عضة كلب سياسي

أنا هنا من أجل قضية علمية فقط، ولم توكل لي أي مهمة قبل أن أسافر، ولكن بعد وصولي بعدة أيام تم الاتصال بي من أجل التآمر على نظام عربي يعيش فيه الناس بسعادة غامرة، و برفاه منقطع النظير، وانسجام لم يسجل التاريخ مثله بين الحاكم والمحكوم، وتم الاتفاق على قلب نظام الحكم فيه من خلال الثورة .

 

عندي بدلة بيضاء، اشتريتها من أجل حضور مناسبات رسمية ؛ كلها فرح، وبُلْهَنية عيش، ومن أجل إتمام عملية التنكر قمت بشراء (برنيطة) سوداء، وسيجار كوبي ثخين كلفني عشرين دولاراً، ونظارات شمسية بدولار وعشرين سنتاً فقط ....

بصراحة ..فكرت ملياً في موضوع النظارات، وقرَّ الرأي عندي أنه لا داعي للإسراف في موضوع النظارات الشمسية، لأنني سأستخدمها مرة واحدة فقط، فأنا لا أحبها، لأن جنرالات الجيوش العربية، الذين وعدونا بتحرير فلسطين أكثر من مرة يضعون النظارات الشمسية، ولأن عقيدتي سلفية فأنا لا أحب التشبه بالنساء.

أتممت الاستعداد اللوجستي للمقابلة بأن وضعت في حقيبتي بالإضافة لخطة المؤامرة على هذا النظام العربي الوطني ثلاث سندويشات ؛ واحدة لبنة، والثانية زعتر، والثالثة مربى القرع، تحسباً لأي تأخير في المقابلة مع عميل الموساد الإسرائيلي مستر (ديفد يعنون)، وخشيت أن يطول انتظاري، ويتسرب الجوع إليَّ ؛ فأفقد التركيز أثناء التفاوض، ولأنني عندما أجوع أبدأ بالنسيان، فخشيت أن أخطئ في النظام الذي خططنا للتآمر عليه، وأتآمر بدلاً عنه على نظام ملكي برلماني دستوري . وأمر آخر دفعني بصراحة لجلب هذه السندويشات هو طبيعة المكان، الذي سألتقي فيه مع العميل الإسرائيلي، فهذا المكان سياحي ووجبات الطعام غالية جداً، وأنا تكلفت كثيراً من أجل التنكر؛ سيجار كوبي بعشرين دولاراً، ونظارات شمسية بدولار وعشرين سنتاً، وبصراحة أعمق من ذلك فإن أي نظام عربي لا يساوي هذا المبلغ فلا داعي للإسراف.

وصلت مبكراً للمقابلة؛ هذا المكان مليئ بالسياح، والمخابرات العالمية تلعب فيه منتشرة في كل مكان.

كان علي أن أبدو متماسكاً ومحترفاً، لم أشتر جريدة مثل عملاء المخابرات الكلاسيكيين، وأقف جانب عمود كهرباء، لم أتحرك جيئة وذهاباً حتى لا ألفت نظر أحد، لم أنظر إلى ساعتي كثيراً مستعجلاً قدوم عميل الموساد الإسرائيلي مستر (ديفد يعنون). هذه مدرسة كلاسيكية تافهة ومفضوحة بالنسبة للعمل المخابراتي الحديث.

يجب علي في مثل هذه الظروف اجتراح طريقة إبداعية للتمويه حتى تنجح العملية، ويتم الاتفاق على المؤامرة.

هذا المكان أساساً هو تجمع مخابراتي كبير؛ فإذا رفعت حجراً أطل عليك عميل مخابرات، وقال لك: (بردون سير)، لذلك الحذر الحذر من أي حماقة تنسف كل العملية، فإذا شعر أي عميل مخابراتي بوجودي فإنه سيكتشف العملية، ويخبر جهاز مخابراته، ومن ثم يتم تزويد جهاز مخابرات النظام العربي، الذي قررنا الإطاحة به؛ فتفشل العملية، ونكون قد خسرنا ثمن السيجار الكوبي والنظارات الشمسية.

الحذر الحذر .. نعم الحذر الحذر في مثل هذه العمليات من العنصر النسائي.

كل هؤلاء الفتيات الجميلات اللواتي يطفن حولي بالتنانير القصيرة هن عميلات لأجهزة المخابرات، كل هذا الجمال البغيض هو جمال مخابراتي، يجب أن أكون حذراً حتى لو جاءت إحداهن، وطبعت قبلة على خدي، يجب أن أظل متماسكاً، وأضحك باصفرار وبلا مبالاة، كثير من زملاء المهنة من عملاء أجهزة المخابرات سقطوا بسبب النساء....

رن هاتفي إنه عميل الموساد الإسرائيلي مستر (ديفد يعنون) يعتذر عن التأخير لربع ساعة، أووووه ربع ساعة كثير يا ابن الكلب، ما هذا التسيب في العمل؟! بربع ساعة نسقط ثلاثة أنظمة ديمقراطية، ونظاماً ملكياً ليس عنده بترول، هذا التسيُّب يدل على عدم المسؤولية... حسناً.. سأنتظر قليلاً... كيف سأمضي هذا الوقت الطويل في حومة أجهزة المخابرات العالمية دون أن ألفت النظر، وأبدو سائحاً فقط.

الجلوس طويلاً دون فعل أي شيء أيضا ملفت للنظر، الشمس بدأت تميل غرباً، يعني أشجار الحديقة لن تحجب الشمس عن الجالسين على المقاعد، والانتظار تحت أشعة الشمس سيلفت النظر؛ لأن الجو حار لا يطاق، والشمس قوية، لا أدري لماذا لبست هذه البدلة سأختنق؟!!

لا بد أن أتصرف سريعاً وأتحرك مثل سائح عادي.

النساء: لا... التدخين دائماً: لا..؛ لأنه يوحي بتوتر، قراءة الجريدة: لا، لأنها طريقة كلاسيكية.

أخيرا جاء الفرج، في الحديقة كلب أبيض لطيف ناعم جداً ونظيف جداً، سأقوم بملاعبة هذا الكلب ..

نحن السياح نحب ملاعبة الحيوانات الأليفة.. رائع جداً ظهر من خلف المقعد ثلاثة كلاب أيضاً تشبه هذه الكلب.. سبحان الله ما أجمل هذه الخلقة.. يا الله هذه توائم.. سرت إلى الكلاب بخطى سائح واثق من نفسه، وبدأت بملاطفتها.

كانت الكلاب إيجابية، قفزت على يدي ولعبت معي، ولكن حصل خطأ بسيط جداً، فأنا لم أعتد ملاعبة الكلاب النظيفة والأليفة، كنا ونحن صغار نركض وراء الكلاب الشاردة في حارتنا ونضربها على مؤخرتها بأقدامنا، ويبدو أن الذاكرة بدأت تستدعي مواقف مشابهة من أيام الطفولة؛ فقمت بحركة عفوية بضرب أحد الكلاب على مؤخرته، فانقلب الموقف تماماً، وكشر الكلب عن أنيابه وهجم علي، وعضني من يدي، ثم هاجمتني بقية الكلاب، وها أنا أقبع الآن في المشفى للعلاج مما حاق بي من معركتي مع الكلاب، ولم أستطع مقابلة عميل الموساد الإسرائيلي مستر (ديفد يعنون) للتخطيط من أجل التآمر على نظام عربي يعيش فيه الناس بسعادة غامرة، وبرفاه منقطع النظير، وانسجام لم يسجل التاريخ مثله بين الحاكم والمحكوم.

 

سيدي الدكتاتور: اشكر الكلاب؛ لأنها حمتك من الانقلاب.

شارك برأيك

أشهر الوسوم