في الفصام ونشوة الإجرام

لا يرى بشار الأسد نفسه سوى أنه صاحب مُنجَز كبير، ولا تكمن عظمة هذا المنجز – وفقاً لما يراه بشار- في كونه استطاع الإجهاز على الثورة السورية فحسب، بل في قدرته أيضاً – بحسب ما يرى نفسه – على عرقلة ثورات الربيع العربي أيضاً، ووضع العصي بين عجلات قطار الحراك الثوري الذي كان يؤذن باجتياح المنطقة، ويطال معظم أقران الأسد من الحكام الطغاة. ولعلّ هذا التصوّر المُتَخيّل لرأس النظام، هو ما جعله يرى في نفسه ذلك الحكيم الذي استطاع الوقوف في وجه الإرهاب ، بل والإسهام في وقف انتشاره أو امتداده نحو الآخرين، الأمر الذي حدا به إلى إصدار قائمة بأسماء ( 621 ) شخصية، من جنسيات مختلفة، وذات توجهات واختصاصات متنوعة،(سياسيون – فنانون – مثقفون – رجال دين)، ومن هذه الشخصيات المذكورة رؤساء دول ووزراء ونواب في البرلمان، وجميع هؤلاء محكومون بالانتماء إلى الإرهاب، أو من الممولين له، لأنهم ناهضوا سياسة العنف التي مارسها الأسد، إبّان مواجهته للثورة السورية، وأدانوا نهجه الإجرامي بحق السوريين.

يمكن القول بكل تأكيد، إن قائمة الأسماء المذكورة لم يكن المراد إيصالها أو بيانها للشعب السوري، بقدر ما هي رسالة موجهة للعالم العربي، بل وخصيصاً لأنظمة الحكم العربية التي تقف متردّدةً في إعادة علاقاتها الرسمية مع نظام دمشق، بل ربما نظرت بإعجاب إلى قدرة الأسد على التصدّي لتطلعات شعبه، وباتت ترى فيه النموذج الأمثل في قمع حركات التحرر، والإيغال في العنف المفرط الذي تجاوز كل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، إذْ تعززت القناعة التامة لدى كثير من الحكام العرب، بأن إبادة الشعوب بالسلاح الكيمياوي والبراميل المتفجرة، واستخدام المحارق الجماعية في السجون، واستئصال السكان من مدنهم وبلداتهم ورمْيهم في العراء، كل ذلك لا يمكن أن يثير حفيظة المجتمع الدولي، طالما أن المعايير الناظمة للمواقف الدولية لا تنتمي قطّ إلى منظومة القيم الإنسانية سوى من حيث الشكل فقط، بل الاعتبار الجوهري

ألم يقل بشار الأسد للسوريين عام 2011، أن ما حصل في تونس ومصر وليبيا لا يمكن أن يحصل في سوريا؟ ثمّ ألمْ يتهم بشار الأسد جميع السوريين بالإرهاب، وبالتالي وعد باستئصالهم؟.

ينبع من مفاهيم المصالح المادية بالدرجة الأولى، ووفقاً لذلك، لا يرى الحكام العرب في استقواء بشار الأسد بروسيا وإيران وجميع شذّاذ الأرض على شعبه، سوى أن ذلك ضربٌ من فن إدارة الأزمة، وقدرة أو حنكة على الالتفاف على الخصم ( الشعب) ليس بهدف إجهاض مطالبه فحسب، بل والشروع في تأديبه وجعْله عبرة لغيره من الشعوب التي تراودها رغبة في التحرر من الاستبداد والظلم.

ثمة شعور زائف بالعظمة، بدا يتنامى في نهاية العام 2018 لدى بشار الأسد، مبعث هذا الشعور عاملان اثنان، أولهما حالة (الفصام) التي باتت تتلبّسه بقوّة، حين وجد أن وعوده التي أطلقها حين انطلاقة الاحتجاجات السلمية قد حققها بالفعل، ألم يقل بشار الأسد للسوريين عام 2011، أن ما حصل في تونس ومصر وليبيا لا يمكن أن يحصل في سوريا؟ ثمّ ألمْ يتهم بشار الأسد جميع السوريين بالإرهاب، وبالتالي وعد باستئصالهم؟.

ولئن كان داء( الفصام) كحالة مرضية، هي النتيجة الطبيعية التي تنتاب جميع الطغاة والجبابرة في العالم، وتصل إلى تجلياتها القصوى لدى مدمني الإجرام بحق الشعوب، فإن ما عزّز هذه الحالة لدى قاتل السوريين، وحوّلها لديه إلى حالة من الشعور بالزهو والنشوة، هي مجمل المبادرات التي بدأ بها أقران بشار من الحكام العرب، بدءا من زيارة الرئيس السوداني إلى دمشق في 16 كانون الأول 2018 ، ثم قرار دولة الإمارات بعودة علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأسد، واستعداد الكويت للقيام بخطوة مماثلة، وكذلك الزيارة المرتقبة بتاريخ 10 – 1 – 2019 للرئيس الموريتاني، وصولاً إلى الحديث بجدية عن تعليق تجميد عضوية النظام الأسدي في الجامعة العربية، ولعل أهم ما في الأمر، أن جميع هذه المبادرات لعودة احتضان الأسد تجري تحت شعار: أهمية دور سوريا في خارطة الصراع العربي الإسرائيلي، والدور الرائد لسوريا في حماية الأمن القومي العربي، الأمر الذي يعني أن ما يقوم به رأس النظام منذ عام 2011 وحتى اللحظة، من عمليات قتل وتشريد وخراب بحق السوريين، ما هو إلّا نضال في مواجهة العدو الإسرائيلي، وسعي في سبيل الحفاظ على الأمن القومي العربي، وهذا ما أوجب مكافأة بشار الأسد على هذا المنجز القومي العظيم. ولعلّ من طريف المفارقات

ماهية نظام الأسد لن تتغيّر، ولو احتضنته دول العالم أجمع، فلن تستطيع تجريده من صفة الإجرام التي باتت إحدى سماته الجوهرية

في سلوك أقران الأسد من الطغاة، وخاصة دول الخليج، هو مناصرتهم لثورة السوريين إبان انطلاقتها، ليس تأييداً لمطلب السوريين في الخلاص من نظام الاستبداد وإقامة دولة القانون والعدالة والديمقراطية، بل رغبةً في محاربة إيران على الأرض السورية، للحيلولة دون تمدد شرورها إلى بقية الدول العربية، انطلاقاً من يقين سائد لدى الجميع، بأن زوال نظام الأسد هو أحد أشكال تقزيم النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، أمّا اليوم فأصبح الشكل الأمثل لمحاربة إيران هو العودة إلى احتضان نظام الأسد، والعمل على إعادة إنتاج وحشيته، وشرعنة إجرامه من جديد.

ما هو ثابت أن ماهية نظام الأسد لن تتغيّر، ولو احتضنته دول العالم أجمع، فلن تستطيع تجريده من صفة الإجرام التي باتت إحدى سماته الجوهرية، وإنْ كان ثمة فائدة ترجوها بعض الأطراف العربية المتلهفة لاحتضانه وتبنّيه من جديد، فإنها لن تكون سوى السفور الكامل لما تبقى من قبح أخلاقي وإنساني لدى تلك الأطراف ذاتها. ويجب ألّا ينسى الجميع، أن أقرب المقربين إلى بشار الأسد، بل الذين يدين لهم ببقائه في السلطة، وأعني الروس على وجه الخصوص، قد نعتوه ب (ذيل الكلب)، كما نعته ترمب ب(الحيوان)، إلّا أن هذا (الذيل – الحيوان) وفقاً للروس والأميركان معاً، ما زال قابلاً للاستهلاك، وحين تنتهي صلاحية استهلاكه، فلن يورث أقرانه سوى المزيد من لعنات السوريين.

شارك برأيك

أشهر الوسوم