عيد "الرابع"، وانتهاك الهويات الثقافية السورية

في مثل هذا اليوم، ومنذ تاريخ ضارب في القدم جرت العادة أن يحتفل سكان القرى خاصة في الريف الساحلي بما يسمى "عيد الرابع"، يدل الاسم على ترتيب عددي إنما يكفي أن يذكر بمفرده للدلالة على اليوم الرابع من نيسان بحسب التقويم الشرقي، الذي يوافق السابع عشر من نيسان في التقويم الميلادي، يوم عيد الجلاء السوري الذي يُعتبر حديثًا جدًا قياسًا بعمر عيد الرابع.

كان اليوم يوم فرح جماعي يلتقي فيه سكان قرى عديدة في بقعة من الأرض تتميز بالخضرة الوافرة والأشجار الكثيرة والمياه العذبة، يتحضرون لهذا الموعد قبل مدة ويحلمون به ويبيتون النوايا والرغبات، وكانت جميع الفئات العمرية تنتظره بلهفة وبشكل خاص فئة الشباب والصبايا. ولهذا العيد مكانة راسخة في الوجدان الجمعي لسكان هذه المنطقة التي قامت فيها الحضارات الزراعية، مثله مثل أعياد عديدة يُصادف الاحتفال بها في الربيع بما يأتي به من وعد بعودة الحياة والقيامة، وأهم ما يميز هذه الاحتفالات هو النشاط الجماعي خاصة الدبكة التي تتميز بها المناطق السورية، ولكل منطقة دبكتها، كذلك حلقات الزجل والغناء التراثي والكثير من المظاهر الاحتفالية الفولكلورية. وفي هذا الجو الاحتفالي المفعم بالحبور والمرح والفرح غالبًا ما كانت تقدح شرارة حب بين الشباب والصبايا، يذهب بعدها الشاب الذي وقع في غرام صبية إلى بيت أهلها ليخطبها.

بعد جلاء المحتل الفرنسي عن سوريا صار الشاب المتطوع في الجيش أو الذي يؤدي الخدمة العسكرية يحرص على حضور الاحتفال بثيابه الرسمية التي يشبعها غسلاً وكيًّا تحضيرًا لهذا اليوم المميز، فلباسه سوف يمنحه حظوة خاصة واحترامًا زائدًا لما يحمل من رموز ومعاني الشرف والفخر والاعتزاز، وبالتالي سيكون حظه أوفر لدى الجميلات من الصبايا. ولم يكن الاحتفال

كان الاحتفال بعيد الرابع كغيره من المناسبات الاجتماعية يجري بتعاون الأهالي فيما بينهم، ينظمون أمورهم ويديرونها بدون مرجعية، فهو ليس عيدًا دينيًا

حكرًا على أبناء الريف فقط، فقد بدأ سكان المدن يساهمون في هذه الاحتفالية التي صارت تتحول شيئًا فشيئًا إلى مهرجان أو سوق ثقافي اقتصادي اجتماعي، فكان القصابون يقيمون بسطاتهم من أجل الشواء والحلونجية يحضرون صوانيهم وتحضر ألعاب الأطفال ومنمنمات الزينة النسائية وغيرها من الفعاليات التجارية الصغيرة.

كان الاحتفال بعيد الرابع كغيره من المناسبات الاجتماعية يجري بتعاون الأهالي فيما بينهم، ينظمون أمورهم ويديرونها بدون مرجعية، فهو ليس عيدًا دينيًا كما يحلو للبعض وصفه، هو عيد اجتماعي باق في الذاكرة الجمعية، وبقي محتفظًا بوهجه وألقه وضرورته إلى أن بدأت القبضة الأمنية تتمكن بقوة وشراسة من المجتمع السوري بكل أطيافه وشرائحه ومناطقه، خاصة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، فترة المواجهات الدامية بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، وأبرزها مجزرة حماة، إذ منعت التجمعات في سوريا بدعوى الحفاظ على الأمن الاجتماعي وحمايته من هذا البعبع، بينما في الواقع النظام لم يكن يعنيه كثيرًا الأمن الاجتماعي، بل أمنه الخاص، حماية عرشه وتدعيم ركائزه بالقوة، لذلك كانت المؤسسة الأمنية هي الأقوى والأكثر سطوة على المجال العام، ولم تُستثنَ الطائفة العلوية، فالمعروف أن عدد المعتقلين السياسيين الذين كانت تغص بهم المعتقلات السورية من هذه الطائفة كان كبيرًا جدًا، خاصة إذا اعتبرنا النسبة المئوية قياسًا إلى عدد أفرادها هي المعيار.

واكب تغوّل النظام واشتداد جبروته وطغيانه هجرة الأرياف لأسباب عديدة لا مجال لشرحها هنا، لكن من المفيد التذكير بأن الريف لم يلقَ العناية والدعم الضروريين من الحكومة في العقود الماضية، بالرغم من توسع شبكة الطرقات والخدمات العامة، إلا أن غايتها الأساسية لم تكن النهوض بالمجتمعات الريفية، إنما خدمة لمصالح الطبقة الرأسمالية الجديدة التي تركزت فيها الثروة في أيدي قليلة عائلية أو مقربة من النظام، وكان لا بد من أجل استثماراتها ومشاريعها أن ينجز بنية تحتية تخدم هذه الاستثمارات.

تم القضاء على هذه الاحتفالات الشعبية، واستعيض عنها باحتفالات ومهرجانات تقوم بها الحكومة، منها على سبيل المثال مهرجان البادية أو المدن المنسية أو المحبة في الساحل السوري، حيث تقوم الحكومة ممثلة بأجهزة الفساد بتنظيم هذه الفعاليات وإنجازها وتحويل أفراد الشعب إلى متلقين يتمايلون كتلة واحدية إلى اليمين وإلى اليسار في أثناء حضورهم للحفلات الغنائية، أمامهم فضاء وحيد يستطيعون تحريك أيديهم وأذرعهم فيه هو الفضاء الأعلى، فيبدون كما لو أنهم في لحظة تلاشٍ يرفعون أيديهم إلى السماء يستعطفونها.

فشل النظام في عملية الدمج الوطني، بل أكثر من الفشل كان هناك عمل على استثمار التعددية في دق الأسافين بين مكونات الشعب، وفرض الشمولية بالقوة، ابتداء من الروضة والمدرسة وانتهاء بالجامعات وأماكن العمل، هذه الشمولية القسرية لم تنتج مجتمعًا متآلفًا، بل أنتجت مجتمعات متناقضة ضمن الوطن الواحد، أدى الظلم والإهمال وازدياد الفروقات الطبقية وانتهاك الحقوق إلى إشهار هويات فئوية بأكثر أشكالها بدائية وإقصائية. وهذا ما كانت نتائجه واضحة بعد انتفاضة الشعب السوري والانزلاق الكارثي نحو العسكرة والحرب، بعد أن قوبل حراكه السلمي في البداية بالنكران والعنف، ووصول البلاد إلى هذا الدرك من التشتت والتمزق والانهيار في كل جوانب الحياة. لكن أكثر ما يحز في النفس ويدعو إلى الخوف من غد أكثر قتامة فيما يخص النهوض السوري ومحاولة إعادة إعمار البنيان البشري والفضاء الإنساني هو انزلاق بعض المثقفين إلى ميدان التحليلات المبنية على عنصر وحيد "الطائفية"، واختزال الأزمة السورية والحراك والموقف منه وتقويمه إلى بعد وحيد هو ثورة أغلبية سنية مسلمة مظلومة، على نظام أقلوي علوي مستبد وطاغية، واعتبار الطائفة العلوية كتلة وحيدة صماء باركت النظام في حربه على الشعب "المسلم السني" ودعمته بل وشاركته في القتل باعتبار أن البديل هو حكم إسلامي.

في هذا التحليل تعمية عن حقيقة جوهرية، هي أن الصراع في سوريا صراع بين نظام طاغ وشعب مسحوق منتهك الكرامة والحقوق، ولأن غالبية المناطق الثائرة كانت من المناطق السنية المهملة خاصة الريفية أو المتريّفة، فإن العنف طالها أكثر، ولأن الثورة دفعت دفعًا لأن تلبس لبوس الأسلمة والعنف من قبل كل الأطراف الضالعة، من نظام ومؤيديه إلى معارضة

لم يكن سكان هذه المنطقة يحملون هذا التراث لأنهم "علويون" بل لأنهم فلاحون شديدو الالتصاق بالأرض

سياسية وداعميها من قوى إقليمية ودولية، كان هناك خوف وانكفاء لدى قسم كبير من الشعب، لم يشاركوا في الانتفاضة، ومنهم من كانوا صامتين منذ البداية ربما لديهم رؤية أخرى أو قول آخر.

في الرابع من نيسان كان هناك احتفال جميل غني بتراثه الفني والثقافي والاجتماعي، كان ملمحًا من ملامح هوية محلية من دون تعصب أو إقصاء، مثلما كان لكل بقعة من سورية هويتها التراثية والثقافية، ولم يكن سكان هذه المنطقة يحملون هذا التراث لأنهم "علويون" بل لأنهم فلاحون شديدو الالتصاق بالأرض، كونوا تراثًا ثقافيًا فنيًا شعبيًا وليس فقط كما جاء في مقالة الكاتب حسام جزماتي المنشورة في هذا الموقع تحت عنوان "تعب المشوار... النشيد الوطني للساحل السوري" والذي انزلق فيها إلى الخطأ نفسه، اعتبار الطائفة كتلة صلدة أفرادها متطابقون، بل إنه بخس أغنية جميلة حقها، أغنية تعب المشوار الطافحة بالوجد والأسئلة الوجودية التي تحظى بشعبية واسعة لدى الشعب السوري بكل مكوناته. كان من المفيد احتضان هذا التراث الثقافي واحتضان كل الهويات التراثية في جميع المناطق السورية، لكن النظام لم يفعل بل حاول طمس تلك الخصوصيات المتشكلة عبر التاريخ، لكنه فشل، وفشلت معه بعض النخب في فهم الحقيقة واستنباط ما يجمع مكونات الشعب بدلاً من تكريس خطاب يزيد من اشتعال النار في هشيم المجتمع.

شارك برأيك

أشهر الوسوم