في أربعين الثورة الإيرانية

تسنى لأبناء جيلي أن يتابعوا أخبار الثورة الإيرانية أولاً بأول. كنا وقتها في مطلع مرحلة الدراسة الجامعية، وبداية اهتمامنا بالسياسة. وكانت السياسة، في ذلك العصر، تكاد أن تكون أيديولوجية تماماً، بالمعنيين الإيجابي والسلبي لكلمة الأيديولوجيا. والأول هو منظور مثالي يتجاوز القراءة السياسية المباشرة للواقع، إلى "ما يجب أن يكون" وأن يتم العمل على تحقيقه في المستقبل. من دون هذا الوجه الإيجابي لمفهوم الأيديولوجيا تضيع الحدود، وتفقد أي حركة سياسية جاذبيتها واللاحم بين أعضائها. أما المعنى الثاني، السلبي، للأيديولوجيا فهو تزييف الواقع وإخفاء حقائقه لكي يصبح مطواعاً لما تريده الحركة السياسية التي تتبنى أيديولوجيا معينة.

الواقع أننا، كشبان متحمسين للأيديولوجيا الماركسية ومتلهفين للثورة الاشتراكية التي قرأنا عن نسختها الروسية في الكتب، شهدنا أول ثورة كبيرة في حياتنا وهي تتقدم بخطوات سريعة في إيران. ملايين الإيرانيين يتظاهرون في شوارع المدن ضد نظام الشاهنشاه محمد رضا بهلوي وجهازه الأمني سيئ الصيت "السافاك" الذي كنا نسمع قصصاً مرعبة عن وحشيته في اعتقال المعارضين وتعذيبهم وإعدامهم.

وكان مما يبرر، أيديولوجياً، من حماستنا لتلك الثورة، أن قسماً مهماً من المشاركين فيها ينتمون إلى اليسار، كحزب تودة الشيوعي ومنظمتا فدائيي الشعب الماركسية

أقصى الحاكم الجديد ذو الكاريزما القوية كل ما من شأنه تعريض تفرده بالحكم للمخاطر. فأطاح برئيس الحكومة مهدي بازركان، ثم برئيس الجمهورية المنتخب أبي الحسن بني صدر، ولاحق المنظمات اليسارية الثلاث التي كانت قد ساهمت في الإطاحة بالشاه

ومجاهدي الشعب الماركسية – الإسلامية. أضف إلى ذلك أن خطاب التيار الديني الذي كان يمثله الخميني المعادي للغرب والمناصر للقضية الفلسطينية، كان مما يخفف من سلبية إسلاميته في نظرنا نحن اليساريين، ويمنح أفقاً جديداً لتحالف إسلامي – يساري في مواجهة الدكتاتورية، وهو ما تحقق في الثورة الإيرانية بصورة عيانية.

ولكن سرعان ما ستشتعل التناقضات بين أطراف التحالف المذكور، بل داخل التيار الإسلامي نفسه، في مسار احتكار السلطة الذي مضى فيه الخميني وأتباعه بعيداً. فقد أقصى الحاكم الجديد ذو الكاريزما القوية كل ما من شأنه تعريض تفرده بالحكم للمخاطر. فأطاح برئيس الحكومة مهدي بازركان، ثم برئيس الجمهورية المنتخب أبي الحسن بني صدر، ولاحق المنظمات اليسارية الثلاث التي كانت قد ساهمت في الإطاحة بالشاه. وهمش رجال دين مهمين كآية الله شريعتمداري وغيره. كما استهدفت السلطة الجديدة النساء فأرغمتهن على الحجاب و"الشادور"، في حركة نكوصية عن مكتسباتهن في ظل حكم الشاه الذي تبنى الحداثة الغربية في المسلك والملبس وغيرها من المظاهر.

هذا المسار الارتدادي بدأ يخفف من حماستنا للسلطة المنبثقة من الثورة الإيرانية، من غير أن يؤدي إلى معاداتها أو تفضيل عهد الشاه عليها. فقد بقيت مسألتان مهمتان تجعلنا ننظر بعين العطف إلى الحكم الجديد، على رغم عناصر الردة المذكورة أعلاه، وهما مناصرته للقضية الفلسطينية وعداؤه لأميركا وإسرائيل. فقد كان من أوائل إجراءات السلطة الجديدة قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وتسليم مبنى سفارتها لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة المرحوم ياسر عرفات. وفي تشرين الثاني 2011 سيقوم طلبة من جامعة طهران باحتلال مبنى السفارة الأميركية في طهران، وسيتمرغ وجه "الإمبريالية الأميركية" في الوحل حين حاولت فرقة كوماندوس تحرير رهائن السفارة، بناء على أوامر الرئيس جيمي كارتر، فهبطوا بمظلاتهم في منطقة صحراوية نائية، بدلاً من العاصمة طهران، بنتيجة سوء تخطيط العملية وتنفيذها.

الخلاصة أن نظرة جيلنا اليساري إلى تلك الثورة الكبيرة كانت إيجابية متحمسة، ومفعمة بآمال انتقال شرارة الثورة إلى بلداننا أيضاً. ولم نكن وحدنا في تلك النظرة، فقد رافقت عودة الخميني المظفرة إلى طهران، في أول شباط 1979، مواكبة إعلامية متعاطفة في الصحافة الغربية، وكان الخميني، قبل ذلك، يستخدم مقر إقامته في باريس كمركز لقيادة الثورة وتحريض الإيرانيين للنزول إلى الشارع، بلا أي اعتراض من الحكومة الفرنسية. حتى الأميركيون، حلفاء الشاه، أبدوا تردداً وارتباكاً في تعاطيهم مع الحدث الإيراني، بل إنهم تخلوا عن الشاه وطالبوه بالرحيل بعد عودة الخميني إلى طهران. كذلك كان نظام الأسد في سوريا ممن أعلنوا موقفاً إيجابياً من الثورة، على رغم أن العلاقات بينه وبين نظام الشاه كانت ممتازة، إلى درجة أن حافظ الأسد زار طهران في عام 1975، وأذكر أن مجلات إيرانية باللغة العربية كانت تباع في أكشاك بيع الصحف في السبعينات. وعلى رغم العقيدة القومية لحزب البعث الحاكم التي كانت تعتبر إيران الفارسية دولة احتلال للجزر الإماراتية الثلاث ولعربستان، فقد كان العداء بين نظام الأسد ونظام البعث العراقي، قد دفع الأسد لإقامة علاقات طيبة مع إيران، ستزداد متانة بعد انتصار الثورة. كما سيكون نظام الأسد هو النظام العربي الوحيد الذي سيقف مع إيران ضد العراق في الحرب الدامية التي استمرت ثماني سنوات.

بالتوازي مع تفرد الخميني بالسلطة المطلقة، وفقاً لتأويل "ولاية الفقيه" الذي ابتكره لهذه الغاية، سينشأ حزب الله اللبناني ويبدأ حربه الإقصائية ضد الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية، لكي يتفرد بـ"مقاومة" إسرائيل لمصلحة النظام السوري ونظام ولي الفقيه في طهران. كذلك كان حزب الدعوة الشيعي المعارض في العراق يجد ملاذه الآمن من ملاحقة مخابرات صدام حسين في دمشق وبيروت وطهران. هكذا نشأ "محور ممانع" يمتد من طهران إلى بيروت، مروراً بالعراق وسوريا، كانت أهم

لم يكن تصدير الثورة هذا غير بث الشقاق المذهبي في المجتمعات العربية، وإشعال الحروب التي لا يمكن لأقليات شيعية الانتصار فيها ما دامت تعرّف نفسها بهويتها الدينية

مكتسباته – للمفارقة – إسقاط الأميركيين لنظام صدام حسين في 2003، وتسلم الشيعية السياسية المقربة من طهران لمقاليد الحكم في بغداد. فقد خدم "الشيطان الأكبر" الأميركي، وفقاً لوصف الخميني، نظام هذا الأخير خدمةً كبيرة فتحت شهيته على مزيد من التمدد الإقليمي في الجوار العربي.

يكمن مأزق الأحلام الإمبراطورية لإيران في الطابع المذهبي الشيعي لأيديولوجيتها. فبقدر ما سهلت تلك العقيدة المذهبية "تصدير الثورة" إلى الجوار العربي على أكتاف منظمات شيعية معارضة، بقدر ما شكل هذا الطابع المذهبي عائقاً لتقبلها في الجوار الذي يدين بالمذهب السني. فلم يكن تصدير الثورة هذا غير بث الشقاق المذهبي في المجتمعات العربية، وإشعال الحروب التي لا يمكن لأقليات شيعية الانتصار فيها ما دامت تعرّف نفسها بهويتها الدينية.

أربعون سنة ليست بالفترة القصيرة. إنها كافية لتشيخ الثورات وتهترئ. فما بالك إذا كانت "إسلامية" وشيعية فوق ذلك، ومحاصرة من دول معادية، ومتورطة في اضطرابات دموية. وأهم من كل ذلك أنها "كسبت" عداء السوريين بسبب تورطها في قمع ثورتهم وحماية النظام القاتل.

شارك برأيك

أشهر الوسوم