فلسفة تخريب الدولة للسيطرة عليها

كثيرة هي النظريات التي تتحدث عن أساليب وطرق السيطرة على الدولة وبالتالي السيطرة على الشعب في هذه الدولة، ويمكن أن يتبادر إلى ذهن الكثير من العامة وحتى من أصحاب الفكر بمختلف مستوياتهم أن الطريقة الوحيدة للسيطرة على الدولة هي الحرب وهذا هو خطأ لأن الحرب أغبى طريقة لتحقيق مصالح الدول، وهي الأكثر همجية ويمكن أن نقول بأن أعلى فنون الحرب عدم القتال على الإطلاق، وعدم القتال هو تخريب أي شيء ذو قيمة في دولة عدوك لكن بطرق مختلفة ذكية، ويمكن أن نقول بأن تقدمك وبناء حضارة لك ولدولتك ستجعل هدف عدوك حضارتك وطموحاتك، وهو البديل الوحيد والمثالي عن الحرب فاللون الأحمر أفضل من الموت وهذا هو الهدف النهائي وآخر مراحل التخريب.

وببساطة يمكن أن نشرح مراحل عملية تخريب الدولة من الداخل لتسهيل السيطرة عليها وهذه المراحل يمكن أن تستغرق زمناً ليس قصيراً ويمكن أن تمتد المرحلة الأولى من مراحل التخريب ما بين 15 إلى 20 عام، وهذه المرحلة تسمى مرحلة إسقاط الأخلاق ويُستغرق هذا الزمن نظراً لحاجتنا إلى وقت كافي لتعليم جيل واحد من الطلاب أو الأطفال وهذه مرحلة أساسية لكل إنسان تكون مكرسة للدراسة وتشكيل المنظور الأيديولوجي للشخصية، ويتخلل هذه المرحلة التأثير بطرق مختلفة على التخلخل وأساليب الدعاية والاتصال المباشر مع هذا الجيل بطرق مختلفة، وفي مختلف المجالات التي يتشكل أو يصاغ بها الرأي العام، مثل الدين والنظام التعليمي والحياة الاجتماعية والإدارة ونظام تطبيق القانون.

ويمكن أن نقول بأن أساليب التخريب شبيهة بطرق الدفاع عن النفس خاصة إذا كان المجتمع متماسك قوي ومؤسسات الدولة منتخبة من الشعب، ومن يحاول أن يزعزع هذا المجتمع سيكون ضعيف في بدايته وهنا أوجه الشبه بين تخريب المجتمع وبين فن الدفاع عن النفس، فمن المؤلم أن تتلقى ضربة بشكل مباشر من شخص قوي البنية لذلك عليك أن تتحايل عليه لتصد ضربته ممسكا بقبضته بنفس الاتجاه حتى تصل إلى الجدار أو تفقد فاعليتها، وهذا ما يحدث عندما

يمكن أن نُطبق التخريب في عدة مجالات منها مجال الدين، وهنا نحاول وباستمرار إظهار الدين وبطرق خبيثة بأنه أحد أهم أسباب تخلف المجتمع ويمكن أن نسخر منه ونستبدله بمختلف الطوائف والعبادات والمعتقدات

يتعرض مجتمع إلى الهجوم من بعض الحركات أو الأفراد الذين غالباً ما يكونوا ضد المجتمع أو من المجرمين البسطاء أو أعداء الضمير أو على خلاف أيديولوجي مع سياسة الدولة أو شخصيات مضطربة نفسيا وتعادي كل شيء، وغالبًا ما يكون بين هؤلاء مجموعات صغيرة من عملاء الدول الأجنبية يتم شرائهم ومن ثم تدجينهم ومن ثم تجنيدهم، وفي لحظة تحرك هؤلاء جميعا في اتجاه واحد يتم مسكهم وإجبارهم على الحركة بالاتجاه الذي تريده، وجعلهم يستمرون في الحركة باتجاه واحد حتى تجبرهم هذه الحركة على انهيار المجتمع ووضعه في أزمة، فنحن يجب أن لا نوقف حركتهم بل نساعدهم بأن يذهبوا إلى الاتجاه الذي نريده نحن.

ويمكن أن نُطبق التخريب في عدة مجالات منها مجال الدين، وهنا نحاول وباستمرار إظهار الدين وبطرق خبيثة بأنه أحد أهم أسباب تخلف المجتمع ويمكن أن نسخر منه ونستبدله بمختلف الطوائف والعبادات والمعتقدات، والتي تقنع الناس بأن العقيدة الدينية تتآكل ببطء وبهذا نأخذهم بعيدا عن الهدف الأساسي والجوهري للدين، والذي يتمثل بأن تبقى الناس على اتصال مع الخالق، ولهذا نقوم باستبدال المنظمات الدينية المقبولة والمحترمة من الناس بمنظمات دينية وهمية فارغة المضمون عبر رجال دين مدجنين "علماء السلطان" الذين يتسترون بالدين لتحقيق هدف مشغليهم وأهدافهم الشخصية الضيقة، وهذا يخدم الغرض بصرف انتباه الشعب من الإيمان الحقيقي إلى أنواع الديانات المختلفة.

والمجال الآخر الذي يمكن أن يُطبق التخريب من خلاله في الدولة والمجتمع هو التعليم، من خلال صرف الناس عن تعلم شيء بناء واقعي وفعال مثل الرياضيات والفيزياء واللغات والكيمياء، والحرص على تعليمهم أشياء هامشية في حياة المجتمع منها تاريخ حروب المدن والاقتصاد المنزلي والحياة الجنسية والغذاء الوطني.

 ويمكن أن نتحدث عن مجال آخر يُطبق التخريب من خلاله وهو الحياة الاجتماعية عن طريق استبدال المنظمات والمنشآت التي أسستها التقاليد الاجتماعية بمنظمات وهمية لنزع المبادرة من الشعب، من خلال نزع الروابط التي أُسست عليها الوطنية بين الأفراد والجماعات والمجموعات من الأفراد وفي المجتمع عامة، واستبدالها ببيروقراطية مصطنعة تتحكم بأجسادهم بدل الحياة الاجتماعية الطبيعية كالعلاقة بين الجيران، وأيضا يمكن إنشاء مؤسسات للعمل الاجتماعي تجعل الناس تعمل بها على الراتب.

ولعل أهم طرق تطبيق التخريب على الدولة والمجتمع هو إعادة هيكلة المؤسسات والتي تكون منتخبة من الشعب، أو تم تعيينها من القائد الذي انتخبه الشعب واستبدالها بهيئات مصطنعة غير منتخبة من أحد، ومثال على ذلك مجموعات الإعلام ومؤسساته وهؤلاء من يعينهم ومن ينتخبهم ليمتلكوا القوة والجرأة ليقرروا ما هو الصح وما هو الخطأ؟، وبهذا ستتآكل هيكلية السلطة ببطء من خلال هذه المؤسسات والمجموعات التي يتربع على عرشها أشخاص غير مؤهلين ولا للشعب سلطة عليهم، ومع ذلك يبقون في السلطة وبالتالي تبدأ عملية تآكل المؤسسات ببطء.

المرحلة الثانية من مراحل التخريب يطلق عليها مرحلة زعزعة الاستقرار وتهدف إلى زعزعة جميع العلاقات بين جميع المؤسسات والهيئات والمجموعات، وهذا لا يحتاج إلى جيوش أو إلى عملاء ترسلهم ليفجروا البلد، بل علينا أن نجعلهم يفجرون البلد بأيديهم وهنا يأتي دور التطرف والعصبية الذي يجعل المجتمع غير متوافق حتى على مستوى الأسرة الواحدة، فالزوج والزوجة لا يعرفان أيهما الأفضل الزوج يريد أن يتناول أطفاله الطعام على الطاولة، والزوجة تريد أن يتناول الأطفال الطعام وهم يتجولون في الغرفة، الخلاف الذي يؤدي إلى شجار وبالتالي إلى مرحلة زعزعة استقرار وبالتالي إلى مرحلة الأزمة وهذا ما يحدث بين الهيكل الشرعي للسلطة والبنية الاجتماعية التي تنهار ولا يمكنها العمل بعد الآن، ومن هنا تظهر هيئات اصطناعية يتم غرسها في المجتمع مثل لجان غير منتخبة كالاختصاصيين الاجتماعيين والإعلاميين الذين يعينون أنفسهم حكام على آرائهم أو بعض المجموعات الغريبة التي تدعي معرفة كل شيء ويعرفون كيف يقودون المجتمع وهم أصلا لا يعرفون كل ما يقومون به، وبالتالي يمكن لهؤلاء أن يبيعوا أيديولوجيتهم المخترعة والتي عادة ما تكون مزيج بين الأيديولوجية والدين، وكل هؤلاء يحاولون الاستحواذ على السلطة وإذا أخذت السلطة منهم سيقومون

يمكن أن نوقف التخريب بإعادة المجتمع إلى الدين الحقيقي المشبع بالقيم والأخلاق والترابط المجتمعي الذي لا يمكن أن نلمسه بأيدينا أو نضعه في جيوبنا

باستعادتها بالقوة، ومثال على ذلك عندما ظهرت فجأة لجان للثورة في إيران ولم يكن آنذاك ثورة وعلى الرغم من ذلك استحوذوا على السلطة التنفيذية والتشريعية وجمعوها في شخص واحد، وهذا الشخص مطبوخ طبخة فكرية غير ناضجة وغالبا ما يكون خريج إحدى الجامعات الغربية وعندما عاد الى وطنه أعتقد بأن لديه الإجابة على كافة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وهنا يمكن أن نقول بأن الأزمة تحدث عندما لا يعمل المجتمع على نحو فعال فينهار وهذا هو معنى كلمة أزمة.

وملخص القول يمكن أن نوقف التخريب بإعادة المجتمع إلى الدين الحقيقي المشبع بالقيم والأخلاق والترابط المجتمعي الذي لا يمكن أن نلمسه بأيدينا أو نضعه في جيوبنا، لكنه يحكم المجتمع ويجعله يتحرك إلى الأمام ويحافظ عليه، ولمحاربة التخريب الأيديولوجي لا نحتاج إلى صواريخ عابرة ولا إلى أسلحة متطورة، بل كل ما نحتاجه أن نمتلك الإيمان بحيث نتجنب أن نكون ضحية التخريب، ومن هنا إذا أردنا محاربة أعدائنا علينا أن لا نضربهم بشكل مباشر خاصة إذا كنا لا نمتلك القوة الكافية التي نتفوق بها على هذا العدو، وما علينا إلا أن نضربه بعقلنا وتفوقنا الأخلاقي، وإذا كنا لا نمتلك هذه القوة فقد حان الوقت كي نطور هذه القوة وهذا هو الحل الوحيد للتفوق على أعدائنا الذين تفوقوا علينا قوة وإمكانيات.                

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم