فصل من تاريخ الحشيش والمخدرات

قد يبدو الحديث عن الحشيش مستغرباً، لكن التعجب يزول بعض الشيء عندما نجد الكثير من الكتب والمفكرين قد اهتموا بالحشيش والكتابة عنه، فهناك الناقد الألماني فالتر بنيامين في كتابه "عن الحشيش" أو كتاب هانس فالادا "تقرير موضوعي عن سعادة مدمن المورفين". لكن حديثي هنا عن تاريخ هذا المخدر وعلاقته بتاريخ المجتمعات التي يظهر فيها مثل مصر قبل ثورة يوليو، ولقد اهتم الدكتور عبد الوهاب بكر بالتأريخ لهذه الفترة في كتابه "الجريمة في مصر: الشوارع الخلفية" ولقد سبق له كتاب عن تاريخ البغاء بعنوان "مجتمع القاهرة السري".

من تاريخ الحشيش

لا يعرف متى دخل الحشيش مصر على وجه الدقة لكن المقريزي يذكره في خططه، وكذلك ابن إياس في "بدائع الزهور في وقائع الدهور". وقد أقر المماليك بزراعته وبيعه وتعاطيه

توسع محمد علي (1805-1849) في زراعة الخشخاش لأغراض التصدير، أما أول قرار بمنع زراعة الحشيش أو استيراده فقد جاء متأخراً في عام 1897

واكتفوا بفرض ضريبة عليه. فحول خليج أمير المؤمنين والخليج الناصري وبركة الأزبكية، كان أهل القاهرة يتحلقون للهو البريء وغير البريء، وقد أخذوا أهبتهم للسماع والطرب، بينما يتجول الأغنياء في خيلاء على صهوات الخيل، أما المماليك فكانوا ينزلون في مقاه خاصة بهم لتدخين الحشيش وشرب الخمر.

وقد توسع محمد علي (1805-1849) في زراعة الخشخاش لأغراض التصدير، أما أول قرار بمنع زراعة الحشيش أو استيراده فقد جاء متأخراً في عام 1897 إذ صدر قرار مجلس النظار بمنعه (في هذا القطر بالكلية، وأن ما يرد منه ويضبط يصير إتلافه بمعرفة الكمارك).

لكن قوانين الحد من زراعة الحشيش لم تشمل المتعاطي، فقد كان القانون يجرم أصحاب الحشيش – زارعيه-خازنيه- حامليه – وبائعيه فقط، ويلاحظ كذلك أن الأفيون كان متروكاً دون أي رقابة. ويبدو أن تحريم الزراعة قد نتج عنه زيادة الاستيراد من الخارج عن طريق التهريب، ففي تقرير اللورد كرومر عام 1905 يذكر أن كميات الحشيش التي ضبطت في عام 1904 بلغت 15345 كيلوجراماً.

من تاريخ الكوكايين

وقد أثبتت التقارير أن اليونان كانت المصدر الرئيسي للحشيش المصدر إلى مصر، ويبدو من إغفال الإشارة إلى الأفيون وزراعته وتعاطيه وتزايد كميات الحشيش الوارد إلى مصر أن الحشيش كان المخدر المفضل في مصر. ويسجل عام 1916 علامة فارقة في تاريخ المخدرات في مصر، ففي ذلك العام تمكن كيميائي يوناني من رعايا الحكومة المحلية في القاهرة من إدخال الكوكايين وتقديمة إلى الطبقة العليا، ثم ما لبثت أن انتشرت عادة تعاطي الكوكايين وامتدت إلى أفراد الطبقة الوسطى وعامة الناس، وانتشر مونولوج غنائي يقول "شم الكوكايين خلاني مسكين" وغنى سيد درويش للكوكايين، وقد صورت مسرحية "حمار وحلاوة" لنجيب الريحاني انتشار الكوكايين في مصر في العشرينيات، وظهرت تلك العبارة في أحد الاستعراضات "إوعى لجيبك من م الحرامية، إوعى لروحك م الحانوتية، إوعى الكوكايين يلحس مخك، إوعى الجوزة (النرجيلة) تطير عقلك" ونرى في قوائم الأفلام المصرية فيلماً صامتاً لتوجو مزراحي بعنوان "الكوكايين" عام 1930.

من تاريخ الهيروين

في عام 1920 تقريباً نجح صيدلي محلي في إدخال الهيروين إلى البلاد، وبسبب عدم وجود تشريع قانوني لملاحقة الهيروين، فقد كان التركيز على ملاحقة الحشيش، بدأ الهيروين يباع في الصيدليات. ولم تكن الشرطة تراقب الصيدليات في ذلك الوقت، ومما يذكره توماس رسل وقد عمل حكمداراً لبوليس القاهرة (1917-1946 ) أنه في سنوات قليلة من العشرينيات أصبح حي بولاق يمتلئ ببقايا أدمية من المدمنين من عمال، وأبناء بقالين، وحوذية، وسائقين، وكتبة بمصالح الحكومة، وحرفيين، بل بعض أبناء الأسر الغنية. لكن انتشار تلك المواد المخدرة كان قد ازداد بسبب وجود فجوة قانونية في التجريم بين عام (1916-1928). يقدر الدكتور عبد الوهاب بكر عدد المدمنين بناء على بعض الإحصائيات بنصف مليون مدمن من إجمالي عدد السكان البالغ 14 مليوناً في ذلك الوقت.

طرق التهريب ودور الأجانب

كانت مصادر المواد المخدرة في العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين تأتي تهريباً من اليونان عبر الإسكندرية، فالصحراء الغربية، فلما حظرت اليونان زراعتها عام 1932 حلت سوريا ولبنان محلها وصارت تهرب عن طريق فلسطين وصحراء سيناء حتى الضفة الشرقية للقنال ثم يعبر بها سباحة إلى الضفة الغربية ثم إلى داخل البلاد.

أما الأفيون فكان يأتي عبر تركيا من ميناء الإسكندرية إلى جانب ما يزرع منه سراً في صعيد مصر، أما الكوكايين والهيروين فكانا يأتيان من مصانع إسطنبول وفرنسا وسويسرا ووسط أوروبا، وكانت يد السلطات المصرية ضعيفة بسبب تورط الكثير من الأجانب في هذه التجارة وعدم خضوع رعايا الدول المتمتعة بالامتيازات لقوانين البلاد.

وقد سجلت تقارير الشرطة في القاهرة ضلوع أعداد من الأجانب في قضايا المخدرات، وفي عام 1929 أنشئ مكتب المخابرات العام للمواد المخدرة. وكان الضالعون من الروس والبولنديين ومن اليهود من فلسطين، فضلاً عن مواطنين من اليونان وإيطاليا. ولم تستطع السلطات المصرية معاقبتهم، وطلبت من القنصلية اليونانية والإيطالية إبعادهم عن مصر، وقد احتفظ اليونانيون بالمركز الأول بين كبار التجار يليهم الإيطاليون فالفرنسيون فالبريطانيون، أما المصريون فقد كانوا يعملون بالتوزيع داخل البلاد، وتكشف الأرقام أن دور المصريين في بيع المخدرات كان هامشياً مقابل بارونات تجارة المخدرات من الأجانب والمهربين الذين تمتعوا بالحماية. وبعد توقيع

حالة الحرب ذاتها أوجدت مهربين جدداً هم جنود القوات المتحالفة المنتشرون بين نقاط الحرب، وأصبحت سياراتهم العسكرية المحصنة ضد التفتيش فرصة للتهريب دون رقابة

معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا تضاءل دور التجار الأجانب بسبب انحسار أعدادهم، ثم توقيع اتفاقية مونترو لإلغاء الامتيازات الأجنبية التي ترتب عليها نقل اختصاص المحاكم القنصلية سيئة السمعة إلى محاكم يمكن محاسبة الأجانب فيها.

المخدرات والحرب العالمية الثانية

أنهت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) قصة المخدرات البيضاء وكبار التجار بسبب توقف عمليات التهريب بالبواخر نتيجة لظروف الحرب، لكن حالة الحرب ذاتها أوجدت مهربين جدداً هم جنود القوات المتحالفة المنتشرون بين نقاط الحرب، وأصبحت سياراتهم العسكرية المحصنة ضد التفتيش فرصة للتهريب دون رقابة، وهكذا نشأ قطاع جديد للتهريب عماده من رأسماليين عرب وحلفاء يهود في فلسطين، وتركزت عصابات التهريب في القرى الواقعة على حدود سوريا وفلسطين، وفي حيفا ويافا وغزة، واستلزم هذا تعديل استراتيجية مكافحة المخدرات بالاتصال مع مكتب المخدرات الفلسطيني الذي ظهر عام 1941، وكذلك بالتواصل مع السلطات العسكرية الفرنسية في سوريا ولبنان، والقوات البريطانية في فلسطين.

وعادت الزيادة في كميات التهريب بعد نهاية الحرب بسبب تزايد طرق التهريب. ورغم تعذر استخدام طريق سيناء للتهريب بسبب قيام حرب 1948 إلا أن التهريب قد زاد عن طريق البحر المتوسط وبازدياد  النقل الجوي، وقد دخلت إسرائيل في عمليات التهريب بعد ذلك عن طريق الشراء من تجار في لبنان وسوريا ثم تهريبه داخل مصر، وقد تم ضبط 66 قضية مخدرات في قطاع غزة عام 1952.

ورغم ندرة المكتوب عن تاريخ الجرائم فهو مجال ثري لرؤية الكثير من الأحداث بمنظور مختلف، وكذلك يتطلب البحث فيه نوعاً آخر من المصادر غير المصادر التاريخية التقليدية، فقد عاد الدكتور عبد الوهاب بكر إلى تقارير بوليس مدينة القاهرة، وقد اهتم البريطانيون بعمليات الإحصاء الجنائي منذ أن قدموا لمصر عام 1882، وكذلك العودة إلى تقارير مكتب المخابرات العام للمواد المخدرة.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم