عن الكتابة والفلسفة وأشياء أخرى

عبر توالي الحقب التاريخيّة ولغاية يومنا هذا، وحتّى يضعَ الزمنُ نقطةَ النهاية أمام تدفّقهِ، سيبقى سؤال الإبداع؛ مقدّماتهُ، تجليّاته، محفّزاته وضروراته... قائماً، يعيدُ إنتاج نفسه في رحلة البحث عن إجابات مختلفة، لا ولن تنتهي. وفي تصوّري، أسّ الإبداع قائمٌ على الأنا - الذات، بما تختزنه من نزوع نحو الابتكار بهدف الاختلاف والتفرّد وتجاوز السائد والتقليدي. وبما أن لكل ذاتٍ مبدعة، أناها التي يفترض ألاّ تهفو نحو التشابه أو التطابق، فضلاً عن رفضها الاندماج ضمن السياق أو السائد من أنماط التفكير والتقدير، قولاً وفعلاً وتخيّلاً، لذا، أستبعد فكرة وجود إبداع مشترك، ثنائي أو ثلاثي على الصعيد الكتابي الأدبي. مع استثناء الأفلام السينمائيّة والعروض المسرحيّة باعتبار أنها يمكن أن تكون أفعال فنيّة جماعيّة إبداعيّة مشتركة.

ومن الجائز أن نجد كتاباً بحثيّاً أو نقديّاً: سياسيّاً، اجتماعيّاً، فلسفيّاً...، مهمّاً، اشترك فيه كاتبان أو كاتبتان أو أكثر، لكن أستبعد أن نجد شاعرين أو شاعرتين، أو شاعر وشاعرة، اشتركا في كتابة قصيدة واحدة، تكون علامة فارقة في عالم الإبداع. ذلك أنه في هكذا أعمال، تنعدم لدينا معرفة نسبة المجهود الإبداعي في التخيّل والصوغ الذي بذله كل مشترك في هذا العمل! من دون أن نسهو

لكلّ أنا مبدعة، خزينها المعرفي، وعمقها الفكري، وخصيبها التخيّلي، ومراسها وتراكم خبراتها، والزاوية التي تنظر منها إلى الحياة والكتابة

عن أن شراكات من هذا النوع، ستخضع بالضرورة لمنطق التفاوض والمساومة والتوافق على وجهات نظر غير متشابهة تماماً، لاستحالة تطابق الأنا - الذات لدى الأطراف المشاركة فيه. وأي عمل أدبي، يخضع للتفاوض والمساومة والتوافق الذي يفضي بالضرورة إلى التنازل من قبل الطرفين المشتركين في العمل، تسقط عنه صفة الإبداع القائم على الجرأة والتفرّد. ويصحُّ على الإبداع القول المصري الشائع؛ الإبداع "زي الفريك، مابيحبش شريك". وعليه، لكلّ أنا مبدعة، خزينها المعرفي، وعمقها الفكري، وخصيبها التخيّلي، ومراسها وتراكم خبراتها، والزاوية التي تنظر منها إلى الحياة والكتابة، تختلف بها عن أيّة ذات مبدعة أخرى. وبالتالي، أحسبُ الأعمال الأدبيّة المشتركة، بشكل أو بآخر، أُطراً تقوّض إن لم تكن تقيّد، حركة تفكير وخيال المبدع.

وربما يبرز البعض تجارب مشتركة، ويصبغ عليها صفة الإبداع المشترك، كالتي جمعت طه حسين وتوفيق الحكيم في "القصر المسحور". ويكفي القول: إن الحكيم كان رافضاً أصلاً فكرة أن يكتب حسين مقدّمة لمسرحيّته "أهل الكهف"، وله منطقه الذي برر به رفضه ذاك، كائنا من كان كاتب المقدّمة، بخاصّة إذا كان مشهوراً ومكرّساً ككاتب وباحث وناقد من وزن طه حسين. تلك المسرحيّة، وعلى مديح حسين لها، ورغبته في كتابة مقدّمة لها، كانت إحدى علامات الاختلاف والخلاف بين القامتين الأدبيتين. ولنفترض جدلاً أن "القصر المسحور" كان إبداعاً في حينه، لجهة أن الرواية العربية كانت في مطالعها، ولم تكن ذائعة ومنتشرة، كما هي الحال الآن، معطوفاً عليه، فرادة استحضار شخصيات "ألف ليلة وليلة" - (الشرق) ونسج حياة متخيّلة، على الأراضي الفرنسيّة - (الغرب)! ولكن فكرة ذلك العمل، حاليّاً، تبدو بسيطة وسطحيّة أيضاً، وسقطت بالتقادم، وانتفى عنها شرط الإبداع المستمرّ، عبر الأزمنة والأمكنة. بالنتيجة: لستُ مع الكتابة المشتركة، ولست ضدها. لكني لا أميلُ إليها، ولا أحبّذ وسمها بالإبداع، للأسباب التي ذكرتها آنفاً.

وليس بعيداً كثيراً عمّا سلف ذكره، بخصوص ورش الكتابة الإبداعيّة، أعتقد أن الحسّ الإبداعي والخيال والأفكار الإبداعيّة...، تتعلّق بالموهبة التي تولد مع المرء، ولا تكون مكتسبة. وعليه، كليّات الآداب والفنون، لا تخرّج بالضرورة أدباء وفنانين. ذلك أن دين وديدن ودأب الإبداع هو الاشتغال في منطقة الاستثناء، وليس في منطقة القاعدة أو القواعد، ومعلوم أن التدريس قائم على القواعد والضوابط والمناهج...إلخ. وعليه، التحصيل العلمي الأدبي والفنّي، يصقّل المواهب، ويضيف إليها الخبرات، ولا يخلق أو يزرع مواهب إبداعيّة لدى من يفتقدونها. وما تعجز عنه الجامعات والكليّات والمعاهد بهذه الخصوص، لن تنجح فيه الورشات المتعلّقة بالكتابة الإبداعيّة. هكذا وِرش، من أصل عشرة مشتركين ومشتركات فيها، ربما يظهر اثنان أو ثلاثة أشخاص موهوبون وموهوبات، يمكن التعويل على إمكانيّة تنمية الحسّ الإبداعي والأفكار الإبداعيّة والخيال الإبداعي لديهم، والقائم على الاختلاف والتجاوز. وباقي المشتركين، وتكون نسبتهم أكبر، نسبة تأثّرهم واستفادتهم من هكذا ورش، ضئيلة. جلّ الفائدة من الورش المتعلّقة بالكتابة الإبداعيّة، أنها تخلق جوّاً من التواصل بين أصحاب المواهب، من جهة، وتقدّمهم للوسط الثقافي من جهة أخرى. وهذا ما يحتاجه الشخص الموهوب والمهووس أصلاً بالكتابة، في مطالع تجربته الإبداعيّة. أكرر؛ الموهوب، وليس شبيهه أو مدّعي الموهبة.

على ضوء ما سلف، لست ضد ورش تعليم الكتابة الإبداعيّة، وربما الأقرب إلى الصواب هو تسميتها؛ ورش تنمية مواهب الكتابة الأدبيّة. ذلك أنه على المرء أن يكون كاتباً أولاً، ثم يفترض به التوجّه نحو الإبداع، بحيث يكون له صوته وبصمته الخاصّتين في حقول الكتابة الأدبيّة. وبالتالي، ليس كل كاتب بالضرورة مبدعاً. ولكن كل مبدع في حقول الأدب، بالضرورة أنه كاتب موهوب.

يرى البعض انحساراً شديداً، وربما انعداماً، في دور وحضور الفلسفة أو الجانب الفلسفي في الأعمال الأدبيّة؛ رواية، قصّة، شعر. وبتقديري، الفلسفة لا يمكن أن تغيب عن حياة المجتمع، طالما هناك محرّكات ودوافع وروافع تبقيها على قيد الحياة. بموت الفلسفة تموت المجتمعات. ذلك أن السؤال هو روح الفلسفة. وإن خلت الفلسفة من الأسئلة، تحوّلت إلى دين يتعامل مع الأمور والأحداث والتحوّلات الاجتماعيّة - الاقتصاديّة - السياسيّة بيقينيّات ومطلقات وحتميّات، معطوفاً عليها الغيبيّات. وإذا استبدّت الأديان بالمجتمعات، حوّلت الأخيرة إلى قطعان، وتحويل الأوطان إلى حظائر وغابات. وعليه، الفلسفة عقل المجتمع، والإبداع روحه. وتكمن جدليّة وديناميّات تطوّر المجتمعات في ثنائيّة العقل والروح. وما يجمع العقل والروح هو السؤال. فللعقل أسئلته التي ربما تتعارض أحياناً مع أسئلة الروح. والعكس صحيح.

وعليه، يمكن الحديث عن تراجع الفلسفة في الحياة العامّة العربيّة والشرق أوسطيّة، ولكن لا يمكن الحديث عن الغياب بشكل

المجتمعات الشرق أوسطيّة، بفعل الاستبداد، وعدم ملاحقة التطوّرات الكونيّة على صعيد التعليم والعلوم وإنتاج المعرفة، أصبحت مجتمعات استهلاكيّة، ما انعكس على الآداب والفنون

مطلق ومبرم، رغم الترسانة والخرسانة الهائلة التي يتمتّع بها الاستبداد والفساد في العالم العربي. ومن طبائع الاستبداد السعي الدؤوب نحو تغييب الفلسفة من حيوات الناس، بهدف اغتيال الفلسفة، وشلّ العقل الفردي والمجتمعي. لكن تبقى الفلسفة تقاوم، سواء بشكل مجرّد وواضح وصريح، أو عبر الفنون والآداب.

ما زال هناك شعر، ينطوي على أفكار ورؤى فلسفيّة، حتّى ولو كان على نطاق ضيّق. وما زالت هناك رواية وقصّة تنحوان منحى الفلسفة في تحفيز الأسئلة وإثارة قلق المعرفة، ومعاودة إنتاج اسئلة الوجود والحياة والحريّة لدى الأفراد والمجتمعات، حتى ولو كان ذلك حتى نطاق ضيّق. صحيح أن المجتمعات الشرق أوسطيّة، بفعل الاستبداد، وعدم ملاحقة التطوّرات الكونيّة على صعيد التعليم والعلوم وإنتاج المعرفة، أصبحت مجتمعات استهلاكيّة، ما انعكس على الآداب والفنون. ولكن الصحيح أيضاً أن النثر الفلسفي أو الأدب المطعّم بالفلسفة، ما زال يمارس فعل المقاومة، مقاومة الانحطاط والاستبداد وقيم ومفرزات المجتمع الاستهلاكي.

وسط تراجع، وليس انعدام، حضور الفلسفة في الأدب الشرق أوسطي، من الطبيعي أن يكون هناك تراجع في القيمة الأدبيّة أو ندرة الأعمال الأدبيّة ذات العمق والمنحى الفلسفي، مع هذه الوفرة الكبيرة من صدور الاعمال الأدبيّة والجوائز المخصصة لها.

الصحيح أيضاً أن بعض النقّاد، إنْ لم يكن أغلبهم، لا يحبّذون تلك الأعمال التي تشتغل على اجتراح الاسئلة الفلسفيّة، على أنها مفتعلة، وتعبّر عن نرجسيّة الكاتب - المؤلّف، وأنها لا تحترم واقع ووعي القارئ، وأنها أعمال مكتوبة للنخبة...الخ! هذا السلوك النقدي، إنْ لم يكن له تأثير أو انعكاس سلبي على الكاتب، فهو بكل تأكيد يعرقل حركة التواصل بين القارئ - المتلقّي مع الأعمال الأدبيّة والإبداعيّة ذات المنحى الفلسفي.

ليس بالضرورة أن يكون الكاتب/ة فيلسوفاً حتّى يمكنه، أو يحقُّ له طرح بعض الأفكار والاسئلة الفلسفيّة في أعماله. كذلك العمل الأدبي، ليس بالضرورة أن يكون مغالياً أو موغلاً في متاهات الفلسفة. ذلك أن قارئ الأدب ينتظر من الأديب أدباً، وليس سلسلة من البحوث والدراسات الفلسفيّة، تحت عنون "رواية". حضور الفلسفة في الرواية ولو بنسبة 20 إلى 25 بالمئة، يكفي لأن يخوّلنا تسميتها رواية فلسفيّة. وما يزيد عن ذلك، ربما يشكّل عبئاً على الرواية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم