عواقب نتائج الانتخابات المحلية على السوريين في تركيا

أفرزت نتائج الانتخابات المحلية/البلدية التي جرت في تركيا، الأحد، خريطة جديدة لإدارة البلديات في عموم البلاد، ومنها محافظات تعتبر حاضنة لأغلبية كبيرة من اللاجئين السوريين، وهو ما يولد بالطبع تخوفات متزايدة لدى اللاجئين الذين يتخوفون من قرارات المعارضة التي استهدفتهم طوال حملتها الانتخابية وتوعدتهم بإجراءات حازمة وصلت حد التعهد بإعادتهم إلى سوريا.

وبغض النظر عن عدم حسم لجنة الانتخابات العليا للفائز في إسطنبول -حتى كتابة المقال- حيث تتعزز فرص مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، فإنه تأكد فوز المعارضة في محافظات مهمة كأنقرة وأنطاليا وأزمير وهاتاي ومرسين وأضنة وهي جميعها أماكن يتركز فيها تواجد جزء مهم من بين أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري يعيشون على الأراضي التركية منذ سنوات.

هذا التغيير من غير الممكن ألا يؤثر على ملايين اللاجئين السوريين الذين باتوا جزء لا يتجزأ يؤثرون ويتأثرون في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا، وبعيداً عن التهوين والتقليل أو التهويل والتخويف فإن آثار هذه التغيرات على اللاجئين يمكن شرحها من خلال محورين لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر.

فبينما يتعلق المحور الأول بالتغيرات التي يمكن أن تبدأ بالظهور تدريجياً من خلال البلديات التي سيطرت عليها المعارضة وهي أمور ترتبط بالخدمات والظروف الحياتية (تغيرات في الحياة اليومية تظهر على المدى القصير)، فإن المحور الثاني الذي لا يقل أهمية يتعلق بالتغيرات التي سوف تفرضها هذه النتائج

يعتبر من الخطأ القول إن التغيير مقصور على البلديات محدودة الصلاحيات المتعلقة بالملفات الأساسية الخاصة باللاجئين

على سياسات حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان اتجاه اللاجئين في إطار خطة معالجة أسباب تراجع شعبيته استعداداً للانتخابات الأهم عام 2023 (تغيرات استراتيجية تظهر على المدى المتوسط والبعيد).

ففي حين يعتبر من الخطأ القول إن التغيير مقصور على البلديات محدودة الصلاحيات المتعلقة بالملفات الأساسية الخاصة باللاجئين، فإن الخطأ الأكبر يتمثل في الاعتقاد بأن أردوغان سيبقى مصراً على سياساته القديمة المرتبطة بملف اللاجئين. ففي الوقت الذي ستسعى فيه المعارضة للإيفاء بوعودها لناخبيها، يتوقع بقوة أن يسارع أردوغان لإخراج ورقة اللاجئين السوريين من حسابات الناخبين الأتراك حتى لا تبقى ورقة ضاغطة عليه في الاستحقاق الانتخابي المقبل.

فعلى على المدى القصير، لا تمتلك البلديات في تركيا أي صلاحيات تتعلق بالسياسات العامة التي تحكم مبدأ التواجد السوري في تركيا، فالأمر مرتبط بشكل كامل بسياسات الرئيس وحكومته والبرلمان وهي الهيئات التي لن تشهد تغييراً حتى يونيو/حزيران 2023. وبالتالي فإن كل ما يتعلق بالسياسات المرتبطة بمنح الإقامات وأوراق اللجوء والتنقل بين المحافظات وملف التجنيس والأمن وغيرها لا تمتلك البلديات أي سلطة لتغييرها أو التأثير عليها.

وإلى جانب ذلك، يرتبط الجزء الأهم من الخدمات المقدمة للاجئين السوريين بوزارتي التعليم والصحة وبتمويل مباشر من منحة الاتحاد الأوروبي التي يتم من خلالها دفع الرواتب الشهرية المحدودة للاجئين الأشد فقراً من خلال الهلال الأحمر التركي.

لكن يبقى للبلديات صلاحيات مباشرة في جوانب تتعلق ببعض المساعدات والخدمات التي ما زالت تقدم لجانب من اللاجئين من خلالها بشكل مباشر، بالإضافة إلى الصلاحيات الأهم المرتبطة بتنظيم الأسواق والأنشطة التجارية والمحلات والمطاعم والتراخيص وربما اتخاذ قرارات تتعلق بلغة الكتابة على اللوحات التجارية والدعائية والجمعيات ويمكن أن يمتد الأمر لمحاولة التدخل في تنظيم الهيئات الصحية والتعليمية الخاصة.

ورغم كل الخطاب العدائي الذي قادته المعارضة، إلا أنها لن تتهور في محاولة تطبيق تهديداتها حتى في إطار صلاحياتها الضيق، لكن يتوقع أن يكون المتضرر الأكبر منها أصحاب المطاعم والمشاريع التجارية الصغيرة، كونها سوف تسعى بلا شك لاتخاذ إجراءات لإرضاء ناخبيها.

ولكن الأهم يتعلق بالآثار المتوسطة وبعيدة المدى، فحتى وقت قريب، لم يكن يعتبر ملف اللاجئين السورين ورقة خاسرة في يد أردوغان، حيث استثمرها من خلال التأكيد على أصالة المجتمع التركي وتقاسم لقمة العيش وخطاب "المهاجرين والأنصار" وغيرها، وكون هذه الورقة لم تضره كثيراً في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت يونيو/حزيران الماضي فإنه لم يبادر بالقيام بأي إجراءات مضادة ضد اللاجئين.

ولكن في هذه الجولة، وصل أردوغان إلى خلاصات مختلفة، فالنتائج كانت موجعة للحزب الحاكم الذي يجد نفسه مضطراً للاستجابة لتوجهات الشارع التركي الذي تداخلت عنده المعطيات في تقييم أسباب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها فوجد ضالته في اللاجئين، حيث تقول استطلاعات رأي إن شريحة واسعة من الشعب التركي بما يشمل القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية تعتقد أن اللاجئين يشكلون عبئاً اقتصادياً على البلاد وساهموا في ارتفاع نسب البطالة.

وفي أول الإشارات، قدم أردوغان تلميحات مهمة خلال "خطاب الشرفة" الذي ألقاه فجر الاثنين من أنقرة، وذلك عندما وعد بتحديد مواطن القصور والاستجابة لمطالب الشعب وتنفيذ رغباته، قبل أن يقدم وعداً مباشر بتسريع العمل على تأمين مناطق في شمالي سوريا و"تهيئتها لإعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم".

هذا لا يعني على الإطلاق أن الرئيس التركي ربما يتخذ قرارات مفاجئة أو خطوات سريعة من قبيل البدء بإعادة السوريين إلى بلادهم، فهو سيناريو غير وارد على الإطلاق، ولكن يتوقع أن يبدأ بوضع خطط تضمن له إزالة ملف اللاجئين السوريين من اهتمامات الناخب التركي خلال السنوات القليلة المقبلة، أي قبل الوصول لاستحقاق انتخابات 2023.

هذه الخطط سوف تكون عبر محورين أساسيين، يتعلق الأول بتعزيز الاندماج وإعادة تنظيم تواجد شريحة

يمكن أن يضطر أردوغان لإبداء ليونة أكبر اتجاه روسيا والنظام السوري للتوصل إلى تفاهمات تضمن سلامة وحرية وظروف عودة اللاجئين لمناطق معينة شمالي سوريا

من اللاجئين عبر خطط التجنيس وتعليم اللغة وإعادة تنظيم مناطق تواجدهم وأسواقهم وسكناتهم وغيرها، والثاني يتعلق بتمهيد الطريق أمام إعادة أو عودة شريحة أخرى منهم إلى الأراضي السورية.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يضطر أردوغان لإبداء ليونة أكبر اتجاه روسيا والنظام السوري للتوصل إلى تفاهمات تضمن سلامة وحرية وظروف عودة اللاجئين لمناطق معينة شمالي سوريا عقب تأهيلها، أو اللجوء إلى الخيار العسكري مجدداً كما جرى سابقاً في درع الفرات وغصن الزيتون من أجل إقامة مناطق آمنة وتشجيع الراغبين بالعودة إلى أراضيهم ومناطق سكنهم الأصلية.

من الصعب والمبكر الآن التكهن ما إن كان الجزء الأكبر من اللاجئين سيتم مساعدتهم للاندماج بالمجتمع التركي أو تهيئة الظروف لهم للعودة إلى سوريا، لكن عوامل كثيرة مرتبطة بالتطورات عسكرياً وسياسياً في سوريا، وداخلياً في تركيا، وسلوك اللاجئين أنفسهم، ستجيب على هذا السؤال بشكل عملي خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم