عن السودان والجزائر.. والنموذجين المصري-التونسي والمصراتي-الحمصي

طرحت أسئلة كثيرة عن أسباب انحياز الجيوش في مصر وتونس والجزائر والسودان إلى الشعوب الثائرة، بينما لم يفعل الجيش ذلك في سوريا وبدرجة أقل ليبيا، السبب أو الأسباب عديدة وهي ذات طابع فكري سياسي تتعلق بطبيعة الأنظمة في البلدان الأربعة وتشابه النظامين في سوريا وليبيا مع استثناء لنظام العصابة المتوحش في الشام الذي فاق كل أنظمة الاستبداد وحشية دموية وإجراماً.

في تونس ومصر ثم الجزائر والسودان كانت ثمة أنظمة استبدادية ناعمة، وإن بدرجات متفاوتة، لكنها سمحت وبدرجات متفاوتة أيضاً للعمل السياسي والنقابي والإعلامي، فكان حضور لأحزاب معارضة ووسائل إعلام مستقلة ومعارضة، وحرية نسبية للعمل النقابي وانتخابات نقابية حرة خسرت فيها السلطات وقوائمها مرات عديدة.

هذه الأنظمة جميعها كانت على علاقة جيدة متفاوتة أيضاً مع الغرب، ولكنها لم تكن لتحصل على تأييده ودعمه في حالة مواجهة الثورات بالقمع والدم، أما الجيوش ورغم شعورها بأن لها حقوق وامتيازات في السلطة أصيلة وليست مكتسبة فقد كانت تابعة للدول الكيانات وليست للأنظمة، وبمجرد اندلاع الثورات فهمت أن لا بد من دعمها والنزول عند مطالبها بإطاحة رأس النظام، والتودد للناس سعياً للاحتفاظ بحضورها ومصالحها وهو ما حصل فعلاً وبدرجات متفاوتة أيضاً.

في سوريا وليبيا لم يكن شيء من هذا أبداً، فلم تكن حياة سياسية حزبية بالمعنى الحقيقي، ولا بأي معنى آخر مع غياب لوسائل إعلام معارضة أو مستقلة، وبالتأكيد لم تكن حرية للعمل النقابي في ليبيا أبداً، أما في سوريا فقد كانت قوائم الفائزين فى الانتخابات النقابية الصورية تأتي من أفرع المخابرات، هذه الأنظمة أيضاً لم تكن على علاقة وثيقة بالغرب تصل حد التحالف أو تملك علاقات ومصالح متعددة وعميقة معه، ولذلك عندما اندلعت الثورات واجهتها بالدم، كما في مصراتة وبنغازي وحمص ودرعا ليحضر النموذج المصراتي - الحمصي مقابل النموذج المصري -التونسي الذي رفضت فيه الجيوش قمع الشعب والثورة.

هذه الأنظمة أيضاً لم تكن على علاقة وثيقة بالغرب تصل حد التحالف أو تملك علاقات ومصالح متعددة وعميقة معه، ولذلك عندما اندلعت الثورات واجهتها بالدم، كما في مصراتة وبنغازي وحمص ودرعا ليحضر النموذج المصراتي - الحمصي مقابل النموذج المصري -التونسي الذي رفضت فيه الجيوش قمع الشعب والثورة.

على صلة بما سبق وعندما نتحدث عن مصر فنحن نقصد مصر مبارك زمن ثورة يناير، بينما يبدو نظام السيسي الآن أقرب إلى النموذج المصراتي الحمصي، مع إنهائه للحياة السياسية بشكل شبه تام، وتحكمه التام بوسائل الإعلام المملوكة للمخابرات، التي تتحكم أيضاً ومباشرة بالنقابات المهنية وانتخاباتها الصورية، وقد يتصرف بنفس الذهنية فى حالة اندلاع ثورة شعبية عارمة ضده، وربما يخشى ويتوجس من ردّ فعل الغرب وصعوبة دعمه في تلك الحالة، وهذا يفسر زحفه واستماتته في التودد والتزلف لفلاديمير بوتين والنظام الروسي المجرم، الذي لا يتوانى عن دعم حلفائه، علناً بما في ذلك المشاركة المباشرة معهم في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وبالعودة إلى سوريا حيث النظام الأكثر وحشية وبشاعة، فالجيش لم يكن للدولة بل للنظام وحتى للطائفة -العصابة الحاكمة كما هو الحال مع قادة ومسؤولي الأفرع الأمنية المختلفة والمتعددة.

أسس حافظ الأسد ما يمكن وصفه بنظام المصفاة، كان يجري عادة دورة أركان حرب للضباط بعد رتبة عقيد، ثم يذهب معظمهم إلى التقاعد -مع امتيازات- ولا يترفع إلى رتبة عميد، إلا من كان من الطائفة -العصابة الحاكمة، أو من المخبرين التابعين للأجهزة الأمنية، ومع الوقت باتت القيادات العسكرية والأمنية العليا كلها من الطائفة -العصابة الحاكمة، أو من المخبرين مع الاستثناءات التي تثبت القاعدة ولا تنفيها، كما كان الحال مع المجرم رستم غزالي مثلاً.

الأسد الأب فعل نفس الشىء تقريباً في القطاع المدني، والجهاز البيروقراطي الإداري للدولة، لكن لدرجة مدير عام فما فوق، مستغلاً ميل الكتلة السورية المدينية الكبرى إلى العمل التجاري الحر، بعيداً عن القيود الوظيفية الرسمية.

لذلك عند اندلاع الثورة تصرف قادة الجيش والأجهزة الأمنية، بصفتهم جزء من النظام العصابة الحاكمة، لم ينحازوا إلى الشعب لحماية أرواحه وممتلكاته ولا المصالح العامة للدولة، أو حتى التخلص من رأس النظام لحماية مصالحهم وامتيازاتهم فى العهد الجديد، لذلك كانت الانشقاقات الواسعة في صفوف المجندين وصغار الضباط وليس الرتب الرفيعة، هذا ما يفسر أيضاً تحول جيش النظام إلى عصابة طائفية في مواجهة السوريين الثائرين، وهي عجزت رغم الجرائم الموصوفة بما فيها إستخدام البراميل المتفجرة الصواريخ الثقيلة حتى السلاح الكيماوي،عن مواجهة الشعب الثائر، فلجأت للاستعانة بطائفيين موتورين من لبنان العراق حتى أفغانستان وباكستان ضمن قيادة ومقاربة إيرانية موغلة في المذهبية والثأر، قبل أن تفشل هذه فى حماية النظام، وصولاً إلى توسل واستجداء الاحتلال الروسي، فقط من أجل قهر الشعب الثائر حتى بثمن التفاهمات الاستراتيجية التي أبرمها الروس مع إسرائيل، في نسف لكل روايات الممانعة الزائفة والكاذبة التي روجتها الآلة الإعلامية المذهبية.

أسس حافظ الأسد ما يمكن وصفه بنظام المصفاة، كان يجري عادة دورة أركان حرب للضباط بعد رتبة عقيد، ثم يذهب معظمهم إلى التقاعد -مع امتيازات- ولا يترفع إلى رتبة عميد، إلا من كان من الطائفة -العصابة الحاكمة، أو من المخبرين التابعين للأجهزة الأمنية

فى كل الأحوال فإن نظام المصفاة الطائفي سقط في سوريا، يوم ثار عليه الشعب وجنود جيش سوريا العظيمة، فأفصح عن وجهه البشع البغيض، عن سوريا الطائفية المتجانسة المفيدة للأجانب والغزاة، الخاضعة للاحتلال الروسي بشكل رئيسي، ولبقية الاحتلالات الإسرائيلية والإيرانية بدرجات متفاوتة، ورغم دمويته يبقى النموذج المصراتي الحمصي، هو الاستثناء للقاعدة الحتمية التي ستفرض نفسها عربياً ولو بعد حين.

وعموماً فإن النموذج المصري التونسي ورغم تعثره فى مصر، إلا أنه نجح في تونس، والآن يبدو هو المحتذى في السودان والجزائر، كونه يمثل القاعدة في العالم العربي، ونجاحه البطىء لكن المتدرج، سيعيد حتماً العربة الثورية إلى السكة الدستورية الديمقراطية السياسية فى مصر، التي تطبع عادة المشهد العربي بطابعها، هذا يفسر دعم السيسي ونظامه لمعركة خليفة حفتر اليائسة في ليبيا، وهو العضو الأصيل في النموذج المصراتي الحمصي الدموي، مع محاولات يائسة أيضاً للتأثير سلباً على المشهد السياسي في الجزائر والسودان.

شارك برأيك

أشهر الوسوم