عصر الملكية عصر المنفلوطي.. هل كان جنة؟

فترة ما بين ثورتي 1919-1952، من الفترات التاريخية الثرية، فهي تبدأ بثورة شعبية 1919 وتتخللها وفاة سعد زغلول، وإعلان الدستور، ومعاهدة 1936، والحرب العالمية الثانية، والمشاركة في حرب فلسطين، وتنتهي بثورة أو انقلاب عسكري 1952. أما ثورة يوليو/ تموز فقد صبغت تلك الفترة بكل ألوان الظلم والتعسف بداية من وصف حياة الإقطاعيين، وبذخ الملوك، وانتهاء بجعل تلاميذ المدارس يشاهدون فيلم "رد قلبي" بتذاكر مجانية من الحكومة لكي يبغضوا الملكية التي لم يعرفوها.

لكن الغريب هو حدوث ردة فعل تمجد أحداث هذا العصر وتحن إلى نمط الحياة فيه عبر الصور القديمة بالأبيض والأسود التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتم تصوير مصر الملكية على أنها جنة فسدت بعد ثورة يوليو/ تموز، وكلتا الصورتين تتجنب تفاصيل الأحداث.

من الكتب التي أيقظت شعوري بالظلم وبمدى القهر في تلك الفترة من تاريخ مصر كتاب "الرحلة" لفكري الخولي، الذي يحكي فيه سيرة حياته، فقد عمل في مصنع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى. ويتحدث عن متاعب العامل منذ خروجه من القرية إلى المصنع. وهنا يظهر الاختلاف بين حياة العمال الحقيقية ومعاناتهم، وبين الصورة التي تقدم في كتب المدارس وفي الإعلام، فمصنع الغزل والنسيج هو قلعة الصناعة المصرية، وشارك فيه طلعت حرب. لكن هناك خلف تلك الصورة البراقة للصناعة المحلية صورة أخرى من عمالة أطفال، ومشاجرات بين العمال وأهل المحلة الكبرى بسبب ما جلبه قدوم العمال من ارتفاع في الأسعار، ووفاة الكثيرين متأثرين بالأمراض الصدرية بسبب غبار القطن، فضلاً عن الفقر المدقع. يحمل لنا الوصف أجواء المستشفيات وإصابة عامة الناس بالأوبئة والأمراض، وانتشار البغاء، وتغيب عنه صورة زخارف القصور والأناقة الملكية.

ثم وقع في يدي كتاب "عصر ورجال" للكاتب فتحي رضوان ففتح عيني على ما يشبه مرافعة من محام قدير. فهو يدرس محاسن تلك الحقبة وعيوبها، ونجوت بفضل تلك القراءة من اختزال أحداث هذا العصر العريض في أحكام قاطعة، فهو مثل كل فترة تاريخية حمل حلولاً لمشاكل طالما عانى منها الناس، ولكنه حمل هموماً جديدة.

كتب فتحي رضوان مقدمة ضافية تناسب موضوعه سماها "روح العصر". لقد اختار أن يقدم تاريخ تلك الفترة عبر تاريخ الشخصيات الثقافية البارزة مثل أحمد شوقي ومي زيادة والعقاد والمازني، وغيرهم من الأعلام الأدبية متوخياً أن يربط أحداث حياتهم بتاريخ مصر السياسي والاجتماعي، وأن يجعلهم مرآة للحياة العامة.

روح العصر

وصفه البعض بأنه عصر ذهبي، عاش فيه عمالقة الشعر، وكبار الكتاب. عصر بذر بذور النهضة وهيأ لها وأعدَّ خمائرها، هكذا يورد فتحي رضوان

البعض اعتبره عصر العظائم، وفتحي رضوان يجمع كل مفاخر تلك الفترة: إعلان الدستور، ونهوض الجامعة المصرية التي كانت قد أنشئت قبل بضع سنوات، وحركة 1935، وبدء بروز فكرة الوحدة العربية التي أخذت تعلن عن نفسها، وعرض قضية استقلال مصر في الأمم المتحدة

الصفة ليبرز نقيضها بعد ذلك. فهو يجمع الأقوال ويعرضها بأناة شديدة، ويقلب مع القارىء وجهات النظر. هذا عصر يوصف بأنه عصر الدستور، والاعتراض على حكومات الأقلية، والدفاع عن الحقوق الأساسية للشعب، أما عن الناحية الثقافية فقد ترجمت فيه الكتب الأجنبية وبدأت حركة التنوير، وتلاحقت على مدى سنينه مؤلفات لم يشهد العصر الذي سبقه مماثلاً لها.

البعض اعتبره عصر العظائم، وفتحي رضوان يجمع كل مفاخر تلك الفترة: إعلان الدستور، ونهوض الجامعة المصرية التي كانت قد أنشئت قبل بضع سنوات، وحركة 1935، وبدء بروز فكرة الوحدة العربية التي أخذت تعلن عن نفسها، وعرض قضية استقلال مصر في الأمم المتحدة.

وهو عهد الصحافة الكبيرة التي زادت عدد صفحاتها، وزاد قراؤها، وزاد محرروها وارتفع أجرهم، كما ارتفع قدرهم. وهو عهد ظهرت فيه المقاومة المسلحة ضد الإنجليز، وتحرر الشباب من سيطرة الزعماء التقليديين، وخرجوا على الأحزاب التي أنهكها الصراع الحزبي.

لكن على الضفة الأخرى ثمة صورة مختلفة..

عيوب هذا العصر

يحاول فتحي رضوان أن يقدم عريضة بكل الاتهامات التي يمكن أن نلقيها على هذا العصر وعلى رجاله. البعض اعتبره عصر انحلال وفساد وعمالة وخيانة، انتشر فيه الأقزام الذين لم يقولوا قولاً ذا قيمة، ولم يفعلوا شيئاً ذا جدوى، وأضاعوا على بلادهم فرصة ثمينة.

ويستكمل اللائحة بأنه العصر الذي أطفأ جذوة ثورة 1919، ونقلها من الكفاح المجيد ضد الإنجليز، وكفاح الفلاحين في القرى، والعمال في المدن، والطلبة والمثقفين في طول البلاد وعرضها، إلى منازعات حزبية صغيرة تافهة استهدفت أكثر ما استهدفت كراسي الوزارة، واستعملت أكثر ما استعملت حقوق الشعب ومبادئ الدستور ونزاهة الحكم وشتى الوسائط لتحقيق المآرب الخاصة وإشباع الأطماع الحزبية.

أما عن المؤلفات الكبرى في هذا العصر فقد كانت في معظمها مجموعة مقالات. لقد اتسمت أكثر آثاره بالطابع الصحفي الذي يميل إلى العجلة، والخفة، وإشباع حاجيات الساعة بلا تعمق ولا تخصص ولا أناة.

وإذا اعتبرته عصر العظائم الذي أعلن فيه الدستور، فقد عطل فيه الدستور أيضاً، ولم يسلم لأي مدة زمنية معقولة طوال ثلاثين عاماً، فهو إما موقوف، وإما ملغى، أو أنه محل عبث من جانب حكومات الأكثرية والأقلية معاً. وهو العصر الذي أعلنت فيه الأحكام العرفية فاستمرت واتصلت لأوهى الأسباب، حزباً بعد حزب ، وحاكماً بعد حاكم، حتى أصبحت هذه الأحكام هي الأصل، والحرية هي الاستثناء، وكتابنا الكبار، يهاجمونها حينما يكون حزبهم في المعارضة، ويدافعون عنها حينما يكونون في السلطان!

وهكذا تحول عصر الصحائف الكثيرة إلى عصر كان فيه الصحفيون سلعاً معروضة في الأسواق يشتريها من يدفع أكثر، أو كالممثلين في المسارح، يغيرون كل يوم ثيابهم، ويخفون وجوههم. وانتشرت الإشاعات عن طريق الصحف، وشاع تلفيق الحكايات وإسباغ هالات المجد على ذوي السلطان.

عصر آخر الشعر

هذا عصر آخر الشعر، والعبارة مقتبسة من عنوان كتاب عارف حجاوي. يرصد فتحي رضوان شعراء تلك الفترة ابتداء بأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، وأحمد محرم، وعلي الجارم. وجاء في أعقابهم جيل قوامه عباس العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني. وتلاه جيل أبرز أسمائه أحمد رامي، وأحمد زكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وعبد الرحمن صدقي.

ويوضح رضوان أن مصر لم تعرف قبل هذا العهد، مثل هذا العدد الكبير من الشعراء على اختلاف مدارس الشعر، من محمد علي إلى عهد الثورة العرابية فعهد الاحتلال. فشعراء تلك الحقبة السابقة لم يزيدوا عن خمسة يتقدمهم محمود سامي البارودي ثم يلحق به أحمد شوقي ثم حافظ إبراهيم ثم إسماعيل باشا صبري. وقد بقى شوقي وحافظ لينضما إلى حملة ألوية الشعر في عهد ما بعد ثورة 1919. إنه زمن غني بشعرائه قطعاً.

كان الشعر من أكبر متع الناس، ويصف فتحي رضوان مدى تأثر الناس بالقصائد التي لم تكن مجرد عمل فني مقصور على نخبة من رجال الأدب، بل كانت حدثاً قومياً يشغل الأديب وغير الأديب ويتحدث عنه الناس في دواوين الحكومة وعلى المقاهي وفي عربات الترام، وحمل الشعر أجواء الكفاح القومي وتغذى على معاني الوطنية.

لكنه يستدرك ويسرد عيوب الشعر في تلك الفترة فقد كان يخاطب الجماهير، ويصف ما يدور في نفوس الناس، ويترضاهم، ويجري إلى ما يتجهون إليه، فلم تكن روح الشاعر في هذا الشعر تظهر في أبياته، وإنما كان يظهر رأيه ومذهبه السياسي أو المذهب الذي يدافع عنه. كان الشعر أقرب ما يكون من المقال السياسي أو الخطبة، والعيب الأكبر هو تحول الشعر إلى بضاعة يتكسب منها الشاعر مالاً ومنصباً أو جاهاً، فما من شاعر إلا وكان له قوي يلوذ به، فيجري عليه الرزق والحماية: كان شوقي شاعر القصر، أما حافظ فقد كان في حماية محمد عبده، ثم الوزير حشمت، ثم بيت محمود باشا سليمان وأبنائه، والأباظية، ثم سعد والوفد، وقد انعكس هذا كله على شعر هذين الشاعرين، فبعض القصائد اقتضتها الظروف العابرة، وميلهم إلى تملق الأقوياء، وترضِّي ذوي السلطان. يشرح رضوان بأن الرأي العام

 لم يكن ثمة بيت يخلو من كتاب للمنفلوطي يضم مقالاته مثل النظرات، أو من واحدة من الروايات التي عربها عن الفرنسية فأقبل الشباب عليه إقبالاً حماسياً، وتخاطفوها وحفظوا أجزاء وفقرات منها عن ظهر قلب

تغاضى عن هذه القصائد ولم يشتد في لومهم الشعراء، بل بقي صوتهم مسموعاً وأسماؤهم ذائعة، برغم سقطةِ مدح حافظ للإنجليز، ومدحِ شوقي لأعوان الإنجليز وعملائهم من أمثال مصطفى فهمي وأضرابه، لكن هذا الجو الأدبي المحب للشعر سيختفي في بداية الثلاثينات بوفاة شوقي وحافظ وبروز مدرسة الديوان.

عهد المنفلوطي وتحت ظلال رواياته

يرى فتحي رضوان أن صورة هذا العهد لا تكتمل إلا إذا وقفنا طويلاً أمام شخصية أدبية كبيرة هي مصطفى لطفي المنفلوطي، فلقد بلغ من النجاح والشهرة حداً كبيراَ. ويذكر المؤلف أنه لم يكن ثمة بيت يخلو من كتاب للمنفلوطي يضم مقالاته مثل النظرات، أو من واحدة من الروايات التي عربها عن الفرنسية فأقبل الشباب عليه إقبالاً حماسياً، وتخاطفوها وحفظوا أجزاء وفقرات منها عن ظهر قلب. بل طبعت لغة المنفلوطي أساليب الكتابة في تلك الفترة، وتسربت ألفاظه وتعبيراته إلى ما يكتب الناشئون. والمنفلوطي هو أغرب من ترجم إلى اللغة العربية، فقد كان لا يعرف الفرنسية التي ترجم عنها، ولا يعرف أي لغة أجنبية، ولكنه كان يتلقى الحكاية من أصدقائه الذين يجيدون الفرنسية، فيقرأ ما يكتبون أو يسمع ما يقصون عليه ويحيط بالفحوى ثم يعيد كتابتها فكأنه ينشئها بقلمه، أو يخرجها من قلبه.

ويحلل فتحي رضوان حالة التوافق الشديد بين الأحزان التي صورها المنفلوطي في رواياته التي عربها، والأحزان التي جاشت في صدور فتيان تلك الفترة. يرجع رضوان هذه الحالة إلى أن مصدرها المثالية المخفقة والآمال الخائبة، وصراع الفضيلة في مجتمع تنتشر فيه مظاهر الانحلال. كانت روايات "ماجدولين" و"في سبيل التاج" و"الشاعر" وجوهاً متعددة لشخصية واحدة: شخصية المثالي الذي يواجه مجتمعاً متصلباً، المثالي الذي يؤْثر التضحية في صمت، وينكر ذاته غير ناظر إلى الجزاء أو الثواب. كان المنفلوطي مرحلة في حياة الأدب المصري، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، وظل نجيب محفوظ يتذكر أثر المنفلوطي بتقدير كبير. ورغم أن عصر ما بين الثورتين برزت فيه أعمال أدبية أنضج، وقصص وروايات تعبر عن حالة المجتمع بشكل أعمق، لكن للمنفلوطي قصب السبق. يختم رضوان بعبارة جميلة: "هذا هو المنفلوطي، وهذا هو دوره: واحد من ذوي الآثار الجميلة في تاريخ أدبنا بمنهجه وأسلوبه، وتقدم كثيرون ممن ساروا على دربه، ثم تناولهم الزمن بالتغيير والتطوير".

لا نستطيع في مقالة سريعة شرح روح العصر، حسبنا لفتات في السياسة والأدب، وتبقى كتب مثل "عصر ورجال" لفتحي رضوان فاتحة لفهم حياة المجتمع السياسية والاجتماعية عبر حياة المؤلفين، وكلها تدعونا إلى تجنب الأحكام القطعية، وإلى أن ننظر إلى تلك الحقبة بمحاسنها وعيوبها.

شارك برأيك

أشهر الوسوم