عودة الربيع العربي أم "الكرامة العربية" ؟

مظاهرة حاشدة العاصمة الجزائرية رفضا لترشيح بوتفليقة(رويترز)

يصر التونسيون على وصف ثورتهم بأنها ثورة الحرية والكرامة، وخلال زياراتي المتكررة لتونس ما بعد الثورة كان الناشطون الذين شاركوا بالثورة يرفضون بشدة إطلاق وصف ثورات الربيع العربي على ثورتهم التونسية ويقولون إنها خرجت من أجل "الكرامة"، وهو ما توقفت عنده طويلاً في أحد زياراتي البحثية إلى تونس، حيث أخذت الميكروباص مسافرا من تونس العاصمة إلى المونستير بلد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، وصادف أن جلس بجانبي أحد المواطنين التونسيين الضحايا من قمع الرئيس السابق بن علي وقد فقد أحد عينيه خلال المشاركة بالمظاهرات التي أسقطت الرئيس بن علي في يناير 2011 فقال لي بلغة حازمة "الفرنسيون أسموها ثورة الياسمين أما نحن فأسميناها ثورة الكرامة" وقد ردد هذه العبارة بفخر وهو يشير إلى عينه التي فقد خلال الإصابة، نعم إنها الكرامة ليس لها تحليل أو أنها لا تدخل في جملة مصطلحات العلوم السياسية التي يقوم على تحليل الثورات وأسبابها وعواملها، فهو مصطلح بغاية التجريد، لكن وفق الكثير من استطلاعات الرأي التونسية لعب دوراً في تحريض المواطنين على الخروج على الشارع بهدف تغيير الرئيس بن علي ونظامه السابق.

ترشيح بوتفليقه على الوضع الصحي الذي وصل له ليس إهانة لكل جزائري وإنما إهانة لكل صاحب عقل يعرف أن بوتفليقة لن يستطيع أن يقوم بمهام أهم منصب في الحياة العامة

تذكرت هذه الحادثة وأنا أشاهد المظاهرات الحاشدة التي خرجت في شوارع الجزائر الأسبوع الماضي احتجاجاً على ترشيح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة جديدة رغم اعتراف الأمين العام للحزب الحاكم بأنه لن يستطيع المشاركة بالحملة الانتخابية الخاصة به بسبب عجزه الدائم لكنه "قادر على إدارة البلاد"، في الحقيقة ربما كان الحزب الحاكم قادراً على اختيار شخص يلعب الدور الذي يلعبه الرئيس بوتفليقه لكنه أصر على ترشيحه بعد تعديل الدستور للسماح له للقيام بذلك، فالنخبة الحاكمة في الجزائر وصلت لمرحلة من السكون والاطمئنان الكامل أن حركة ما في الشارع لن تخرج وأن الشعب في "واد آخر" تماماً، لكنهم فوجئوا بحجم المظاهرات التي خرجت وامتدادها على مدى التراب والأرض الجزائرية بكاملها.

لأن ترشيح بوتفليقة على الوضع الصحي الذي وصل له ليس إهانة لكل جزائري وإنما إهانة لكل صاحب عقل يعرف أن بوتفليقة لن يستطيع أن يقوم بمهام أهم منصب في الحياة العامة وهو منصب الرئيس وأن الاستمرار في ترشيحه هي إهانة لكل جزائري وبسبب "الكرامة" و"الشعور بالإهانة" خرج عشرات الألوف من الجزائريين إلى الشارع للتعبير عن غضبهم من الاستهزاء بهم والاستخفاف بعقولهم.   

الخوف الآن أن تنزلق الجزائر والسودان إلى الفخ  نفسه حيث تصر النخب الحاكمة على العودة بالحال إلى ما قبل ثورات الربيع العربي وهو المستحيل بعينه

بعد ثمان سنوات من بداية شرارة الربيع العربي فشلت معظم دول الربيع كمصر وسوريا وليبيا واليمن في إنجاز عملية التحول السياسي باتجاه بناء نظام ديمقراطي وليبرالي يحقق طلعات الشباب الذي كان في طليعة المظاهرات المليونية الحاشدة التي ملأت شوارع العواصم العربية لقد فشلت دول الربيع في التحول من أنظمة عسكرية أو تسلطية الى أنظمة ديمقراطية وبدلا من ذلك تكاد الدول جميعها تسقط إن لم تكن قد سقطت بالفعل في براثن حرب أهلية من الصعب التكهن بنهايتها أو مخرجاتها التي ستؤول إليها، لقد اصطدمت الثورات العربية بشكل قوي بهياكل مستبدة تعود إلى الأنظمة السابقة مع عدم رغبتها في التحول نحو دمقرطة المؤسسات وإدارة عملية التحول بذاتها كما جرى في مناطق أخرى من العالم كأوروبا الشرقية، بالعكس لعبت هذه الهياكل دورا تدميريا ليس في عرقلة عملية التحول فحسب وإنما في تدميرها عبر المساعدة في خلق منظمات عسكرية غير حكومية كما حدث مع داعش في سوريا والعراق ، وحزب الله في سوريا ولبنان والعراق، والحوثيين في اليمن ، كل هذه الهياكل العسكرية تم تشكيلها بشكل مباشر أو غير مباشر على يد هياكل الأنظمة السياسية السابقة بهدف عرقلة عملية التحول والانتقال، ولذلك انتقلت كل هذه البلدان الى مرحلة من الفوضى العسكرية وليس السياسية فحسب وهذا ما يفتح الباب واسعا لدخول هذه البلدان إلى الحرب الأهلية لتفتيت بناها الاجتماعية الضعيفة أصلا والمكونة من انتماءات قبلية وطائفية ما قبل دولتية.

الخوف الآن أن تنزلق الجزائر والسودان إلى الفخ  نفسه حيث تصر النخب الحاكمة على العودة بالحال إلى ما قبل ثورات الربيع العربي وهو المستحيل بعينه بدل إدارة مرحلة التحول باتجاه طريق الديمقراطية وبناء المؤسسات التي تحترم رأي المواطن وتعيد له كرامته.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم