عندما هتفوا "للأبد": لغة الثورة السوريّة

صدر مؤخّرًا عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع كتاب "عندما هتفوا للأبد: لغة الثورة السوريّة" لمؤلِّفه إيلاف بدر الدين.  وينطلق الباحث في كتابه من فرضيّة أنّ السوريّين كانوا مجبرين على الطاعة، ليس تحت تأثير العنف الماديّ والجسديّ فحسب، بل تحت تأثير العنف اللغويّ أيضًا؛ فالنظام بنى هيكليّةً خطابيّةً لغويّةً كانت مسؤولةً عن إنتاج وتكوين لغة السوريّين خلال فترة حكم الأسدين (الأب والابن). في المقابل ظهرت هيكليّةٌ لغويّةٌ ثوريّةٌ منذ آذار/ مارس 2011. وقد رصد البحث ووثّق مادّةً مهمّةً من المنتجات اللغويّة الرمزيّة خلال فترة حكم عائلة الأسد، وصولًا إلى فترة الاحتجاجات عام 2011، محاولًا الإجابة عن سؤال "هل اللغة الثوريّة انقطاعٌ أم امتداد؟"، من خلال تحليل تلك المنتجات اللغويّة.

واعتمد الباحث على نظريّة "بيير بورديو" كمنهجٍ أساسيٍّ لفهم وتحليل تفاعل المنتجات اللغويّة الرمزيّة والأفراد المالكين لها داخل المساحة العامّة السوريّة، وعلى نظريّاتٍ أخرى مثل البنيويّة وتحليل الخطاب، وفي بعض الأحيان التفكيكيّة. وبحسب مؤلّف البحث فإنّ استخدامه لأدواتٍ متعدّدةٍ مستمدّةٍ من أكثر من نظريّةٍ يعود إلى عدم فاعليّة نظريّةٍ أو منهجيّةٍ علميّةٍ واحدةٍ لتلبية أهداف البحث. كما لم يعتمد الباحث على فرعٍ علميٍّ واحدٍ في التحليل، بل استخدم علم الاجتماع اللغويّ، والمنهج التاريخيّ، ومنهج التحليل النفسيّ اللغويّ، وعلم الدلالات. إضافة إلى اعتماده على مقابلاتٍ شبه منظّمةٍ (Semi-Structured)؛ حيث تركّز المقابلة وفق هذا النوع على نقطةٍ أساسيّة، ومن ثمّ قد تتفرّع منها أسئلةٌ أخرى بحسب الشخص الذي تُجرى معه المقابلة. وقدّم البحث مادّةً توثيقيّة مهمّة لخطاب سلطة الأسد وخطاب الثائرين عليها؛ حيث نجد توثيقًا للشعارات والـ "غرافيتي" والأناشيد والصور والمصطلحات والمؤسّسات الإعلاميّة والإعلام الرقميّ لكلا الهيكليّتين اللغويّتين، لذا يعدُّ البحث ذا قيمةٍ توثيقيّة.

استطاع النظام أن يسيطر على الشعب لغويًّا وينتج لغةً معيّنةً يردّدها الأفراد في المجتمع كعلامةٍ على أنّهم ضمن دائرة الولاء للنظام

جاء الكتاب في (228) صفحةً على خمسة فصولٍ: الفصل الأوّل ضمَّ مقدّمة البحث وأسئلته وإشكاليّته، إضافة إلى المنهجيّة والنظريّات التي اعتمدها الكاتب في بحثه. في حين رصد وحلّل الكاتب في الفصل الثاني الخطاب الشعبيّ في عهد حافظ الأسد منذ تولّيه السلطة حتى وفاته، ورسم هيكليّةً خطابيّةً لنظام الأسد؛ حيث استطاع النظام أن يسيطر على الشعب لغويًّا وينتج لغةً معيّنةً يردّدها الأفراد في المجتمع كعلامةٍ على أنّهم ضمن دائرة الولاء للنظام. إضافة إلى استعراضه الخطاب الإعلاميّ الرسميّ والشخصيّات المتعاقبة على وزارة الإعلام ودورها في تشكيل آلة القمع اللغويّ في سورية وإنتاج ظاهرة "عبادة الفرد" (تقديس الأسد)، من دون أن يهمل الفروق الفرديّة بين تلك الشخصيّات من حيث تطويرها لهذا الخطاب وإيغالها فيه. ولم يهمل هذا الفصل دور المنظّمات الشعبيّة ودور النشر والنظام التربويّ التعليميّ والمؤسّسة العسكريّة، من خلال ما أنتجته من شعاراتٍ وأناشيدَ وطنيّةٍ وصور و"غرافيتي" ومصطلحات، في احتلال الفضاء اللغويّ والبصريّ والسمعيّ في سورية، موضّحًا أنّ هذه السيطرة ليست بالضرورة نتاج عنفٍ ماديٍّ، بل هي نتاج هيكليّةٍ خطابيّةٍ لغويّةٍ دأبت سلطة الأسد على بنائها.

أمّا في الفصل الثالث فقد اتّجه الكاتب إلى تطبيق النظريّات التي اعتمدها على المعطيات التي استعرضها في الفصل الثاني؛ حيث حلّل من خلالها الأداء اللغويّ للأفراد، وأثر الهيكليّة اللغويّة لسلطة الأسد الأب فيه، وخلص إلى أنّه يوجد خللٌ في الفعل الأدائيّ في لغة النظام، وهذا يظهر في عدم التطابق اللغويّ بين الدالّ والمدلول، والذي يؤدّي إلى خللٍ في أداء فعل الكلام؛ حيث يصبح فعل الكلام ترديدًا من دون وجود تطابقٍ لغويّ. ومن ثمّة برهن الكاتب على ما ذهب إليه بأمثلةٍ من الواقع السوريّ المثخن بالشعارات التي لا تطابقه؛ بحيث تصبح تلك الشعارات التي يردّدها الطلّاب في المدرسة أو تلك التي يردّدها الجنود في المؤسّسة العسكريّة لا تعدو كونها ضجّةً كلاميّةً غير مفهومةٍ يؤدّونها على الإيقاع الموسيقيّ المطلوب منهم لأداء الشعار. ومن جهةٍ أخرى تناول الكاتب في هذا الفصل اللغة التي أنتجتها الهيكليّة الخطابيّة للأسد، وبيّن كيف أنّ تلك اللغة فرضت على المجتمع، وأصبح الأفراد يتسابقون في أدائها لإظهار ولائهم وتقرّبهم من السلطة. وساق الكاتب أمثلةً كثيرةً على هذا، ومنها، أنّ السوريّين أثناء حكم الأسد الأب قد انقسموا، بحسب اللغة، إلى فئتين رئيستين: الفئة الأولى هي التي تتكلّم لهجتها تبعًا لانتمائها الجغرافيّ، والفئة الأخرى وهي منتشرةٌ بكثرةٍ في الدوائر الحكوميّة وتتكلّم لهجة أهالي الساحل. وما يلفت الانتباه أنّ الفرد الذي يستخدم لهجة أهل الساحل في الحياة الاجتماعيّة العاديّة يمتلك منتجًا لغويًّا رمزيًّا يساعده في الحصول على مراده؛ فمثلًا السجّانون يتكلّمون هذه اللهجة ويؤكّدون على لفظ حرف "القاف" كنوعٍ من أنواع تعريفهم بأنّهم ينتمون إلى هذه الطبقة، على الرغم من أنّ لهجاتهم جغرافيًّا لا تلفظ هذا الحرف.

فمعظم الشعارات والصور والأناشيد المطروحة في عهد الأسد الأب استمرّت في عهد الابن، وكان الاختلاف في دخول صور الابن إلى المساحة البصريّة، ودخول اسمه في الشعارات والأناشيد

بينما يتناول الكاتب في الفصل الرابع الهيكليّة اللغويّة للأسد الابن، حيث يرصد بعض السياقات اللغويّة والمصطلحات والأناشيد والـ"غرافيتي"، فيجد أنّ الهيكليّة الخطابيّة القديمة لم تتزحزح، بل تطوّرت؛ فمعظم الشعارات والصور والأناشيد المطروحة في عهد الأسد الأب استمرّت في عهد الابن، وكان الاختلاف في دخول صور الابن إلى المساحة البصريّة، ودخول اسمه في الشعارات والأناشيد. إضافة إلى إنتاج أغانٍ وشعاراتٍ معظمها في اللغة العاميّة تعبيرًا عن انفتاح عهده وتقرّبًا من الجماهير. أمّا المؤسّسات الإعلاميّة ودور النشر فبقيت على حالها ولم تشهد تطوّرًا يُذكر؛ من حيث الإقصاء ورفض الآخر وممارسة الرقابة الأمنيّة.

في الفصل الخامس يستعرض الكاتب الهيكليّة اللغويّة لثورة السوريّين عام 2011، ويوثّق جزءًا من شعاراتها وصورها وأناشيدها وأغانيها ومصطلحاتها وإعلامها، ويعقد مقارنةً بينها وبين هيكليّة السلطة اللغويّة، ويرصد التطوّرات التي طرأت عليها، وكيف ظهرت بنيةٌ لغويّةٌ ثوريّةٌ في مواجهة بنية السلطة اللغويّة. وبيّن الكاتب في هذا الفصل أنّ الهيكليّة اللغويّة للثورة مهّدت للفاعلين على الأرض لكي يغيّروا البنى المستقرّة التي تحكم المساحة العامّة السوريّة. فمنذ آذار/ مارس 2011، ارتفع سقف المنافسة بين الهيكليّتين (سلطة/ ثورة)، وأصبح الوضع أقرب إلى سجالٍ لغويٍّ وأدائيٍّ بين بنية النظام اللغويّة والأخرى الثوريّة، فبدأ الموضوع عن طريق تحريف وتغيير النتاج الثقافيّ القديم الذي أسّسه النظام، من خلال استخدام هذا النتاج نفسه شكلًا، ولكن مع تغيير مضمونه بما يتناسب مع أهداف الثورة، مثل إنتاج عدّة أناشيد تتناسب مع أهداف الثورة على إيقاع الأناشيد القديمة التي أنتجها النظام على مدى العقود التي حكم بها السوريّين. علاوةً على ظهور إعلامٍ ثوريٍّ، واحتلالٍ بصريٍّ معاكس، واحتلالٍ سمعيٍّ معاكس، وشعاراتٍ ومصطلحاتٍ جديدةٍ.

فمنذ آذار/ مارس 2011، ارتفع سقف المنافسة بين الهيكليّتين (سلطة/ ثورة)، وأصبح الوضع أقرب إلى سجالٍ لغويٍّ وأدائيٍّ بين بنية النظام اللغويّة والأخرى الثوريّة، فبدأ الموضوع عن طريق تحريف وتغيير النتاج الثقافيّ القديم

وبعد استعراض العناصر والنماذج اللغويّة من كلا الهيكليّتين (السلطة/ الثورة)، حاول الكاتب أن يجيب عن سؤال: هل اللغة الثوريّة هي امتدادٌ أم انقطاع؟ فخلص إلى أنّ الهيكليّة اللغويّة الثوريّة غالبًا ما حاكت هيكليّة السلطة اللغويّة عن قصد أو عن غير قصد، فأبقت مثلًا على شعار "الله... سورية... بشار وبس" مستبدلة كلمة "بشار" بكلمة "الحريّة"، وفي هذا السياق عرض البحث نماذجَ وأمثلةً كثيرةً.

    

*إيلاف بدر الدين: طالب دكتوراه بالأدب العربيّ والأدب المقارن في جامعة "ماربورج" في ألمانيا وجامعة "اكس مارسيليا" في فرنسا، تخرج في جامعة دمشق قسم الأدب الإنكليزيّ عام 2009، ثمّ حصل على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة "باريس الثامنة" في فرنسا عام 2014. ويعدّ الآن رسالة الدكتوراه حول "ترجمة لغة الثورة السوريّة 2011".

شارك برأيك

أشهر الوسوم