عن الفن والسياسة.. حصى "صافون" وألغام "ديركي".

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين بحدثين مهمين. لا تأتي أهميتهما من تأثيرهما في الأحداث، ولا من أهميتهما في الثقافة والفن، بل تأتي أهميتهما من دلالتهما في قراءة كيف يتعاطى السوريون مع تفاصيل المشهد السوري.

الحدث الأول هو فيلم "الآباء والأبناء" للمخرج السوري الكردي (كما يحب هو أن يعرّف عن نفسه) "طلال ديركي"، ويحكي الفيلم قصة عائلة تعيش في قرية من قرى محافظة إدلب، ويقرر الأب السلفي الجهادي الذي يوالي تنظيم القاعدة مصير أطفاله، عبر دفعهم باكرا لحمل فكرة الجهاد من أجل تحقيق الخلافة الإسلامية.

والحدث الثاني هو ظهور فنان سوري اسمه "نزار علي بدر" على برنامج للمواهب مخصص للبلدان العربية، ويقدم فيه موهبته في رسم لوحات عبر رصف حجارة لتشكل مشهدا أو لوحة، واختار هذا الفنان أن يقدم في هذا البرنامج لوحة تجسد هجرة السوريين ورحيلهم القسري الفاجع عن سوريا.

في كلا الحدثين انقسم السوريون في النقاش حولهما كالعادة، وتباينت الآراء بين حدين متطرفين من التأييد والاستنكار، ولم يكن هذا غريبا، فنحن السوريين

 عندما تدفق سيل اللاجئين السوريين الهاربين من الموت في سوريا باتجاه أوروبا، انتشرت إشاعة عند هؤلاء اللاجئين وهي أن الأوروبيين، ولأنهم مسيحيون، فسوف يرحبون بك أكثر إن كنت مسيحيا

الذين خرجنا من قمع شديد امتد عقودا طويلة إلى فضاء الرأي وحريته، وإمكانية قوله وتداوله عبر وسائل غيرت كثيرا من مفهوم الإعلام وطرقه وأدواته، لن يكون سهلا علينا أن نهدأ قليلا في هذه الفسحة الجديدة من الحرية، ولذا فنحن نعيشها بكل ما يمكننا من الصخب والعنف، وبحجم الكبت الذي عشناه خلال عقود إسكاتنا عن قول أي رأي.

 عندما تدفق سيل اللاجئين السوريين الهاربين من الموت في سوريا باتجاه أوروبا، انتشرت إشاعة عند هؤلاء اللاجئين وهي أن الأوروبيين، ولأنهم مسيحيون، فسوف يرحبون بك أكثر إن كنت مسيحيا، لذلك حاول كثيرون أن يظهروا دلالة ما في لباسهم، أو فيما يحملونه، تدل على أنهم مسيحيّون.. اشتروا صلبانا وعلقوها في رقابهم، وبعضهم وشموا صلبانا في أماكن ظاهرة من جسدهم، وبعضهم حمل إنجيلا في يده وتعمد أن يظهر غلافه. الخ.

لا يختلف "نزار علي بدر" راصف حجارة "صافون"، ولا "طلال ديركي" مخرج فيلم "الآباء والأبناء" كثيرا عمن حملوا الصليب في رقابهم، أو وشموه على أجسادهم... إنها أوجه متعددة لمنهجية واحدة تستثمر في قضية ساخنة من أجل مصلحة شخصية، وكلاهما لا يختلف كثيرا عن ذلك اللاجئ الذي يركب قصة معاناة يعتقد أنها ستحظى بأكبر قدر من التعاطف معه، وتتيح له لجوءاً مريحاً.

كل هؤلاء يرتكزون على جوهر واحد، هو محاولة الوصول لهدف شخصي محض، لكنهم يختلفون في الأداة وفي طريقة تسويق رؤيتهم، وهذا الاختلاف في العرض لا يحدده أصلا الفارق الثقافي، أو الفارق الموضوعي بين قصصهم، بل يحدده أساسا تصورهم المسبق عن الطرف الذي سيتلقى رسالتهم، ولهذا فهم يصيغون هذه الرسالة وفق ما يعتقدون أنه أكثر تأثيرا فيه.

يتوجه طلال ديركي للـ"غرب"، مواكبا للموجة  السائدة الآن، والبالغة السخونة والإغراء، ألا وهي قضية الإرهاب والتطرف، وهاجسه في توجهه ليس القيمة الفنية، ولا حقيقة وأهمية الفكرة أو مصداقيتها، إن هاجسه الأهم في صناعة مادته هو كيف يحدث أكبر قدر ممكن من القبول لعمله عند هذا "الغرب"، بعبارة أخرى، لم يشتغل طلال ديركي على فيلمه بدلالة الحقيقة، والفن ودوره، لقد كانت دلالته في عمله هو كيف يسوّق نفسه لدى جهات تمتلك منظومة ما من المعايير، وبالتالي فإن هذه المعايير هي الأهم، حتى لو اضطره ذلك إلى الكذب والاختزال والاجتزاء والتشويه، وحتى لو اضطره ذلك إلى المس بقوانين إنسانية تتعلق بالخصوصية وبالطفولة وبالمهنية.

في مقابلة له مع محطة أميركية حول الفيلم، لا يتردد ديركي في إشهار كرديته لاستحضار تعاطف أكبر، (أنا هنا لا أدين هذا الإشهار، فهو حق أحترمه، لكنني لا أحترم استثماره) ولا يتردد في إعلان موقفه الديني وربما إلحاده، (وهنا أيضا لا أدين ذلك) كي يقول للغربي أنا مختلف، وأنا أكثر انسجاما معك، تماما كما يشهر مسيحي مسيحيته أمام محقق الهجرة، وكما يخترع علوي قصة معاناة درامية من تطرف سني أسود كي يوافق محقق الهجرة على أسباب لجوئه وكما... وكما.

في جانب آخر، يحاول نزار علي بدر إثارة موجة تعاطف شديدة مع لوحته التي تصور مأساة السوريين

هل يبرر السعي لمنفعة شخصية غض النظر عن أساليب الوصول إليها، وهل سنعود إلى جدل فصل الفن والرياضة والثقافة والموسيقى و..و.. عن السياسة ...؟

الهاربين من الموت كي يلقى قبولا لها، وهو يعرف جيدا كيف تحفر هذه المأساة عميقا في نفوس الآخرين، بينما لا يتردد في نفس الوقت عن تأييد من تسبب بهذه المأساة السورية.

إذا كان للاجئ الهارب من الموت ما يبرر له البحث عن تعاطف قد يمنحه بعض الأمان والحياة، لكن هل يبرر البحث عن الشهرة والمجد الشخصي لمثقف أو فنان أو سياسي ذلك؟ وهل يبرر السعي لمنفعة شخصية غض النظر عن أساليب الوصول إليها، وهل سنعود إلى جدل فصل الفن والرياضة والثقافة والموسيقى و..و.. عن السياسة ...؟

وبالتأكيد فإن السؤال الحاضر دائما عن ضرورة، سيطل برأسه هنا؟

إنها أسئلة كثيرة قد تصعب الإجابة عنها، وقد نختلف حولها كثيرا، وقد نتركها للزمن، لكن هذا لا يصح عندما يكون لهذه المواقف ثمن من لحم ودم، ثمن من مصير بشر، ومصير أطفال ووطن وشعب.

طلال ديركي، نزار علي بدر، أنتما مختلفان سياسيا، بل متناقضان -ظاهرياً على الأقل- أحدكما معارض لسلطة غاشمة، والآخر مؤيد لها، وأنتما متفقان على إيصال رسالتكما عبر عمل فني، لكن ما يحز في النفس أنكما تجتمعان على الاستثمار بدم وأشلاء شعب يعيش أكبر مأساة في تاريخ البشرية المعاصر.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم