عهد البراءة: الطفولة في السير الذاتية

افتراضات قارىء سير ذاتية

يمسك الكاتب بالقلم ليدون مذكراته فبماذا يبدأ؟ يبدأ بقصة طفولتة، يخبرنا عن ظروف الطفولة والمشاكل التي واجهها، وجو الأسرة، والنظام التعليمي، وبعض ما بقي في ذاكرته عن هذه الفترة. ثمة افتراض لدي عندما أمسك بسيرة ذاتية يخصص فيها الكاتب الحديث عن الطفولة: أشك في دقة السرد. لا لشيء يخص أمانة الكاتب فيما يكتب، لكن لاعتقادي بقدرة الذاكرة على تغيير الأحداث بما يجعلها تسير في خط منطقي من الطفولة إلى الشباب. يكتب الكاتب ذو المزاج السياسي عن أول اهتماماته السياسية منذ صغره، ويكتب الأديب عن بدايات التعرف بالشعر وفنون الأدب، إنني أفترض - بلا دليل - أن هذا المنطق الخطي في كتابة السير الذاتية تولد لدى العديد من المؤلفين نتيجة الرغبة في الحديث عن حياتهم كقصة تصاعدية، فلحظات النهاية والكهولة سبقتها طفولة شبيهة بها.

الافتراض الثاني بخصوص تدوين ذكريات الطفولة في السير الذاتية أساسه أن مرحلة الطفولة جرى تضخيم أهميتها في القرن العشرين. ولا شك

سيرة إدوارد سعيد، التي كتبها قبل وفاته وفي مرحلة مرضه الأخير، مفاجأة لكثير من متابعي حياة الرجل، فقد كتب عن طفولته ومراحل حياته الأولى، ولم يتطرق لكثير من محطات حياته الأخرى التي يعتبرها كثير من القراء مهمة وثرية

أن التحليل النفسي وفرويد قد منح هذه المرحلة دوراً متضخماً، فالشخص نتاج الطفولة. ولست مهتماً بالتشكيك في آراء التحليل النفسي، بل إنني أجد صدى هذه الفكرة في كتابة السير الذاتية لتفسير كثير من الآراء والميول والتوجهات وتفسير البدايات الفكرية، ومحاكمة الأهل على بعض تصرفاتهم التربوية.

الافتراض الثالث، وقد وثب إلى ذهني من كتاب الباحث تيتز روكي "في طفولتي: دراسة في السير الذاتية العربية"، هو أن مرحلة الطفولة جرى الاهتمام بتدوينها بكثرة في مقابل إهمال تدوين تاريخ الأفراد في مراهقاتهم، والانتقال من الطفولة إلى الشباب عند تدوين المذكرات الشخصية.

خارج المكان: إدوارد سعيد طفلاً

اقترح الكاتب جلال أمين في أحد كتبه عندما كتب عن إدوارد سعيد ترجمة مختلفة لعنوان سيرته الذاتية بدل "خارج المكان"، وهو (اغتراب) باعتباره أكثر دلالة على حياة الكاتب. كانت سيرة إدوارد سعيد، التي كتبها قبل وفاته وفي مرحلة مرضه الأخير، مفاجأة لكثير من متابعي حياة الرجل، فقد كتب عن طفولته ومراحل حياته الأولى، ولم يتطرق لكثير من محطات حياته الأخرى التي يعتبرها كثير من القراء مهمة وثرية.

طبقا لإدوارد سعيد فإن هناك أمرين أساسيين حدثا له في بداية التسعينات شجعاه على تسجيل مذكراته التي تهتم بطفولتة بشكل كبير. الأمر الأول وفاة والدتة، فقد شعر حينها بأن آخر خيط يربطة بالعالم الذي نشأ فيه قد انقطع، أما الأمر الثاني فقد كان تشخيصه بمرض السرطان في خريف 1991، وشعوره بأن حياته تشارف على الانتهاء. كأنه أراد من كتابة المذكرات أن تكون طريقة جيدة لتساعدة على توضيح أفكارة بشأن عائلتة وخصوصاً والده الذي يقول إدوارد إنه عامله بقسوة شديدة في تربيتة له.

ثمة تغيير جذري حدث في حياة الطفل إدوارد في سن السابعة. ففي صيف عام 1942 تتقدم القوات الألمانية في الصحراء الغربية في مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، ويشعر والده الذي يحمل الجنسية الأمريكية بالخطر، في وقت لم تكن أمريكا تتمتع بتلك القدرة على حماية رعاياها في كل أنحاء العالم. يقرر الأب الانتقال إلى فلسطين، ويستقر  بداية في القدس ثم رام الله. بعد هذه الفترة أصيب والده باكتئاب، أصبح منطوياً جداً على نفسه، وتحول كما يقول إدوارد من شخص مرح وودود إلى شخص بعيد وفاتر. تحول من شعوره بالأبوة إلى رب عمل، وصبَّ نوعاً من الانضباط الشديد على حياة ابنه ظل يشتكي منه على صفحات الكتاب. لم يساعده تدوين سيرته على التخلص من أي من هذه المشاعر، بل فقط أعطاه هدفاً وكتاباً واحداً انشغل به في فترة مرضة الأولى، وهذا ساعده على التأقلم مع المرض. الكتابة عن الذكريات كعلاج.

في أحد الحوارات يسأل المحاور إدوارد سعيد: هل تسنت لك فرصة أن تقوم بروابط لم يسبق لك أن تنبهت لوجودها في حياتك قبل كتابة المذكرات؟ عندها قلت لنفسي: هذا هو جوهر ما أبحث عنه: هل الكتابة الذاتية تجعل الكاتب يفهم ذاته وهو يقدمها مستعرَضة أمام الناس؟ تأتي الإجابة من إدوارد سعيد بالإيجاب، فقد فهم الكثير عن نشأة عائلته ونمطها عندما كتب المذكرات. أعانته المذكرات على فهم مركزية قضية التعليم في حياتة. لقد قدم سيرة تركز على ماذا تعلم. ونتيجة ذلك أنه بقي في المجال الأكاديمي طوال حياته تقريباً.

هنا نعود للافتراض الذي كتبته في بداية المقال: ما أصبحنا عليه نود أن نجد له جذوراً منطقية أدت إلى ما أصبحنا نُعرف به بين الناس. لا شك أن الجذور طبيعية في حياة كل فرد، لكن مرحلة الطفولة هي أقل المراحل التي يعي الإنسان فيها فرديته ويؤسس تعريفاً يقدمه للآخرين عن نفسه. الطفولة نلبسها ثوب وعينا "اللاحق". في الحوار تأتي عبارة مهمة وهي "كان لقسوة طفولتي نصيب الأسد في التأثير علي، واكتشفت بالعودة إليها أنها لم تكن طفولة سعيدة أبداً بل كانت تعيسة تذكرني بشخصية بيب في رواية "الآمال الكبرى" لتشارلز ديكنز". وثمة أمر أخير أستطيع أن أجده واضحاً منذ طفولته إلى كهولته وهو اهتمامة باللغة والموسيقى".

أوائل زيارات الدهشة: هوامش التكوين

هذا العنوان هو السيرة الذاتية للشاعر محمد عفيفي مطر الذي قدم فيه سيرة ذاتية ممتعة لطفولتة. بطل هذه السيرة اللغة الشاعرية المتدفقة في السرد. نص ممتع وألفاظه مختارة بعناية. يصف الشاعر أحداثاً عادية في مجتمع القرية لكنه يضفي عليها عمقاً، عندما يتعرف على ديوان محمود حسن إسماعيل ويسجل فرحته بالحصول على أحد الأشخاص في القرية المجاورة يملك نسخة من الديوان، فيذهب إليه ليخط القصائد بيده وينقلها ويعود بها وهو يشعر بانتصار عظيم. يتحدث عن المدرسين

وصف طه حسين عالماً يسير فيه طفل فاقد للبصر، ويذهب للأزهر ويصف طريقة معاشه باللمس والشم والسمع

في المدرسة ويصفهم بسلالة النور، ويقدم مقالات شكر وتبجيل لمدرس التاريخ ومدرس اللغة العربية، يلعن الحضارة الفرعونية ولا يشعر تجاهها بأي حنين أو صلة، ويذكر هذا الانقطاع في الوجدان التاريخي بينه وبينها، ويقدم نصاً ممتعاً عن طفولته وعن نساء القرية وذكرياته مع والده. إنها من السير الممتعة.

لا يمكن الحديث عن مذكرات الطفولة دون ذكر السيرة الرائدة: "الأيام" لطه حسين. كيف وصف طه حسين حياته وكأنه يلقيها إلقاء على مسمع القارىء، ويحب فيها اللعب بالألفاظ وأن يسمع في كتابته موسيقى خفية ونغمة جميلة. وصف طه حسين عالماً يسير فيه طفل فاقد للبصر، ويذهب للأزهر ويصف طريقة معاشه باللمس والشم والسمع.

الطفولة في السير الذاتية

هناك بعض الكتب التي اهتمت بفترة الطفولة فقط مثل ما كتبه فالتر بنيامين في "طفولة في برلين" عن حياته في برلين. وكتب إبراهيم عبد الحليم كتاباً بعنوان "رباعية أيام الطفولة" على نمط الرواية وهي أحداث طفولته. وكذلك محمود عبد الشكور في كتابه "كنت صبياً في السبعينات"، وكتاب سيد قطب "طفل من القرية" وكتاب "طفولتي" للكاتب الروسي مكسيم جوركي.

تحتل فترة الطفولة مكانة في سير العديد من المؤلفين مثل "النوافذ المفتوحة" لشريف حتاتة التي تكاد تقترب من السرد الروائي. فالكاتب تخيل حتى مشاعره وهو طفل رضيع، وكل هذا استنطاق لاحق لفترة الطفولة وما جرى فيها من مغامرات وأحداث. وهي سيرة تقرأ من أجل جمال الوصف ودقته ولمحات من المشاعر الصادقة والصادمة مثل تحليله لعلاقته مع أمه ووالده، وكذلك لتجربة الكاتب السياسية التي بدأت منذ عهد الملكية.

والمتصفح للسير الذاتية سيجد تخصيصاً لهذه المرحلة مثل ما ذكره أحمد أمين عن طفولته وتعليمه في كتابه "حياتي"، أو وصف ابنه، جلال أمين، لحياة عائلته في كتابيه عن سيرة حياته "ماذا علمتني الحياة" و"رحيق العمر".

وهناك فرصة ثمينة لقراءة فترة زمنية مثل الطفولة في عدة أجيال ومقارنتها بعضها ببعض. من يقرأ "يوميات مجاور" لسليمان فياض سيرى الأزهر بعين مراهق/شاب في مرحلة زمنية معينة، ولو قارنها المرء بتجارب أشخاص التحقوا في ذات الفترة بالأزهر ودونوا تجاربهم وذكرياتهم فستكون لديه قراءته الخاصة لفترات تاريخية بعيون مختلفة.

القرن العشرون هو قرن الكتابة الذاتية، وفيه دون الكثير من المؤلفين تجاربهم وذكرياتهم. عندما قرأت "رحلتي الفكرية" لعبد الوهاب المسيري تعجبت من حرصه وبحثه عن أغنيات الطفولة التي خاف أن تنقرض في عصر الإنترنت فقام بتدوينها وسؤال رفاق جيله على هذه الأغنيات خوفاً من أن تنسى. في الطفولة سحر عجيب، هي عصر البراءة، ما إن يشرع الإنسان في قص حكايته حتى يبدأ بالقول كنت طفلاً.. وعشت كذا وكذا. *(t of place"مين في أحدكتبه عندما كتب عن إدوارد سعيد ترجمة مختلفة لعنوان سيرته الذاتية "ل إهمال تدوين تاريخ الأفراد في مراهقاتهم

شارك برأيك

أشهر الوسوم