الإسلامية فيها.

ولعل عمل المؤرخين الإيرانيين الجدد لن يتوجّه إلى تبرئة النظام العراقي من تلك الحرب العبثية، ولكن إلى إشراك النظام الإيراني في مسؤوليتها والتسبّب بها، فقد كانت الرواية الرسمية تقول، ونقول معها: إن المسؤول الأول عن هذه الحرب هو صدام حسين، وكان الحري بها وبنا القول: إن (مبدأ تصدير الثورة) هو المسؤول الأول عنها. ولو أننا قرأنا تاريخ التجارب السياسية والممارسات الثورية فإننا لن نجد دعوة ورهاء كدعوة (تصدير الثورة)! حيث لم يدرك الإمام الخميني حتى مماته أنّ الثورة ليست سلعة يمكن تصديرها، من خلال دعم المنظمات والأحزاب الإسلامية الشيعية ذات التوجه الانقلابي، أو ممارسة سياسة المكائد والدسائس والاغتيال، أو توجيه مكبرات الصوت والإذاعة إلى المدن الحدودية العراقية لتحريض شعب مجاور على القيام والانتفاض، كتلك النداءات المتكررة:

متى ستقوم يا علي! هبّ من مرقدك وأطلق سراح شعبك.

قم يا حسين! وحرر أبناءك ومريديك وعشاق الشهادة.

قومي يا زينب!

يا زينب قومي!

ولكن بدلاً من قيام أولئك الأئمة قام صدام حسين بكل جبروته وصلفه ورعونته، فتغدى بهم قبل أن يتعشوا به.

يحدثنا الأستاذ أحمد المهري، وهو أحد ملازمي الإمام منذ أيام منفاه في العراق، إلى حين وفاته، عن السفير الإيراني في العراق قبيل الحرب، وكان اسمه دعائي، أنه كان يتوسل إلى المسؤولين الإيرانيين أن يغيّروا سياستهم تجاه العراق، وأن يعتمدوا سياسة المصالحة والاحتواء بدل المواجهة وكسر الرأس، لأنّ هذا سيجنّب البلدين نتائج كارثية لا يعلم مداها إلا الله، ولا غرو! فالنظام الإسلامي الذي يستطيع أن يقيم أوثق عرى الصداقة والأخوّة والعلاقة الاستراتيجية مع النظام البعثي العلماني في سورية بلا تأثّم ولا حَرَج لا يصعب عليه أن يقيم مثلها مع النظام البعثي العلماني العراقي.

غير أنّ الثأر الشخصي للإمام مع النظام العراقي الذي طرده قبل سنتين من العراق كان هو الموجّه والمسيّر لجميع الأحداث، وكان لا بدّ من أخذه واستيفائه ولو على حساب تدمير أهم بلدين في المنطقة، وبنفقة من دماء مئات آلاف الرجال والشباب واليافعين، ومن دموع ملايين النساء والآباء والأمهات والأطفال!!

ونشبت (قادسية صدام) في شهر أيلول/سبتمر من عام 1980 وغدا اسمها في إيران (الدفاع المقدس)، ولا غرو فكل شيء في إيران منذ استلام الملالي غدا مقدساً، باعتبار أنّ (سياستنا عين ديننا)، وفي حزيران/يونيو 1982 استعادت إيران كامل أراضيها، وأسرت أحد عشر ألف جندي عراقي، فعرضت الحكومة العراقية في الشهر ذاته مبادرةً لوقف إطلاق النار، واللجوء إلى التحكيم والتفاوض، للوصول إلى حلِّ النزاع بين البلدين، ومباشرةً قدّم العقلاء من المحيطين بالخميني من أمثال: مهدي بازركان، وحسين علي منتظري، وعلي أكبر رفسنجاني، النصيحةَ بقبول هذه المبادرة، واللجوء إلى المفاوضات، لكن الخميني بعد يومين ظهر على التلفاز وقال: "جاءني بعضهم ليقنعني أن أوقف القتال، ونقعد على طاولة المفاوضات، بحجة أنّ الوطن تحرَّر! وقد أجبتهم: أيّهما أهمّ الوطن أم الإسلام؟ إذا تحررت الأرض فما زال الإسلام أسيراً في قبضة النظام البعثي الجائر"!

وهكذا استمر إرسال أبناء إيران اليافعين ليلقوا حتفهم في حرب الخنادق واجتياز حقول الألغام بالأجساد التي تمّ تشبيهها حرفياً بالحرب العالمية الأولى في وسائلها، وتكتيكاتها، وسبل مواجهاتها.

وبعد ست سنوات من هذا العبث ستنتهي الحرب بقرار من مجلس الأمن، وسيقبله الطرفان، وسيظهر الخميني في خطاب إذاعي ليقول: "ويلٌ لي لأني ما زلت على قيد الحياة لأتجرَّع كأس السمّ بموافقتي على اتفاقية وقف إطلاق النار".

وبعد فترة وجيزة سينُقل عن خليفة الإمام الخميني الشيخ المنتظري أنه دعا إلى تقديم اعتذار أمام الشعب لإطالة هذه الحرب التي كان يمكن اختصار ست سنوات من أمدها، وتجنيب الشعب الإيراني مئات آلاف الضحايا، ولكن الخميني رفض ذلك رفضاً قاطعاً.

إن أمام المؤرخ الإيراني اليوم مهمة جليلة في تتبع شهادات هذه الشخصيات الذين أتينا على ذكر بعضهم، إضافةً إلى شهادات المقربين منهم، وتتبع مذكراتهم، وفي استقصاء جميع ما يطلق عليه (وثيقة تاريخية)، لاستخلاص حقيقة سير الأحداث كما حدثت لا كما سُردت وفق الرواية الرسمية الإيرانية أو حتى العراقية.

 

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم