علي عزّت بيجوفيتش وإلغاء عقوبة الإعدام

علي عزت بيجوفيتش (إنترنت)

يرى المفكر الإسلامي الكبير علي عزت بيجوفيتش ( 1925ــ2003 ) أن هناك ثلاث وجهات نظر عن العالم:

- النظرة المادية التي ترى العالم بوصفه مادة محضةً، فتنكر التطلعات الروحية للإنسان. ويمثِّل لذلك بالاشتراكية التي تقدم خلاصاً خارجياً فقط (من خلال الاستهلاك وتحسين مستوى الدخل أو تغيير البيئة الاجتماعية … إلخ).

- النظرة الدينية المجردة (أو الروحية الخالصة)، وهي رؤية للدين باعتباره تجربة روحية فردية خاصة لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصية بالله، وهذه الرؤية تنكر الاحتياجات المادية للإنسان. والمسيحية مثل جيد على هذه الرؤية، فهي تقدم خلاصاً داخلياً فحسب.

- النظرة الإسلامية: التي تعترف بالثنائية الإنسانية، وتحاول تجاوزها عن طريق توحيد الروح والمادة.

ومن خلال هذه (النظرات الثلاث) يعالج بيجوفيتش معظم المفاهيم والقضايا، مثل: (الإنسان، والمقدس والمدنس، والخوف، والتمرد، والجمال، والأخلاق، والحرية، والمسؤولية، والفن، إلخ)، ويقارن بينها من أجل أن يدلل على فرادة النظرة الإسلامية التي يعبّر عنها بـ (الوحدة الثنائية القطب)، لأنّها تجمع بين الرؤية المادية والدينية في الوقت ذاته. وفي خضم مناقشاته حول الحرية والمسؤولية يتطرق إلى مسألة عقوبة الإعدام.

 

الحرية والمسؤولية وعقوبة الإعدام:

يرى علي عزت أن عقوبة الإعدام تترتب على كون المجرم مسؤولاً، ولذلك فإنّ النظرة الدينية والإسلامية تؤيدان عقوبة الإعدام، لأنّ الإنسان حرٌّ. حرٌّ في الفعل وحرٌّ في الترك، حرٌّ في أن يعمل الخير وحرٌّ في أن يقارف الشر، لذا فهو مسؤول، مسؤول عن أفعاله وعن عواقبها. أما النظرة المادية فتدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، لأنّها تنفي الحرية عن الإنسان، أو تخفّفها إلى أدنى درجاتها، وبالتالي تنفي المسؤولية عنه، أو تخفِّفها إلى حدّها الأدنى، فالإنسان محكوم بضرورات وراثية وبيئية وظرفية ونفسية إلى آخر هذه القائمة، مما يجعله بشكل أو بآخر غير مسؤول عن تصرفاته وعواقبها مسؤولية كاملة.

يقول علي عزت عن النظرة المادية: "يكشف العقل في الطبيعة مبدأ السببية العامة الكلية القدرة، ويكتشف في الإنسان الطبيعة: الغرائز أو (القوة ذات السيدين: اللذة والألم) التي تؤكّد عبودية الإنسان وانعدام حريته".

أقول: لن نعدم في أصل هذه الرؤية مستنداً لها في الفلسفة الحديثة، وكأنّه يستقي ذلك من كانط في كتابه (نقد العقل المجرد). ففي النقيضة الثالثة من نقائضه الأربع نقرأ ما يلي:

"الموضوع:

العلية المطابقة لقوانين الطبيعة ليست الوحيدة التي يمكن أن تشتق منها كل ظواهر العالم، ولا بدّ من التسليم بعليّة حرّة أخرى من أجل تفسيرها".

إنّ هذا الموضوع يمثّل وجهة النظر الدينية. أما نقيض هذا الموضوع كما يقرّره كانط فيمثل وجهة النظر اللادينية:

"نقيض الموضوع:

لا حرية، وكل ما يحدث في العالم يحدث فقط وفقاً لقوانين طبيعية".

يرى علي عزّت أنّ هذين الموقفين المتعارضين كان لهما أكبر الأثر في حركة حقوق الإنسان في العصر الحديث، وبناءً عليه وقف الاتجاه الديني إلى جانب (الضحية)، ودافع عن مبدأ عقوبة الإعدام، لأنّ المجرم مسؤول مسؤولية تامة عن ارتكاب جرمه، ووقف الاتجاه المادي إلى جانب المجرم باعتباره غير مسؤول ولا حر، وبالتالي طالب هذا الاتجاه بشكل دائم بتخفيف العقوبات وتقليصها.

يقول علي عزت: "دافع عن (حق الضحية) في أوروبا والغرب عامة اليمينيون، بينما دافع اليساريون بهذه الطريقة أو تلك عن المتهم، ولمدة قرنين تقريباً منذ العقلانيين إلى الآن فإنّ ضحية المجرم كانت منسية بشكل رئيسي. هكذا وصلنا إلى مثل هذه المفارقة، فالسكان المسالمون كانوا يتعرّضون للأذى بينما يدافع الجميع عن المجرمين، وكانت تلك ردة فعل على القوانين الجنائية السلطوية، والتي كانت قاسية لعدة قرون، وأثّرت هذه التهمة على السؤال الفطري الميتافيزيقي: مسؤولية أو لا مسؤولية الإنسان عن أفعاله، ونسيان ضحايا المجرم كان عملياً على علاقة بنظريات الإنسان، والتي كان لها جذور لدى داروين، فالإنسان الدارويني لا حرية له، فهو نتيجة المصادفة، وهو ضحية المصادفة، والدين الذي أثبت أنّ للإنسان روحاً ــ أي حرية ــ كان أقوى، وتطلبت مسؤوليته. الإلحاد والدين انقسما ههنا، بقي الإلحاد إلى جانب المجرمين، والدين إلى جانب الضحايا".

ويقول أيضاً: "المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام هي جزء أساسي من النزاعات في القانون الجنائي، والتي تحسب حساباً للمجرم، أكثر من ضحيته، والمعطيات هنا إشكالية، هكذا على سبيل المثال يصفون لكم تفاصيل عملية الإعدام، ويسألونكم هل أنتم معها؟ ويمكنهم أن يصفوا تفاصيل ارتكاب الجريمة والدمار الذي ألحقه بالضحية وعائلته، ويطرح السؤال نفسه، لكن ذلك يوضع على الهامش! كما لو أنّه لا توجد جريمتان، وإنما واحدة: عقوبة الإعدام التي تُنفَّذ بحق القاتل".

ونحن ههنا لا نسلِّم لعلي عزت في استنتاجاته التي استخلصها من لوازم النظرة الدينية والنظرة المادية، فهل صحيح أنّ النظرة الدينية هي التي أيدت عقوبة الإعدام، والنظرة المادية هي التي دعت إلى إلغائها؟ وهل صحيح أنّ النظرة الدينية وقفت مع الضحية، والنظرة المادية وقفت مع المجرم؟

إنّ هذا الاستنتاج على غاية من التبسيط والاختزال من جهة، ومجافاة الواقع ومجانبته من جهة أخرى، فالاتجاه العام، والروح العامة في الديانة المسيحية كانت تنحو نحو إلغاء عقوبة الإعدام، وهي الديانة التي تمثّل، بحسب علي عزت، النظرة الدينية الخالصة، والتي يُفترض فيها أن تكون من أشد المتحمسين لعقوبة الإعدام، ومثال إلغاء السيد المسيح عليه السلام لعقوبة الرجم وعدم موافقته على رجم المرأة الزانية تأتي في هذا السياق، أما اليهودية فأكّدت هذه العقوبة، وقرّرت أنّ النفس بالنفس والعين بالعين، والسن بالسن، على الرغم من أنها ديانة أقرب إلى المادية بحسب علي عزت أيضاً.

يقول علي عزت: "دافع عن (حق الضحية) في أوروبا والغرب عامة اليمينيون، بينما دافع اليساريون بهذه الطريقة أو تلك عن المتهم

أما دعاة إلغاء العقوبة من الأوربيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فكان جلّهم من المتدينين، أو على الأقل ممن يؤمنون بالإله، (سيزاري بيكاريا، فولتير، فيكتور هيغو، تولستوي)، وأما دعاتها ومؤيدوها فكانوا من المؤمنين أيضاً، (جون لوك، جان جاك روسو، هيغل). وكذلك فإننا نرى تطبيق هذه العقوبة في أشرس دولتين يساريتين في العالم وهما: الاتحاد السوفيتي والصين، وتحوز الصين اليوم أعلى نسبة للإعدام في العالم، من دون أن تدفع بهم النظرة المادية للدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام أولاً، ثم إلى التعاطف مع المجرم ثانياً.

على أنّنا لا نسلّم أيضاً أن النظرة الدينية تقف مع الضحية على حساب المجرم، بل إنّ التراث الديني بمجمله يخبرنا أنّ شفقة الدين تتوزع بالتساوي على الضحية والمجرم، وهي في الوقت الذي تنهى فيه الإنسان وتزجره وتردعه عن ارتكاب الجرائم وعلى رأسها قتل النفس الإنسانية وتتوعده بالخلود في نار جهنم فإنّها في الوقت نفسه تبثُّ فيه روح الأمل بفتح باب التوبة والمغفرة إن زلت به القدم، والمثال الأبرز لذلك هو النص الذي يحدّثنا عن المجرم الذي قتل تسعة وتسعين نفساً.

(كان فيمن كان قَبلكم رجل قتل تسعةً وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فَدُلَّ على راهب فأتاه فقالَ إنّه قَتل تسعةً وتسعين نَفْساً فهل له مِنْ توبة؟ قال: لا. فقتله وكمَّل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدُلَّ على رجل، فقال إنّه قتل مئة فهل له توبة؟ قال: نعم. مَنْ يحول بينك وبين التوبة ائتِ أرض كذا وكذا فإنَّ بها ناساً يعبدون اللَّه فاعبد اللَّه ولا ترجع إلى أرضك فإنّها أرض سوء. فانطلق حتى إذا انتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمتْ فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة جاءنا تائباً مُقبلاً بقلبه إلى اللَّه جلَّ وعلا وقالت ملائكة العذاب إنّه لم يعمل خيراً قط. فأتاه ملكٌ في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضَيْن أيُّهما كان أقرب فهي له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته بها ملائكة الرحمة). فهذا نصٌّ من عشرات النصوص الدينية التي تتعاطف مع المجرم، وتتسامح معه، وتدعو للصفح والعفو عنه، ولم يقتصر الأمر على مستوى التنظير بل اقترن بالتطبيق، حتى مع الجرائم الشنيعة المريعة، من قبيل قتل الأطفال، فنرى النبي الكريم يعلن في حجة الوداع عن عدم ملاحقة قاتل ابن عمه الطفل ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، الذي كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل. فيقف ويقول: "ودماء الجاهلية تحت قدمي، وإنّ أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة".

لقد مورس الإعدام باسم الدين، وباسم الثورة، وباسم المجتمع، وباسم الطبقة، وآن الأوان لإعادة النظر في هذه العقوبة متجاوزين المعركة بين النظرتين الدينية والمادية، وتصفية الحساب بينهما.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم