عودة نازحي ديرالزور مؤجلة والغاية تغيير ديموغرافي في حوض الفرات

قرابة 400 ألف شخص فروا من ريف دير الزور أثناء المعارك مع تنظيم الدولة (أرشيف)
تلفزيون سوريا - خاص

"هل يجرؤ أحد على عبور النهر؟!" أجاب عماد إبراهيم (38) عاماً عن سؤال لماذا لم تعودوا إلى قريتكم في ريف دير الزور الشرقي، رغم انتهاء المعارك منذ نحو 3 أشهر؟. نزح "إبراهيم" من بلدة حسرات إلى الضفة الغربية لنهر الفرات مع بدء قوات النظام ومليشيات رديفة لها التوغّل في المنطقة على حساب تنظيم (الدولة) في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، واجتاز مع عائلته نهر الفرات، على عبّارة مصنوعة من البراميل، إلى الضفة المقابلة حيث تسيطر "قوات سورية الديمقراطية".

"نزح من ريف دير الزور إبان الحملة العسكرية نحو 400 ألف مدني وتوجّه معظم النازحين إلى محافظة الحسكة وريف حلب الشرقي"

أوائل تشرين الثاني الماضي أعلنت قوات النظام والمليشيات التابعة لها سيطرتها على كامل مدينة البوكمال بدعم من مليشيا "الحشد الشعبي " العراقية التي تقدمت إلى المدينة من معبر القائم، لتستولي بعد ذلك على عشرات القرى في الضفة الغربية لنهر الفرات الذي بات الفاصل بينها وبين "قوات سوريا الديمقراطية".

 

لا سبيلَ للعودة!

يقيم" إبراهيم" الآن مع أفراد عائلته في حي غويران بالحسكة حيث تسيطر "قسد"، ووصل إلى المدينة بعد أن خرج من مخيم "مبروكة" الذي تحتجز فيه قوات "الأسايش" الكردية الآلاف من أهالي دير زور، ودفع إبراهيم مقابل خروجه مبلغَ (150) ألف ليرة سورية عن كل فرد من أسرته المكونة من أربعة أشخاص، كرشى أو إتاوات لمسؤولي المخيم الذي يقع في ريف الحسكة.

وقال "إبراهيم" لـ (تلفزيون سوريا): "حاول بعض الشباب العودة إلى قراهم في ريف البوكمال لتفقّد منازلهم، وعقب عبورهم النهر اعتقلتهم قوات النظام ولا أحد يعلم عنهم شيئاً، وإلى الآن لم يسمح النظام بعودة سوى 200 شخص من المدينة أتوا من مناطق سيطرة النظام في مدينة دير الزور ودمشق. كما عاد عدد من موظفي قطاع الكهرباء والاتصالات، ليداوموا يومين في الأسبوع بمدينة البوكمال وباقي الأيام يعودون إلى مدينة دير الزور".

"إلى الآن لم يسمح النظام بعودة سوى 200 شخص من المدينة أتوا من مناطق سيطرة النظام في مدينة دير الزور ودمشق."

ونزح من ريف دير الزور إبان الحملة العسكرية التي شهدتها المحافظة قرابة 400 ألف مدني وفقاً لرئيس المجلس المحلي لمحافظة دير الزور، أنس فتيح، الذي قال لـ (تلفزيون سوريا): "توجّه معظم النازحين إلى محافظة الحسكة وريف حلب الشرقي، ووصل نحو 40 ألفاً منهم إلى محافظة إدلب".

وفيما يتعلق بعودة القليل من الأهالي نبّه فتيح إلى أنهم يعيشون بحالة من القلق والخوف الدائم وعدم الثقة بالنظام الذي ما برح ينفّذ أبشع الانتهاكات بحقهم، وأضاف في هذا الجانب: "لا شكّ أن النظام ومسانديه من مليشيات طائفية سيطروا على المنطقة برمّتها يعدّون العدة للانتقام من المدنيين، وهو ما يدفع المدنيين للابتعاد عن فكرة العودة".

 

بدوره رأى جلال الحمد، مدير مرصد العدالة من أجل الحياة، أن عودة الأهالي إلى بلداتهم ومدنهم في دير الزور ليست فقط محفوفة بالمخاطر بل ومستحيلة أيضاً، وقال لـ (تلفزيون سوريا): "القرى الغربية (ريف الميادين) شبه خالية، يوجد بعض العوائل الذين عادوا وعددهم قليل جداً، والبعض الآخر هم من المدنيين الذين لم ينزحوا في أثناء الحملة العسكرية عزلهم النظام سابقاً في بعض المناطق وحالياً أفرج عنهم. عموماً القرى والبلدات شبه خالية، بعض الأفراد عادوا دون عوائلهم، والخدمات معدومة، فضلاً عن أن البيوت معظمها مسروقة أو محروقة".

 

وفود تتفقد المدن

في كانون الثاني الماضي، بدأ النظام الترويج لعودة النازحين إلى ريف دير الزور، وزار مسؤولون من النظام مدينتي البوكمال والميادين، كما نقل النظام عدة شخصيات مدنيّة أغلبها موالية في حافلات إلى البوكمال للاطلاع على وضع المدينة من دمشق، وبقوا في المدينة يوما واحدا وتمت إعادتهم في الحافلات نفسها التي جاؤوا فيها.

حاتم الهلال (اسم مستعار) أحد الشخصيات التي كانت ضمن الوفد قال لـ (تلفزيون سوريا): "البوكمال خالية تماماً من المدنيين، باستثناء عائلات قليلة نزحت أثناء المعارك مع التنظيم باتجاه مناطق سيطرة الحشد الشعبي العراقي. حوالي 70 بالمئة من منازل المدنية تم تعفيشها، والمحال التجارية مسروقة بالكامل".

خريطة السيطرة في جنوب شرق سوريا، شباط 2018 (تلفزيون سوريا)

 

المنطقة مُحتلّة

وعن طبيعة القوة التي تسيطر على المدينة أوضح "الهلال" أن معظم المسلحين الذين شاهدهم لا يتحدثون العربية، وعلى ما يبدو أن لواء فاطميون هو الذي يتمركز في البوكمال، كما أن مليشيا "الحشد الشعبي" تحتفظ بحواجز لها عند مدخل المدينة من جهة بلدة السويعية القريبة من معبر القائم.

 

في حين أكدّ "فتيح" انتشار مليشيات شيعية في ريف دير الزور الشرقي وبالتحديد في مدينة البوكمال، في حين تسيطر القوات الروسية على مدينة الميادين ووجودها أكبر من وجود المليشيات الأجنبية الأخرى. وأشار فيتح إلى وجود معلومات عن تمركز لمليشيات إيرانية في منطقة تدعى "عين علي" في الميادين.

وتداول ناشطون معلومات عن تحويلها إلى مزار شيعي، وبث ّعناصر من المليشيات صوراً تُظهر بناء سور حول النبع و"حسينية" قربه.

 

 

النازحون منسيّون

يفكر "إبراهيم" بمغادرة الحسكة إلى مناطق ريف حلب الشرقي أو تركيا، ونبّه إلى أن أهالي دير الزور الذين استطاعوا الخروج من مخيمات "قسد" يتعرضون لمضايقات يومية من قبل قوات "الأسايش" التابعة للإدارة الذاتية الكردية وبعضهم تم اعتقاله وإلحاقه بصفوف الأولى بشكلٍ تعسفي.

في هذا المعنى أشار "فتيح" إلى أن المدنيين في مناطق "قسد" يتم التعامل معهم على اعتبار أنهم حاضنة لتنظيم (الدولة) أو مقاتلون سابقون في التنظيم، وأضاف في هذا الصدد: "الحسرة عند أهالي دير الزور تكمن في عدم تبني أي جهة سواء كانت دولية أو إنسانية ملفَّهم، ولم يتم الالتفات إليهم، وهذه الكارثة لم تشهدها محافظة دير الزور عبر تاريخها، وحتى ضمن مآسي الثورة السورية يعدّ تهجير أهالي دير الزور الأكبر، ولا يوازيه سوى تهجير أهالي القلمون، والسبب في ذلك صورة مغلوطة لعبت وسائل الإعلام دوراً في ترسيخها هي أن المناطق الشرقية بالعموم حاضنة للتنظيم".

لافتاً إلى "أن الاستجابة لمأساة نازحي دير الزور لم تكن ضمن المأمول حتى في المناطق التي تنشط فيها مئات المنظمات الإغاثية".

شارك برأيك

أشهر الوسوم