فتوى المجلس الإسلامي حول القتل بدافع الشرف ما بين مؤيد ومعارض

أشكل على عدد من السوريين الفتوى الأخيرة التي صدرت من المجلس الإسلامي السوري، والتي تتعلق بخصوص القتل بدافع الشرف، فأردت أن أعلق على هذه الفتوى من خلال توضيح الجزء الذي وقع الإشكال فيه.

 بداية جاءت فتوى المجلس الإسلامي السوري  متناسبة مع أقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة في مسألة فقهية مقاصدية جدلية، وهي هل يقتص من القاتل أم لا يقتص من القاتل إن وجد أحداً في داره متلبساً بجريمة الزنا مع أحد محارمه، وقد تحدث الفقهاء مطولا في هذه المسألة وكان خلافهم دائرا بين وحوب القصاص من القاتل أو عدم القصاص منه عند عدم وجود البينة، والبينة هي وجود أربعة شهداء ومنهم من اكتفى بشاهدين يشهدون على الحادثة وسبب الخلاف في الموضوع هو قضاء عمر رضي الله عنه، وقضاء علي بن أبي طالب في هذه الحادثة فقد قضى عمر رضي الله عنه للرجل الذي سأل عن الموضوع فقال له (إن عادوا فعد)، وقضى علي بن أبي طالب عندما سأله الرجل عن الحادثة فورد (أنه سئل عن رجل دخل بيته فإذا مع امرأته رجل فقتلها وقتله قال علي: إن جاء بأربعة شهداء وإلا فليعط برمته) أي يسلم إلى أولياء المقتول، ومن أسباب الخلاف بين الفقهاء في المسألة أن القاتل عندما وجد هذه الحادثة فقد عقله وصوابه على اعتبار مراعاة الغيرة المحمودة والممدوحة في هذا المقام، فأقدم على ارتكاب الجريمة فهل فقدان الوعي معتبر في رفع المسؤولية الجنائية أم ليس معتبرا، لذلك لم يفرق عدد من الفقهاء بين قتل المحصن وقتل غير المحصن، لأنهم لم ينظروا إلى هذه الحادثة من باب عقوبة الزاني وإنما نظروا إلى هذه الحادثة على أنها جريمة قتل، هل توفرت فيها المسؤولية الجنائية الكاملة بمعنى القصد والإرادة، أم لم تتوفر فيها المسؤولية الجنائية الكاملة، فمن نظر إلى توافر المسؤولية الجنائية الكاملة أوجب القصاص على القاتل ومن نظر إلى عدم توافر المسؤولية

تم تضخيم الموضوع حتى يحسب القارئ للمعترضين أن المجلس الإسلامي قد برر لجريمة الشرف

الجنائية الكاملة لم يوجب القصاص، وهذا هو مجمل حديث الفقهاء عن الحكم الشرعي حول هذا الموضوع، ولن أدخل في التفاصيل الفقهية كثيرا فهذه محلها الأبحاث الفقهية والكتب الفقهية والمجالس العلمية. 

 ولكن ربما أشكل على البعض صياغة سطرين أو ثلاثة أسطر من فتوى المجلس الإسلامي، فتم تضخيم الموضوع حتى يحسب القارئ للمعترضين أن المجلس الإسلامي قد برر لجريمة الشرف، وسأنقل صياغة المجلس الإسلامي لهذا الجزء ثم أعلق عليه.

ورد في فتوى المجلس الإسلامي بعد التحذير من القتل وأنه من الكبائر ما نصه (الصورة الأولى: أن يفاجأ الشخص بزوجته أو إحدى محارمه، كأخته أو ابنته متلبسة بجريمة الزنا مع رجل أجنبي، فيقوم بقتل الفاعل وقد يقتلهما معاً، فإذا أقام القاتل بينة على جريمة التلبس بالزنا بالشهود، أو بإقرار أولياء المقتول، فأقوال الفقهاء على عدم القصاص من القاتل على أساس الدفاع عن حق الله، ومن باب الغيرة المنسجمة مع الفطرة، ولأنه داهمه غضب لا يستطيع أن ينفك عنه، ويمكن أن يعاقب أو يعزر بما هو دون القصاص، والمحاكم تراعي هذه الحالة النفسية فتخفف الحكم عن القاتل قدر الإمكان، وأما إن لم يُقم البينة، فقد ذهب الجمهور إلى أنه يقتص منه؛ حفظاً للنفوس ومنعاً لقتلها بالظنون والشكوك في غير محلها، وقيل: لا يقتص، وهذا أمرٌ راجع لنظر القاضي وتقديره.

ثم تابعت الفتوى الصور التي تحدث عنها بأنها صور محرمة، توجب القصاص من القاتل ولا يجوز أن يتعلل المجرم بدافع الشرف.

ما أريد الوقوف عنده هو هذه الصورة التي أثارت إشكاليات عند البعض، لنلاحظ أن فتوى المجلس الإسلامي ذكرت في هذه الصورة صورة التلبس بحالة الزنا، فأصيب الرجل بحالة من فقدان الوعي فقام بجريمة القتل، وهذه الحالة المذكورة هي حالة خاصة جدا يعرفها القانونيون بأنها حالة العذر المخفف، أو العذر المحل من العقوبة في القوانين الوضعية، وقد اعتبرها قانون العقوبات السوري عذراً محلاً من العقوبة، حيث ورد في المادة (548): (يستفيد من العذر المحلّ من فاجأ زوجه، أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد). ثم صدر تعديل على هذه المادة بعد المطالبات الكثيرة بإلغاء المادة حيث تم اعتبارها عذر مخفف من العقوبة عام 2009 حيث ورد (تلغى المادة 548 من قانون العقوبات ويستعاض عنها بالنص التالي: 

يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلها أو إيذائها أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على ألاّ تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل). ‏ والقضية بين أخذ ورد ما بين مؤيد لها أو معارض عند القانونيين، ولا أريد التوسع فيها عند القانونيين فيمكن الرجوع إلى قانون العقوبات السوري، والاطلاع على المادة وتعديلاتها ونشاط الجمعيات التي تطالب بإلغاء هذه المادة من قوانين العقوبات.

ما يهمني هو فنوى المجلس الإسلامي في الموضوع فالمجلس بعد أن ذكر صورة التلبس بالواقعة قيدها بضوابط كثيرة، حيث من

وضحت الفتوى أنه وإن قام بالبينة فهذه البينة لا تعتبر عذرا محلا من العقوبة، وإنما قد تعتبر عذرا مخففا وتبقى العقوبة قائمة عليه يعاقبه القاضي بما هو مناسب حسب الحال والظرف

يقرأ هذه الضوابط يرى استحالة تمسك القاتل بعذر الشرف، فذكرت الفتوى بأن من قام بجريمة الشرف يجب عليه أن يثبت ذلك ببينة بأنه قام بهذا الفعل عند التلبس بالجريمة والبينة هي حضور شهود أربعة، وهذا ضابط لا يستطيع القاتل أن يثبته فمن يستطيع أن يحضر بينة كالشهود عند التلبس بالواقعة ثم يقوم بالقتل بدافع الشرف!!!

ثم أوضحت الفتوى أنه وإن قام بالبينة فهذه البينة لا تعتبر عذرا محلا من العقوبة، وإنما قد تعتبر عذرا مخففا وتبقى العقوبة قائمة عليه يعاقبه القاضي بما هو مناسب حسب الحال والظرف.

ثم أوضحت الفتوى أنه إن لم يأت بالبينة فإنه يقتص منه على الراجح من أقوال الفقهاء، وأن هذا يرجع إلى تقدير القضاء.

وبعد ذلك عرضت الفتوى للصور الأخرى والتي نصت أن يعاقب بالقصاص ولا إشكال فيها.

الجزء الذي أشكل على البعض هو هذا الجزء من الفتوى ثم تم تضخيمه بأن الفتوى ليست مقاصدية، وأن الفتوى لم تراع الاعتبارات الاجتماعية، بالرغم أن من قرأ الفتوى يجد أن الفتوى جرمت هذا الفعل، واعتبرت أن من يقوم بهذه الفعلة هو مجرم يجب أن يقتص منه.

وبالمقارنة بين فتوى المجلس الإسلامي المستمدة من أقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة، وقانون العقوبات السوري نجد أن فتوى المجلس الإسلامي متقدمة كثيرا على قانون العقوبات السوري، حيث وضعت ضوابط كثيرة لا يمكن للقاتل أن يتمسك بها ويتعلل بها عند قيامه بالجريمة.

ويمكن أن أختم المقال بعدة ضوابط فيما يخص الجريمة بدافع الشرف حتى لا يتم الفهم بشكل خاطئ:

أولاً- جريمة القتل هي من أعظم الجرائم عند الله عز وجل وقتل نفس بغير حق كأنه قتل للناس جميعا.

ثانياً- لا يوجد في الإسلام شيء اسمه جريمة الشرف، وتسميتها تحت اسم الشرف لا يغير من وصفها، وإنما الجريمة جريمة ولا يتغير وصفها بسبب الدافع، ولكن العقوبة هي التي تتغير فقد يتم تشديدها إن كان الفاعل قد ارتكب جريمته بسبب سوء الظن والغيرة المذمومة، ومعظم الجرائم التي تقع تحت اسم الشرف إنما هي من هذا النوع، أو يتم تخفيفها إن كان الفاعل قد ارتكب جريمته في حالة التلبس الكامل بالزنا بين الرجل والمرأة، وتقدير الحكم يعود للقاضي لأنه ربما تكون هذه الجريمة قائمة على غير رضا من المرأة، أو تحت تهديد الإكراه بالسلاح.

ثالثا: جرائم الخيانة الزوجية يجب اللجوء فيها إلى القضاء، والقاضي هو الذي يقرر بما توفر عنده من وسائل الإثبات، والظروف الملابسة للجريمة والظروف المشددة أو المخففة للعقوبة.

رابعا: فتوى المجلس الإسلامي السوري لم تبرر لجريمة الشرف، كما هو واضح في سياق كامل الفتوى، بل اعتبرتها جريمة وإنما ذكرت صورة هي موضع خلاف وجدل بين الفقهاء والقانونيين، وأخذت بقول الجمهور من الفقهاء في هذه الصورة، وهي حالة التلبس بالجريمة ووجود الشهود الأربعة، وهذه الصورة من النادر وقوعها، وربما أشكلت العبارة بسبب عدم تفصيل الفتوى فيها.

شارك برأيك

أشهر الوسوم