علم اللسانيات وجراحات اللسان الديكتاتوري 2/2

في كلّ دول العالم تؤلَّف المعاجم لإرشاد الناس إلى استخدام الكلمات استخداماً صحيحاً وملائماً، فتحصرها وترتّبها وتضبطها وتشرحها وتحدِّد معانيها وموارد استعمالها ما عدا ألمانيا فإنّها انفردت بعد الحرب العالمية الثانية بإصدار معاجم خاصة مهمّتها عكس المهمة الأساسية للمعاجم! معاجم للتحذير من استخدام كلمات معيّنة حتى يبتعد الناس عنها ولا يستخدموها ولا يتداولوها في خطابهم. إنّها معاجم مفردات الديكتاتورية النازية التي تغلغلت كالعثّ في جسد اللغة الألمانية وكالبراغيث في روحها.

بُنيت اللغة النازية على استعارات من التكنولوجيا والطب والدين للحصول على طلاء علمي ووهج عاطفي، وتالياً لكسب المصداقية، فاستعارت، على سبيل المثال، من الهندسة الكهربائية مصطلح (التنسيق Gleichschaltung) الذي عنى السيطرة الشاملة على كل مفصل من مفاصل الدولة، ثم إدغام الحزب بالدولة، ورأينا استعارات بيولوجية في تشبيه اليهود بالبكتريا مرة، وبالطفيليات مرة أخرى، وبالعصية الضارة

ظهر أول قاموس عن اللغة الألمانية النازية باسم (Deutsch ــ Nazi) في المنفى في نيويورك سنة 1944، قبيل سقوط النازية، ونشره الألماني هاينز بيشتر (1907 ــ 1980)

مرة ثالثة، وكانت هذه التشبيهات هي الخطوات الأولى نحو معسكر أوشفيتز، وسوف لا تخطئ عيننا كذلك المفردات الدينية من قبيل: (الأبدية ــ المقدّسة ــ العناية الإلهية ــ التضحية ــ الإخلاص ــ الخالد ــ الخلاص)، وستغدو العقيدة الاشتراكية الوطنية (النازية) هي من تجلب (الخلاص)، وسيغدو هتلر، بناءً على ذلك، أعظم من المسيح.

ظهر أول قاموس عن اللغة الألمانية النازية باسم (Deutsch ــ Nazi) في المنفى في نيويورك سنة 1944، قبيل سقوط النازية، ونشره الألماني هاينز بيشتر (1907 ــ 1980)، المولود في برلين، والذي غيّر اسمه إلى هنري ماكسميليان باختر، وجاء بعده الفيللوجي والناقد الأدبي فيكتور كليمبرر ( 1881ــ1960 )، أحد الناجين القلائل من المحرقة في دريسدن صاحب أهمّ يوميات في فترة الحكم النازي، والمنشورة بعنوان: (أريد أن أدلي بشهادتي إلى الآخر) (1)، وكان في هذه اليوميات مؤرخاً ثقافياً للكارثة، وجحيم الدولة الإرهابية، ومتتبّعاً المصائر العائلية ومآسيها في منطقته ومحيطه.

سجّل كليمبرر في يومياته الشائعات والنكات (النكات النازية عن المثليين مثلاً)، والأخبار، ورصد تكرار القوالب النمطية للكلام وآثارها المتلاعِبة ما بين عامي (1933 ـــ1945 )، ومن هذا العمل تسنّى له وضع معجم (لغة الرايخ الثالث LTI) (2)، المنشور في برلين سنة 1947، وضمّ أكثر من 750 مدخلاً، شرّح فيها اللغة الديماغوجية للنازيين، وكشف عن دعاياتهم، وخداعهم، وبيّن كيف أنّ النازيين جعلوا اللغة خادمة لإيديولوجيتهم، من خلال الاستخدام المتكرر على الطريقة البافلوفية، حتى بات الألمان يصفون الجوَّ إذا كان مشمساً ومبهجاً وصافياً بأنّه (طقس هتلر).

ثم أتى العلماء الثلاثة:

ــ جيرهارد شتورز ( 1898ــ1983 )، الكاتب والأديب السياسي ووزير الثقافة في ولاية بادن فورتمبيرغ.

ــ وفيلهلم سوسكيند ( 1901ــ1970 )، المؤلف والمترجم والصحفي، ووالد الروائي باتريك سوسكيند مؤلف رواية (العطر).

ــ وأودولف شترنبرغر ( 1907ــ1989 ) أحد أهم مؤسسي العلوم السياسية بعد الحرب العالمية الثانية مع حنة أرندت وليو شتراوس وإيريك فويجيلين، ورفاقهم.

كتب هؤلاء الثلاثة سلسلة من المقالات ما بين سنتي 1945 و1948 في مجلة Die Wandlung التي أسَّسها كارل ياسبرز، وأودولف شتيرنبيرغر، والروماني فيرنر كراوس. درست هذه المقالات الكلمات الرئيسة في اللغة النازية، وأسلوبها، وتناولت بعض الأسماء والأفعال والصفات الشائعة في الخطاب النازي، ومنحنيات تفسيرها واستخداماتها ومجالاتها الدلالية، وفي سنة 1957 جمعوا هذه المقالات في كتاب أسموه: (من معجم اللإنسانية)، وبإمكاننا ترجمته أيضاً بــ (من معجم الوحشية) (3)، وغدا هذا المعجم وثيقة انتقاد لغوي كشفت كيف نقلت الكلمات والمصطلحات النازية، وكيف تبنّاها جزء كبير من الشعب الألماني ميكانيكياً دون وعي وتفكير، فأفسدته ولطّخته.

أبرزَ المعجم ملاحظتين أساسيتين:

الأولى: أنّه بُعيد الحرب العالمية الثانية، وسقوط النازية تراجعت المصطلحات والمفاهيم المركزية للحكم النازي، والإيديولوجية النازية، من قبيل (العرق اليهوديRasseiude )، و(المجتمع الشعبي Volksgemeinschaft)، إلخ.

الثانية: وجود خطوط استمرارية لغوية خفيّة، إلى حدٍّ ما، من ألمانيا النازية إلى الجمهورية الفيدرالية الفتيّة. وقد بدا للمؤلفين، على سبيل المثال، أنّ استخدام كلمة (ممثِّل) في (ممثلي التجارة)، أو (ممثلي الصناعة)، أو (ممثلي الكنائس) خلال سنوات كونراد آديناور (4) هو استمرار لعبارات الدعاية النازية مثل: (ممثلو الحزب)، و(ممثلو الدولة)، و(ممثلو الفيرماخت)، و(ممثلو الشعب)، ورأوا أنّه يجب اعتبار كلّ استخدام لكلمة (ممثِّل) هو استمرار للخطاب النازي.

أحدث هذا المعجم بالتحديد مناقشات ما زالت مستمرة، وظلّ فيها نقطة مرجعية ثابتة للنقاد والأكاديميين، وعلى نفس المنوال ظهر كتاب (مفردات النازية) الذي أشرنا إليه في الجزء الأول من المقال لمؤلفته كورنيليا شنيتر بيرنينغ، التي قامت بوضع هيكل ثابت لدراسة المفردات التي اختارتها، فكانت تتعقّب تاريخ استخدام الكلمة قبل الفترة النازية، ثم توثّق استخدامها في المراحل المختلفة للرايخ الثالث، من خلال المنشورات والصحف والمجلات والمعاجم والموسوعات والمذكّرات والسجلات الشخصية للشهود المعاصرين، فجمعت ثروة هائلة من النصوص التي تتصل بموضوعها، وقدّمت بذلك، كما قال النقّاد، مرجعاً يلبي أعلى المعايير البحثية، وقد ميّزت في أثناء ذلك بين المصطلحات التي أوجدها النازيون والمصطلحات التي أعادوا تفسيرها، وبيّنت أخيراً أنّ النازيين كانوا أساتذة في تزوير المواد اللغوية وفي تغييرها.

وفي السياق نفسه ظهر معجم (التغلب على مشكلات الماضي: الماضي النازي في استخدام اللغة) (5) لصاحبيه ثورستن إيتز وجورج شتوتزل اللذين لاحظا أنّه على مدار اثني عشر عاماً من الحكم النازي تمّ اختراق المجتمع ووسائل الإعلام والقصص الإخبارية، بالمصطلحات البُنّيّة (نسبة إلى الزي النازي البُنّي)، فأخذا على عاتقيهما مهمة التنقية والتنظيف من خلال مراقبة النقاش السياسي الحالي، ومدى استعماله للمفردات والمصطلحات المثقلة بالماضي النازي، وقد تناولا حوالي ألف مفردة ذات صلة بالنقاشات السياسية والشأن العام، وصنّفاها ضمن أربعين مجالاً أو حقلاً دراسياً.

وللبيان والتوضيح نذكر أمثلة من هذه المفردات والمصطلحات التي تناولتها الدراسات والمعاجم التي أوردناها، والتي سيذكّرنا

مصطلح (التوجيه) يعني توجيه الأفراد، وتوجيه المؤسسات وفقاً لمبادئ الإيديولوجيا النازية، ويذكرنا هذا المصطلح بنظيره البعثي (التوجيه السياسي)، و(التوجيه العقائدي) و(التوجيه المعنوي)

بعضها بمفردات حزب البعث ومصطلحاته: (التدريب)، (التنظيم)، (المنظمة)، (التحوّل)، (التصميم)، (الدوائر والكوادر)، (التمثيل والممثلون) (العاملون في الثقافة)، (القطاع)، (الحماية)، (الزواج المختلط)، (الفنّ المنحط) (العميل)، (الفيرماخت = القوات المسلحة)، (الشؤون الجارية)، (التوجيه)، (التنسيق)، (مذياع الشعب)، (المشاعر الشعبية)، (الحل النهائي)، (المعاملة الخاصة).

تبدو معظم هذه المصطلحات حيادية وبالغة النعومة، لكن حين يبدأ هؤلاء اللسانيون بالكشف عن سياقات استخداماتها، وكيف تغدو وسيلة سيطرة، ومطية إحكام قبضة، وجسر تعبئة، وذريعة تجييش ندرك حقيقتها المتحيّزة والخشنة والقاتمة. فمصطلح (التوجيه) يعني توجيه الأفراد، وتوجيه المؤسسات وفقاً لمبادئ الإيديولوجيا النازية، ويذكرنا هذا المصطلح بنظيره البعثي (التوجيه السياسي)، و(التوجيه العقائدي) و(التوجيه المعنوي)، ومصطلح (الفن المنحط) يتناول، في الظاهر، محاربة التعبيرية والدادائية والسريالية والتكعيبية والفوضوية، ولكنّه يستهدف، في العمق، قتل تنوّع الإبداع الفني، وفرض رؤية فنية واحدة تنسجم مع رؤية الحزب، ونظرة الديكتاتور "الفوهرر الفنّان، الذي يحب الفن، لأنّه فنّان بنفسه"، وهكذا أيضاً غدت كلمة (الرعاية، أو الإشراف) ذات دلالة مرعبة، فأصبح معناها رسمياً: القبض، والتأثير، والسيطرة، والرصد، والترحيل، والقتل، وإدارة الأشياء، والمصادرة، إلخ. وشمل هذا المصطلح (الرعاية والإشراف) على الأم والطفل، وعمال جبهة العمل، والمجموعات الاقتصادية، والمكاتب الاقتصادية، وعمليات تفتيش الأسلحة، وعناية الشرطة السرية باليهود، والإشراف على المصانع، ودخل كلّ ذلك في اختصاص (لجنة الرعاية)، وأما مصطلحا (الحلّ النهائي) و(المعاملة الخاصة) فدلّا على أقسى أنواع الإرهاب، وأفظعه، وحرفياً عنيا القتل الجماعي المنهجي. وأما المعنى الرهيب لمصطلح (التنسيق) فخصّصنا له مقالة (الكلايش شالتونغ أخطر تدبير يهدّد الإنسانية)، ومن أراد تتبع معانيه فما عليه سوى العودة إليها.

لقد خلّفت الحقبة النازية بعد اثني عشر عاماً من الحكم دماراً لغوياً يفوق دمار مدينة برلين التي أُعيد بناؤها وتأهيلها، بينما ما زالت بقايا الأنقاض اللغوية شاخصة، وما زال اللغويون واللسانيون يرحّلونها، وينتزعون أشواكها، ويأخذون على عواتقهم، وهم يقفون أمام واقع لغوي معقّد، إعادة البناء الدلالي للكلمات، وينهضون بتمييز المفردات والتعبيرات بين ما يمكن أن يُعدّ استمراراً للخطاب النازي، وبين ما لا يُعدّ كذلك، وبين ما هو مؤذٍ من الكلمات، وبين ما هو غير مؤذٍ، ويضمّدون جراحات اللسان الديكتاتوري التي عانينا منها كما عانوا، واكتوينا بنارها وسخامها كما اكتووا، بل ربّما كانت معاناتنا أفظع وأفدح! فالحقبة النازية البعثية التي بدأت سنة 1963 ما زالت مستمرة، والمنيّة البعثية الأسدية ما انفكت تخنق السوري بغازها السام، وتنشب أظفارها في مبناه ومعناه، وجسده وروحه، ولغته وفكره، ولكنّه الآن ينتفض ويقاوم، ولا بدّ من يوم قادم يتخلص فيه من هذه السموم والأظافر والبراثن والأظلاف، فيتنفس هواءً منعشاً من غير تلوّث، ويتكلم لغةً إنسانية من دون وحشية.

 

هوامش:

(1) Victor Klemperer, Ich will Zeugnis ablegen bis zum letzten. (Spiegel-Verlag, 2007).

(2) Victor Klemperer, LTI: Notizbuch eines Philologen. (Leipzig: Reclam Verlag, 2015).

(3) Dolf Sternberger, Gerhard Storz, Wilhelm Süsking, Aus dem Wörterbuch des Unmenschen. (Münschen: Deutscher Taschenbuch Verlag, 1962).

(4) كونراد آديناور أول مستشار لألمانيا الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية، استمر في منصبه من سنة 1949 حتى 1963.

(5) Thorsten Eitz, Georg Stötzel, Vergangenheitsbewältigung: Die NS-Vergangenheit im öffentlichen Sprachgebrauch. (Hildesheim: Georg Olms Verlag, Hildesheim 2007).

شارك برأيك

أشهر الوسوم