في إنصاف الثورة السورية وأسئلتها

بداية، سأعترف أنني منحاز كلياً للثورة السورية، بعجرها وبجرها، وأعترف أنني قد أكون قاصراً في انحيازي التام هذا عن رؤية كل معايبها، ف "عين الرضى عن كل عيب كليلة"، لكنني سأعترف أيضاً، أن ما أنحاز إليه هو جوهر هذه الثورة، ومعناها، وحتميتها، وليس إلى تلك التفاصيل التي يحاول كثيرون الآن استعمالها كدلائل على صحة وجهات نظرهم المتناقضة.

نادراً ما عرف التاريخ ظرفا شبيهاً بالظرف الذي عرفته سوريا خلال العقود الخمسة الماضية، أو عرف ظرفا مشابهاً للظرف الذي رافق الثورة السورية منذ بدايتها وحتى اللحظة، ولست هنا بوارد تناول كل هذه الحيثيات التي تجعل من هذا الظرف استثنائياً ونادراً، لأنها معروفة أولاً، ولأنها كثيرة، ثانياً، بحيث لا يتسع مقال كهذا لها، لكنني سأذكر أمراً واحداً، وهو أنه من النادر أن تكون ثورة بكل هذا الحق الذي تحمله على كتفيها، وبكل كثرة الأعداء الذين يريدون وأد هذا الحق، وقوتهم.

ثورة مغدورة، ويتيمة، ومخنوقة، ومخذولة، ومستباحة، ألا يكفي كل هذا لنقف في حضرة هذه الثورة - التي لم تنطفئ طوال ثمان سنوات وأكثر، والتي دفعت ما يصعب على أي مجتمع آخر مهما بلغت حضارته ورقيه وسماحته دفعه-، بكل الاحترام والإنصاف الذي تستحقه؟

هل تشوه وجه هذه الثورة؟ نعم.

هل انحرفت عن جوهرها إلى هذا الحد أو ذاك؟ نعم.

هل امتطاها الفاسدون واللصوص وتجار الدم؟ نعم.

هل استغلتها أطراف دولية كثيرة على نحو يناقض ما قامت من أجله؟ نعم.

هل يمكن للسوريين أن يستعيدوا وجه ثورتهم الحقيقي؟

لكن هل فقدت شيئا من قوة الحق الذي تحمله؟ لا.

هل فقدت شيئا من شرعيتها ووجوبها وحتميتها؟ لا.

هل تخلى السوريون عنها وعن حلمهم بها؟ لا.

إذا أليس من الأجدى الحديث عن استعادة وجهها الحقيقي، بدلاَ من المشاركة في وأدها؟

أليس من الواجب الدفاع عن حقها الذي تضاعف وأصبح جلياً للعالم كله، وعن شرعيتها التي تعلو كثيرا عن أي منطق يريد إفقادها هذه الشرعية؟

لكن هل يمكن للسوريين أن يستعيدوا وجه ثورتهم الحقيقي؟

إنه سؤال بالغ الأهمية، والسوريون وحدهم من يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، لكن هذه الإجابة ليست ممكنة قبل أن نجيب عن أسئلة أخرى:

1-      هل يمكن ترميم ما فقدناه من ثقتنا بأنفسنا كـ "أفراد"، أولاً، وكـ "سوريين" ثانياً.

2-      وهل لدينا القدرة على الثقة بسوريين آخرين، نتشارك معهم الحلم والهدف؟

3-      وهل نؤمن أن العمل الجمعي المنظم هو بوابتنا الوحيدة لاسترجاع وطننا؟

بالتأكيد لا يكفي أن نجيب عن الأسئلة السابقة بالإيجاب، رغم ضرورة هذا الإيجاب، فإعادة الثورة إلى حقلها الأساسي، بوصفها ثورة شعب ضد عصابة "مافيوية" مجرمة تختطف الدولة والمجتمع والسياسة و..، يتطلب ما هو أبعد من ذلك.

نحن بحاجة لأن نتخلى عن مفرداتنا التقسيمية والتصنيفية والتي استسهلنا استعمالها خلال هذه السنوات الثمان، مفردات ساهمت، بوعي أو بدون وعي، بتعميق الشرخ بين السوريين، مفردات ذات رمزية ما، أو حمولة طائفية أو عنصرية، أو طبقية... مفردات ترضي النزعة "المتشاوفة" عند البعض، وتستثير نزعاتهم وغرائزهم "الهوياتية" الصغرى، لكنها تمزق الهوية الجامعة وتهددها، وللأسف فإن أكثر من استخدم هذه المفردات هم من يحسبون على شريحة المثقفين أو السياسيين، وقد يمكن الذهاب أبعد من ذلك، فنلغي حتى تصنيف المعارضة والمولاة، فهذا التصنيف له دلالة سياسية ويحمل اختلافا بين برنامجين سياسيين، لكن واقعنا السوري ليس كذلك، فنحن لا نختلف مع العصابة التي تحكم سوريا حول برنامج سياسي، إننا نختلف معها حول معنى الوطن، ومعنى المواطنة، ومعنى الإنسان ومعنى الكرامة والحرية والوجود، ولعل التصنيف الأقرب الآن لملامسة واقعنا السوري هو استعمال تصنيف "أسديين" في مواجهة "سوريين".

ونحن بحاجة لأن نؤمن أن خلاص سوريا لن يكون إلا على يد كل السوريين، وليس من جهة "المعارضين" فقط، بل ومن جهة من نصنفهم "موالين" أيضا، فالنسبة الساحقة من السوريين عرفت جيدا حقيقة العصابة التي تحكم سوريا، وعرفت بمن تثق، ومن هو الحريص على سوريا، وأدركت اليوم بعد هذا الدرس القاسي جدا ماذا تريد، وما ينقذها.

يجب أن نتجه جميعا إلى خطاب واعٍ ومسؤول، ويؤسس لتلاقي السوريين، وليس إلى المزيد من تشرذمهم، وهذا الخطاب

عندما يشعر أي سوري أنه قلق بسبب انتمائه الطائفي، أو القومي، أو العشائري، أو أي تصنيف غير التصنيف القانوني، فإن هناك خطأ في خطاب هذه الثورة

يجب ألا يشعر أي سوري عند سماعه بأنه مهدد بسبب تصنيف ما. خطاب لا يدفع إلى القلق إلا أولئك الذين أجرموا بحق الشعب السوري، وحتى هؤلاء فإن المرجع الوحيد لتقرير مصيرهم هو القضاء.

عندما يشعر أي سوري أنه قلق بسبب انتمائه الطائفي، أو القومي، أو العشائري، أو أي تصنيف غير التصنيف القانوني، فإن هناك خطأ في خطاب هذه الثورة، وعليه فإن كل السوريين -غير المجرمين – يجب أن يكونوا واثقين أن مصلحتهم، ومصلحة وطنهم، تكمن في إنهاء صيغة العسف والقمع التي حكمت السوريين لعقود، وأن القادم لن يضيم أحدا، وأن المتهمين الوحيدين في سوريا هم من قاموا بارتكاب أفعال جرمية يحاسب عليها القانون، سواء ارتكبوا أفعالهم الجرمية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وعندما نقتنع أنه ما من سبيل لنا كسوريين إلا المضي في خيارنا الذي اخترناه، وأن خيارنا لم يكن ترفاً، ولا اعتباطاً، وأننا أرغمنا عليه بدلالة عقود من الظلم والامتهان والاذلال واغتصاب الحقوق، وبعد أن صبر السوريون حتى ملَّ الصبر صبرهم، عندها سنتلمس طريقنا بوضوح إلى سوريا التي تلمنا جميعا كسوريين.

من يريد أن يتكلم باسم السوريين يجب أن يحوز على ثقتهم، لكن يجب أن يدرك قبل محاولة كسب هذه الثقة أن السوريين لن يمنحوا بعد الآن ثقتهم لأحد اعتباطاً، ولن يثقوا بأحد بسهولة، فقد اكتووا كثيراً بنار الخديعة، لكنهم كلهم متعطشون لفعل حقيقي يكون محل ثقتهم ليلتفوا حوله، وعندما يقتنعون أن هناك جهة تستحق الثقة سيمنحونها ثقتهم، ويقفون إلى جانبها بكل ما يستطيعون. والسوريون شعب معطاء إلى أبعد الحدود عندما يثق، وخصوصا في قضاياه الكبرى.

شارك برأيك

أشهر الوسوم