في أحوال الحيف

الفنان السوري، سميح شقير

منذ أيام نشرت قناة «الجسر» الفضائية تقريراً مصوراً عن مقتل شاعر مغمور يدعى إبراهيم العبار، نتيجة قصف قوات النظام مخيم اليرموك. وقالت القناة إنه هو المؤلف الحقيقي لكلمات الأغنية الثورية الشهيرة «يا حيف».

ولأن القناة تعنى أساساً بمحافظة دير الزور التي ينتمي إليها الشاعر، فقد تناقلت الخبر عنها صفحات ووكالات وقنوات محلية، ولقي تفاعلاً كبيراً، إلى أن كتب الفنان سميح شقير نافياً أن يكون لسواه دور في صناعة الأغنية التي ظهرت بعد أسبوعين فقط من انطلاق الثورة، وما زالت أبرز أغانيها وأعمقها حفراً في الوجدان، مما أسهم في استعادتها بحنين قوي في الأيام التي فصلت بين انتشار الخبر الخاطئ وذيوع النفي.

كما هو معروف، تنبني رسالة الأغنية على لازمتها المؤثرة «يا حيف»، التي يستعملها المشرق العربي بلهجاته المختلفة للتعبير عن الحسرة والأسف. و«الحيف» في اللغة العربية هو الظلم والجور، كما في الحديث الشريف الذي تتناقله المعاجم بلفظ «إني لا أشهد على حيف» ويرويه المحدّثون بلفظ «إني لا أشهد على جور». وفي سبب وروده أن بشير بن سعد الأنصاري منح ابنه النعمان شيئاً من ماله، بناء على إلحاح أم الغلام التي أرادت أن يُشهد زوجها رسولَ الله (ص) على هبته لئلا يعود عنها، طالما أنه ميّزه بها عن إخوة له من زوجة أخرى. ولكن النبي لما علم أن بشيراً لم يعدل في العطايا بين أولاده رفض الشهادة وقال العبارة سالفة الذكر.

يرتبط الحيف، إذاً، بالتمييز بين من يُفترض أنهم أفراد متساوون، مما يدفعهم أن لا يكونوا «في البِرّ سواء»، كما تقول تتمة الحديث نفسه. وربما قاد الشعور بالظلم أصحابه من «المواطنين» إلى أن يفقدوا صبرهم ويتجاوزوا خوفهم، بعد سنين طوال من حكم «الأب» الذي منحهم أعطية لابنه، فيخرجوا في مظاهرات سلمية، فيواجههم إخوانهم من ذوي الميزات وحرّاس الأعطية ومالكها «بالرصاص الحي» كما تقول الأغنية التي تستنكر قتل «الناس العزّل» واعتقال «أطفال بعمر الورد»، متوجّهة إلى الظالم بعتب مدهوش: «وأنت ابن بلادي/ تقتل بولادي!»، وتستعرض حال المحتجين الذين رأوا البنادق فقالوا: «إخوتنا هن/ ومش رح يضربونا»، لتخلص إلى الخاتمة التي كانت صادمة وقتها «متنا... بيد إخوتنا»!

عندما ظهرت الأغنية لم يكن الجدار الفاصل بين السوريين قد ارتفع وتصلب بعد، ما أوصلها إلى كل سوري تقريباً

عندما ظهرت الأغنية لم يكن الجدار الفاصل بين السوريين قد ارتفع وتصلب بعد، ما أوصلها إلى كل سوري تقريباً، سواء ممن كان يقع عليهم الحيف أم من «إخوتهم» القتلة. غير أن عزفها المتناوب على أوتار الألم والعدل والأخلاق والتاريخ لم يفد في شيء. استمر جور الأقوياء على الضعفاء حتى استطاع الأخيرون التقاط ما يدافعون به عن أنفسهم ويردّون ولو قليلاً من العدوان. وهنا لم يعد لقتال «الإخوة» اسم سوى «الحرب الأهلية»، وهو ما يعبّر عنه المثل الدارج في بلاد الشام حين يصف أثر الصراع المحلي بقوله: «صارت الضيعة حيفين»، كناية عن انقسامها على حافتين أو ناحيتين.

يبدي جمهور الثورة حساسية عالية تجاه مصطلح الحرب الأهلية. وهي حساسية محقة بالنظر إلى ما يفيض عنه من مساواة في مسؤولية الطرفين، أو تجهليها، وبالنظر أيضاً إلى تصور مثالي سائد عن الثورات، وإلى مجاورة إحدى أسوأ الحروب الأهلية المعاصرة، مساراً ونتائج، في لبنان القريب.

لسنا هنا بصدد التطبيع مع هذا المصطلح، الذي فرض نفسه أصلاً، ولكنه يعني بالضبط قتال «الإخوة» من أبناء البلد الواحد على الحقوق والموارد والنفوذ. وقد أدت العديد من الثورات إلى حروب أهلية نتيجة تشبث الأنظمة المثار عليها بالسلطة ودفاعها عنها بقوات مسلحة موالية، كما حدث في ثورة أكتوبر التي أعقبتها سنوات من الصراع الداخلي الروسي الطاحن بين الجيشين الأحمر والأبيض (المدافع عن القيصرية). ناهيك عن أنه لا يشترط في الحروب الأهلية تساوي الطرفين من جهة امتلاك الحق، فقد كان الجنرال الفاشي فرانكو أحد طرفي الحرب الأهلية الإسبانية.

وبالعودة إلى الاستخدام الشعبي للفظة «حيف» يطالعك قولهم «يا حيف عليه»، «يا حيف على شبابه». وهو ما ينتابك حين النظر إلى الوجه المكتنز للشاعر الأربعيني. ولكنها «الحرب» كما كتب في آخر منشوراته على فيسبوك، متبعاً ذلك بالآية «فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر».

وهنا ينفتح باب السؤال عن الرجل الذي بقي في المخيم لسبب غير مفهوم، ضمن قلة قليلة من المدنيين، ليواجهوا حتفهم بعد سنوات من الحصار. ويقودنا هذا إلى تلمس معالم سيرة غير مألوفة. فقد ولد إبراهيم في قرية السكرية غرب البوكمال في أقصى الحدود السورية مع العراق. تلقى تعليمه الابتدائي في الكويت، حيث كان والده، عبار المحل، يعمل، كما هو شأن الكثير من أبناء المنطقة التي تعاطفت دوماً مع صدام حسين رغم أن غزوه الكويت تسبب في عودة العائلة إلى بلدها. تابع إبراهيم دراسته الثانوية ثم عمل معلّماً وكيلاً للمرحلة الابتدائية.

وفي غضون ذلك أخذ يكتب الشعر الشعبي ويلحن الأغاني، كما تأثر بالماركسية واعتبر نفسه شيوعياً. عندما قامت الثورة لم يكن من مؤيديها بل راهن على رغبة السلطة في الإصلاح، ولكن موقفه تغير تدريجياً. وينسب البعض إليه كتابة عدد من الأغاني الثورية التي ظهرت دون ذكر مؤلفها أو ملحنها. ويشيرون إلى أغنية محددة هي «فتحت عيوني عالدنيا» بوصفها سبب الالتباس الذي حصل، بسبب تكرار لازمة «يا حيف» فيها.

عام 2012 انتقل إبراهيم للإقامة في مخيم اليرموك قرب عائلة زوجته، والتي تحول بعض أفرادها إلى مبايعين لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي سيطر على المخيم على مراحل. وبدوره تأثر إبراهيم بأفكار التنظيم وأصبح قريباً منه إلى درجة غير معروفة، غير أنه حافظ على ميول أدبية حرة نسبياً وعلى حس أقرب إلى الوطنية منعه من السفر إلى خارج البلاد بصحبة أسرته التي غادرت مع اشتداد الحصار.

لم يكتب العبار «يا حيف»، إذاً، ولكنه كتب يوماً «كلنا يوسف! وكلنا إخوته!». وقد قتل بقصف إخوته الذين كان يشدد على ضرورة استمرار الحوار معهم أول الثورة، عندما كان سميح شقير يعبّر عن صدمته بهم...

أما من نقل خبر موته فكان أخوه الشقيق، وهو مطرب شعبي فراتي، كما يقال، كتب على صفحته الزاخرة بصوره بوضعيات لا يغيب عنها «جِلّ» الشعر واللحية القصيرة المشذبة بعناية والألوان الضاجّة: «انتقل إلى رحمة الله تعالى، أخي...»، دون أن يجيب عن تساؤلات بعض المعجبين عن كيفية هذا الانتقال وسببه.

أخيراً، ربما يكون من المفيد أن ننوه إلى أن استعمال النداء في صيغة «يا حيف» غير فصيح، والسليم أن تقول لمطرب دبكات معربا وحفلات دبي: «حيفٌ عليك»، بمعنى «وا أسفاه عليك... بئس ما فعلت»!

شارك برأيك

أشهر الوسوم